تكامل إقليمي أم منفذ للطوارئ؟.. مستقبل العراق ضمن مشروع «الشام الجديد»

دفعت الخسائر الكبيرة التي تكبدها العراق جراء تعطل صادراته النفطية عبر مضيق هرمز إلى إعادة إحياء النقاش بشأن مشروع “الشام الجديد” بوصفه أحد البدائل الاستراتيجية لتنويع منافذ التصدير.

ميدل ايست نيوز: دفعت الخسائر الكبيرة التي تكبدها العراق جراء تعطل صادراته النفطية عبر مضيق هرمز إلى إعادة إحياء النقاش بشأن مشروع “الشام الجديد” بوصفه أحد البدائل الاستراتيجية لتنويع منافذ التصدير.

ويرى مراقبون أن المشروع يمكن أن يوفر للعراق مرونة أكبر في الوصول إلى الأسواق العالمية وتعزيز التكامل الاقتصادي مع الأردن ومصر، إلا أن نجاحه ما يزال مرهوناً بحسم التحديات الفنية والاقتصادية وتسريع تنفيذ مشاريع الربط النفطي والطاقة.

تحديات متعددة

ويقول الخبير في اقتصاديات النقل زياد الهاشمي، إن “مشروع أنبوب النفط الرابط بين البصرة والعقبة ما يزال غير محسوم حتى الآن، ويواجه جملة من التحديات الفنية والاقتصادية والسياسية التي تؤثر في فرص تنفيذه”.

ويوضح، أن “مشروع الشام الجديد يقوم على نقل النفط العراقي من البصرة إلى عقدة حديثة في محافظة الأنبار، قبل أن يمتد عبر أنبوب مباشر إلى ميناء العقبة الأردني، ومنه يُنقل بواسطة ناقلات النفط إلى الموانئ المصرية، ولا سيما ميناء الدخيلة، ليرتبط لاحقاً بشبكة الأنابيب المصرية التي تصل بين البحر الأحمر والبحر المتوسط وصولاً إلى الإسكندرية”.

ويشير الهاشمي إلى أن “أهمية المشروع لا تقتصر على توفير مسار إضافي لتصدير النفط العراقي، بل تتجاوز ذلك إلى دعم مشاريع التكرير التي يشارك العراق في الاستثمار بها داخل مصر”، لافتاً إلى أن “النفط العراقي يمكن أن يغذي هذه المصافي لإنتاج مشتقات نفطية مكررة وتسويقها في الأسواق الأفريقية والأوروبية، بما يعزز القيمة الاقتصادية للصادرات العراقية”.

دور مصري

ويلفت الخبير في اقتصاديات النقل إلى أن “ميناء العقبة يوفر منفذاً مباشراً للأسواق الأوروبية، إلا أن الدور المصري في المشروع يرتكز بصورة أساسية على استلام النفط الخام وتشغيل المصافي المرتبطة باستثمارات عراقية، فضلاً عن الاستفادة من الطاقات الخزنية المتاحة في تلك المنطقة”.

ويؤكد، أن “الحديث عن المشروع بوصفه بديلاً كاملاً لصادرات العراق عبر الخليج ومضيق هرمز ليس دقيقاً”، مبيناً أن “أنبوب العقبة يمثل مساراً مكملاً للمنظومة التصديرية العراقية وليس بديلاً عن الموانئ الجنوبية في البصرة التي تستحوذ على الجزء الأكبر من صادرات النفط المتجهة إلى الأسواق الآسيوية”.

ويرى، أن “الأنابيب البديلة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في حالات الطوارئ أو عند تعطل الملاحة في مضيق هرمز بسبب الأزمات أو النزاعات، لكنها في الظروف الطبيعية تبقى منافذ داعمة تمنح العراق مرونة أكبر في الوصول إلى أسواق جديدة، خصوصاً في أوروبا وأمريكا الشمالية، إلى جانب المحافظة على المسار الجنوبي بوصفه المنفذ الرئيسي لصادرات النفط العراقية”.

ضرورة استراتيجية

وتكبّد العراق خسائر تُقدَّر بنحو 37.7 مليار دولار نتيجة تراجع صادراته النفطية منذ إغلاق مضيق هرمز على خلفية التوترات العسكرية في المنطقة، وفقاً لمرصد إيكو العراق، الذي أشار إلى أن “الفجوة في الصادرات العراقية خلال الفترة المذكورة تُقدّر بنحو 350 مليون برميل”.

وأكد المرصد، أن “مشروع الشام الجديد يمثل ضرورة استراتيجية ملحّة لضمان استقرار صادرات النفط العراقية وتأمين بدائل حيوية بعيداً عن المخاطر الجيوسياسية التي تهدد الممرات البحرية، لا سيما أن الاقتصاد العراقي يعتمد على عائدات النفط بنسبة تقارب 90%”.

عقبات وتوترات

من جهته، يقول الخبير في الشأن الاقتصادي همام الشماع، إن البحث عن منافذ بديلة لتصدير النفط العراقي ليس طرحاً جديداً، بل يعود إلى سنوات سابقة عندما طُرحت مشاريع لربط الصادرات العراقية عبر سوريا والأردن، إلا أن تلك المسارات واجهت عقبات سياسية وإقليمية حالت دون تنفيذها.

ويؤكد، أن “العراق ما يزال يعتمد بشكل كبير على مضيق هرمز في تصدير نفطه، ما يجعله عرضة للتأثر بأي توترات أو إغلاقات قد تشهدها المنطقة”، لافتاً إلى أن “امتلاك منافذ تصدير متعددة أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الإيرادات النفطية وحماية الاقتصاد الوطني من المخاطر الجيوسياسية”.

أوراق ضغط

ويحذر الخبير الاقتصادي من أن “الاعتماد على هرمز بوصفه المنفذ الرئيس للصادرات النفطية لا يمكن أن يستمر بوصفه خياراً آمناً على المدى الطويل”، مبيناً أن “أي طرف يمتلك القدرة على التأثير في حركة الملاحة أو تدفقات النفط عبر المضيق قد يستخدم هذا الملف كورقة ضغط سياسية واقتصادية على العراق”.

وينبه إلى أن “تطوير مشاريع التصدير عبر الأردن وسوريا يمثل أحد الخيارات المهمة لتنويع منافذ التصدير وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد”، مشدداً على أهمية بناء تفاهمات واتفاقات طويلة الأمد مع دول الجوار لضمان استقرار هذه المشاريع وحمايتها من التجاذبات السياسية والإقليمية.

ويخلص الشماع إلى أن “تعزيز مرونة منظومة تصدير النفط العراقي يتطلب الإسراع في إنشاء بدائل استراتيجية للمنافذ الحالية، بما يضمن استمرار تدفق الصادرات النفطية ويجنب البلاد أي ضغوط أو ابتزاز قد ينجم عن الأزمات التي تشهدها المنطقة”.

وفي أعقاب الحرب العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، اضطربت الملاحة في مضيق هرمز الذي يعد الشريان الأهم للتجارة العالمية، وهو أهم ممر مائي لتجارة الطاقة في العالم بعدما أعلنت إيران إغلاقه، ما وضع سلاسل التوريد العالمية أمام اختبار صعب.

سوق مشتركة

إلى ذلك، يشرح الخبير النفطي كوفند شيرواني، أن مشروع “الشام الجديد” الذي وضعت أسسه قبل 6 أعوام يمثل إطاراً للتكامل الاقتصادي بين العراق والأردن ومصر، ويستهدف تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والنقل والأمن الغذائي، بما يهيئ لإنشاء سوق إقليمية مشتركة بين الدول الثلاث.

ويضيف، أن “التطورات الأخيرة التي أثرت على صادرات النفط العراقية أعادت ملف المنافذ البديلة إلى واجهة الاهتمام، لاسيما أن موانئ البصرة كانت تستحوذ على النسبة الأكبر من صادرات النفط الخام، الأمر الذي يجعل البحث عن مسارات إضافية للتصدير عبر الأردن أو سوريا خياراً استراتيجياً لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على منفذ واحد”.

تقييم المشروع

ويتابع شيرواني، أن مشروع خط أنبوب النفط بين البصرة والعقبة يُعد أحد أبرز مشاريع “الشام الجديد”، إلا أن تنفيذه تأخر خلال السنوات الماضية بسبب ملاحظات تتعلق بالجدوى الاقتصادية، معتبراً أن “الظروف الحالية تستدعي إعادة تقييم المشروع ودراسة خيارات أخرى، من بينها إعادة إحياء خط كركوك ـ بانياس، إلى جانب دعم المنفذ الشمالي عبر تركيا وتطويره”.

ويؤكد، أن “تعدد منافذ تصدير النفط يمنح العراق مرونة أكبر في إدارة صادراته وحماية اقتصاده من تداعيات أي توقف أو اضطراب قد يصيب أحد المسارات الرئيسية، خاصة في ظل اعتماد البلاد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية”.

الربط الكهربائي

ويضم مشروع “الشام الجديد” ملف الطاقة الكهربائية أيضاً، إذ يشير شيرواني إلى أن الربط الكهربائي الإقليمي أصبح أكثر إلحاحاً في ظل اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، موضحاً أن “الطلب المتوقع خلال فصل الصيف يتجاوز 50 ألف ميغاواط، في حين لا يتجاوز الإنتاج الفعلي 27 إلى 28 ألف ميغاواط، ما يترك عجزاً كبيراً يزداد بفعل فاقد النقل والتوزيع”.

ويلفت إلى أن كميات الكهرباء المستوردة عبر مشروع الربط مع الأردن ما تزال محدودة مقارنة بحجم العجز القائم، رغم أهميتها في دعم بعض المحافظات الغربية، مؤكداً أن مشاريع النفط والطاقة الكهربائية تمثل أولوية أساسية ضمن مسارات مشروع “الشام الجديد”.

ويخلص الخبير النفطي إلى أن المرحلة الحالية تتطلب من الحكومة الإسراع في مراجعة هذه المشاريع الاستراتيجية وتقييم جدواها الاقتصادية والفنية، تمهيداً لاتخاذ قرارات عملية تسهم في تعزيز أمن الطاقة وتنويع منافذ التصدير وتقليل المخاطر التي تواجه الاقتصاد العراقي.

ومشروع “الشام الجديد” هو تكتل اقتصادي استراتيجي يجمع العراق والأردن ومصر، أعلن عنه لأول مرة أيلول سبتمبر 2020 إبان ولاية رئيس الحكومة الأسبق مصطفى الكاظمي خلال قمة ثلاثية جمعت قادة الدول الثلاث في عمان، ولم يتم تنفيذه بالكامل حتى الآن.

ويهدف المشروع لتحقيق تكامل إقليمي عبر مشاريع للربط الكهربائي، وأنابيب النفط من البصرة للعقبة، وإنشاء مناطق صناعية حرة لتعزيز الأمن الغذائي والتجارة المشتركة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى