أين يتجه الاقتصاد الإيراني بعد الحرب؟

واجه الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الماضية مجموعة من الاختلالات المزمنة، تجلّى أبرزها في العجز المستدام في الموازنة العامة للدولة.

ميدل ايست نيوز: واجه الاقتصاد الإيراني خلال السنوات الماضية مجموعة من الاختلالات المزمنة، تجلّى أبرزها في العجز المستدام في الموازنة العامة للدولة. لم يكن هذا العجز ناتجاً فقط عن الفجوة بين النفقات والإيرادات التشغيلية، بل ارتبط أيضاً ببنية المالية العامة، والاعتماد على إيرادات غير مستقرة، ولا سيما النفط، إلى جانب القيود المرتبطة بالعقوبات وارتفاع مستوى تدخل الدولة في الاقتصاد.

وفي ظل هذه الظروف، ووفق ما كتب موقع اقتصاد نيوز الإيراني، جرى تمويل العجز في الغالب عبر مسارات أدت إما إلى زيادة القاعدة النقدية أو إلى تغذية نمو السيولة داخلياً من خلال الشبكة المصرفية؛ وهي عملية أفضت في المحصلة إلى تضخم مزمن، وتصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي، وإضعاف النمو.

هشاشة الاقتصاد الإيراني أمام الصدمات الخارجية

في المقابل، أسهم تراجع الاستثمار، وتآكل البنية التحتية، والضغوط على قطاع الإنتاج، ومحدودية الوصول إلى الموارد الخارجية، في تعميق هذه الاختلالات وجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية.

وفي هذا السياق، لم تقتصر الحروب الأخيرة على كونها صدمة خارجية، بل تحولت أيضاً إلى مصدر خسائر اقتصادية واسعة. فقد أدى تدمير البنى التحتية، وإلحاق الأضرار بقطاع الإسكان والأعمال، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية، إلى تحميل الدولة أعباء مالية ثقيلة لإعادة الإعمار وتعويض الخسائر، وهي أعباء تفوق بكثير قدراتها المالية ومواردها المتاحة.

وفي ظل هذا الواقع، فإن تحميل اقتصاد يعاني أصلاً من عجز مزمن في الموازنة تكاليف إضافية بهذا الحجم، من شأنه أن يعمّق العجز القائم. كما أن محدودية الإيرادات، وضعف القاعدة الضريبية في ظل الركود، واستمرار القيود الخارجية، كلها عوامل تزيد من تضييق خيارات التمويل.

العجز في الموازنة وتداعياته على الاقتصاد

يواجه الاقتصاد الإيراني منذ سنوات ظاهرة العجز في الموازنة، إذ تجاوزت النفقات الجارية للدولة إيراداتها التشغيلية، ما أوجد فجوة مستمرة بين المصروفات والموارد. ومع أن العجز في الموازنة بات ظاهرة شائعة في العديد من اقتصادات العالم، فإن الأهم لا يتمثل في وجود العجز بحد ذاته، بل في كيفية تمويله والغاية من نشوئه.

وعلى نحو عام، يمكن اعتبار العجز مؤشراً على اتساع تدخل الدولة في الاقتصاد، وهو ما يخلّ بتوازن السوق على المدى الطويل، ويخلّف أضراراً تتطلب معالجتها كلفة اقتصادية واجتماعية مرتفعة.

ووفق أحدث البيانات، تجاوز العجز الحقيقي في الرصيد التشغيلي للموازنة الإيرانية منذ عام 2002 مستوى 100 تريليون تومان، واضطرت الحكومة إلى اللجوء إلى وسائل متعددة لتغطيته، من بينها الاقتراض المباشر من البنك المركزي، والاقتراض غير المباشر عبر الشبكة المصرفية، واستخدام موارد صندوق التنمية الوطني وصناديق أخرى، وإصدار السندات المالية، وخفض مخصصات الإنفاق الاستثماري.

وفي جميع هذه الحالات، جرى خلق السيولة إما عبر زيادة القاعدة النقدية أو بصورة داخلية، أو من خلال تراجع الإنتاج بما أدى إلى تجاوز نمو الكتلة النقدية نمو الناتج الحقيقي. وفي النهاية، كانت النتيجة ارتفاع الأسعار، وتزايد حالة عدم اليقين، وتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي ومستويات الرفاه.

العجز قبل الحرب

تشير اتجاهات العجز إلى أن أدنى مستوياته، وفق الأرقام المعلنة، سُجلت قبل الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، وما أعقبها من حرب استمرت 40 يوماً في فبراير الماضي. وتُظهر الحسابات أن العجز الحقيقي في عام 2025، بأسعار عام 2023 الثابتة، بلغ نحو 119 تريليون تومان. غير أن احتساب العجز بعد الحربين قد يرفع هذا الرقم إلى مستويات أعلى بكثير.

كما تفيد البيانات بأن العجز الحقيقي في الرصيد التشغيلي، محسوباً بأسعار عام 2023، تجاوز منذ عام 2002 وحتى عام 2025 مستوى 200 تريليون تومان، فيما سُجل أعلى عجز في عام 2021 وبلغ نحو 944 تريليون تومان.

وتكشف مسيرة العجز أن الدولة أنفقت سنوياً أكثر مما حققته من إيرادات، ما أدى إلى تحميل الاقتصاد كلفة هذا العجز عبر التضخم. كما أن تدخلات الدولة شكلت تهديداً إضافياً، وأسهمت في تكريس العجز كأحد أبرز الاختلالات الهيكلية.

وعموماً، يبدو أن القيود التي فرضتها العقوبات الأميركية والغربية على صادرات النفط الإيراني منذ عام 2011 كانت من العوامل الرئيسة في تفاقم العجز، إذ أدت إلى تراجع الإيرادات الحكومية. وفي المقابل، اتجهت الحكومة، بدوافع سياسية واجتماعية، إلى زيادة الإنفاق لتعويض تراجع مستويات معيشة الأسر الإيرانية، ما ساهم في تعميق أزمة العجز والتضخم.

يتضح من استعراض الأرقام أن عجز الموازنة كان متجذراً في الاقتصاد الإيراني حتى قبل الحربين الأخيرتين، في ظل اقتصاد يعاني اختلالات هيكلية عميقة وعقوبات دولية ومشكلات مزمنة أخرى. ويُطرح هنا تساؤل أساسي: إذا أضيفت الخسائر الناجمة عن الحربين اللتين استمرتا 12 يوماً و40 يوماً إلى الأعباء القائمة، فكيف سيكون حجم الضغوط الناتجة على الاقتصاد؟

يستعرض التقرير تقديرات الخسائر التي تكبدها الاقتصاد خلال 40 يوماً من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وحجم العبء الذي سيتحمله في سبيل إعادة الإعمار.

أضرار الحرب تعادل تسعة أضعاف الموازنة العامة للعام الماضي

يمكن من خلال مقارنة حسابية بسيطة تقدير حجم الخسائر التي لحقت بالاقتصاد جراء الحرب التي استمرت 40 يوماً. ووفق تقديرات الحكومة، كما أعلنت المتحدثة باسمها فاطمة مهاجراني، بلغت الأضرار التي طالت البنى التحتية والمباني السكنية والتجارية نحو 270 مليار دولار.

واستناداً إلى سعر الصرف المعتمد في قانون موازنة عام 2025 والبالغ 130 ألف تومان للدولار، فإن هذا المبلغ يعادل نحو 35 ألف تريليون تومان.

في المقابل، بلغ إجمالي الموازنة العامة لعام 2025، التي أقرها البرلمان في العام السابق، نحو 4 آلاف تريليون تومان، من دون احتساب أو توقع الحربين. وبناءً عليه، فإن حجم الأضرار المعلنة يعادل نحو تسعة أضعاف إجمالي الموازنة العامة لذلك العام.

ومن جهة أخرى، قدّر موقع Trading Economics حجم الاقتصاد الإيراني في عام 2025 بنحو 442 مليار دولار. وعلى هذا الأساس، فإن تعويض خسائر بقيمة 270 مليار دولار يتطلب ما يعادل 61 في المئة من إجمالي الناتج المحلي للعام الماضي.

تعكس هذه الأرقام حجم الخسائر الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد خلال الحرب، وتشير إلى أن تعويضها سيكون مهمة شاقة. ومن أبرز التداعيات المتوقعة تعميق أزمة عجز الموازنة، في ظل محدودية الإيرادات الموثوقة، وصعوبة اللجوء إلى عائدات النفط بسبب استمرار الحصار والعقوبات.

كما أن الأضرار الواسعة وحالة عدم اليقين بشأن مسار الحرب أثرت على قدرة الدولة في تحصيل الضرائب، نظراً لما تواجهه الشركات من ركود وتراجع في الإيرادات. وفي ظل هذا الواقع، قد يصبح خيار التوسع في إصدار النقود أو ما يُعرف بتمويل العجز نقدياً أحد المسارات المتبقية، خاصة مع استمرار حالة وقف إطلاق النار من دون تسوية نهائية.

هل يتجه التضخم إلى مزيد من الارتفاع؟

تدرس الحكومة منح قروض خاصة لإعادة إعمار المباني السكنية والتجارية المتضررة، وهي قروض تُفرض عادة على المصارف ضمن ما يُعرف بالتسهيلات الإلزامية. ويُعد هذا المسار أحد أدوات تمويل إعادة الإعمار.

غير أن الاقتصاد الإيراني يعاني أساساً عجزاً هيكلياً في الموازنة وتضخماً مرتفعاً، ما يثير مخاوف من أن يؤدي هذا التوجه إلى تجاوز معدلات نمو السيولة مستوياتها المرتفعة الحالية.

ولم تُعلن بعد قيمة هذه التسهيلات، إلا أن تجربة ما بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً تقدم مؤشراً تقريبياً. فقد صرّح غلام رضا مصباحي مقدم، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، بأن الحكومة ضخت بعد تلك الحرب نحو 275 تريليون تومان من الأموال عالية السيولة في الاقتصاد، ما أدى، وفق معامل مضاعف قدره 7.8، إلى خلق نحو ألفي تريليون تومان من السيولة الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الأرقام بعد الحرب التي استمرت 40 يوماً أعلى بكثير، بالنظر إلى حجم الأضرار، ما يعني احتمال تسجيل زيادة أكبر في السيولة داخل اقتصاد يعاني أصلاً ضغوطاً تضخمية.

ووفق أحدث بيانات البنك المركزي في ديسمبر 2025، بلغ حجم السيولة في الاقتصاد الإيراني نحو 13.5 ألف تريليون تومان، فيما وصل معدل نمو السيولة إلى 40.9 في المئة. ومن ثم، يبقى حجم السيولة الإضافية الناتجة عن التسهيلات الإلزامية وتأثيرها على معدلات النمو النقدي عاملاً حاسماً في تحديد مسار التضخم.

في ضوء هذه المعطيات، يبرز ارتفاع التضخم كأحد أبرز السيناريوهات المحتملة أمام الاقتصاد الإيراني في المرحلة المقبلة.

 

(سعر الدولار في سوق إيران: 185.000 تومان)

اقرأ المزيد

بين حصار الخارج وتناقض الداخل: خريطة طريق للصمود الإيراني

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى