ما هي الترتيبات المتعلقة بإدارة مضيق هرمز في مذكرة التفاهم الإيراني الأميركي؟
تتضمن الترتيبات المستقبلية لإدارة مضيق هرمز فرض رسوم على بعض الخدمات، بما في ذلك الخدمات المرتبطة بالملاحة البحرية والأمن والتأمين وحماية البيئة.
ميدل ايست نيوز: قبل اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، كانت طهران تتبع نهجاً مرناً في الإشراف على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. إلا أن بدء العمليات العسكرية دفع طهران إلى اتخاذ قرار حاسم بإعادة تنظيم إدارة هذا الممر المائي وتشديد إجراءات الرقابة والسيطرة عليه، بما يتجاوز بصورة واضحة الآليات المعمول بها في السابق.
وأوضح محمد باقر قاليباف، رئيس الوفد الإيراني المفاوض، في مقابلة تلفزيونية: «كان مضيق هرمز يمثل قدرة كامنة، لكن العدو حوّل هذه القدرة إلى واقع بفعل إجراءاته. إدارة مضيق هرمز والسيطرة عليه تعودان إلى الدول الساحلية المطلة عليه، ولدينا حقوق سيادية فيه، ومن الطبيعي أن نتقاضى رسوماً مقابل الخدمات المقدمة».
من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة تلفزيونية بتاريخ 12 يونيو، أن «إيران وسلطنة عُمان وفرتا على مدى سنوات طويلة الأمن والسلامة لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وحددتا مسارات العبور، وحافظتا على البيئة، وقدمتا خدمات الإنقاذ والإغاثة. كانت هذه الخدمات تُقدم حتى الآن مجاناً، لكن القرار الحاسم للجمهورية الإسلامية الإيرانية هو أن إدارة مضيق هرمز في المستقبل ستكون مختلفة عما كانت عليه في السابق. السيادة الإيرانية كانت قائمة دائماً وما زالت قائمة وستبقى كذلك مستقبلاً، لكن إدارة حركة العبور وتقديم الخدمات لن تكون كما كانت في الماضي».
تقول وكالة إرنا الحكومية في تقرير: خلال الحرب، تحول تطبيق إيران لسيادتها على مضيق هرمز ومراقبتها لحركة السفن، بهدف حماية الأمن الإيراني وأمن الملاحة البحرية، إلى إحدى أدوات الضغط الفعالة التي استخدمتها طهران لدفع الأطراف المهاجمة نحو إنهاء الحرب.
ومع توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بإنهاء الحرب والبدء التدريجي في استئناف الحركة الطبيعية للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، برزت تساؤلات في الأوساط العامة بشأن مستقبل الإدارة الإيرانية للمضيق بعد الحرب. كما طُرحت أسئلة حول ما تضمنته مذكرة التفاهم بشأن هذا الممر المائي الحيوي، وما إذا كان هناك أي غموض أو إشكالات تتعلق بالإدارة المشتركة للمضيق بين إيران وسلطنة عُمان في مرحلة ما بعد الحرب.
ماذا تتضمن مذكرة التفاهم؟
نشرت وكالة إرنا النص الرسمي لمذكرة التفاهم الخاصة بإنهاء الحرب في 18 يونيو. وتضمن أحد بنود المذكرة، المؤلف من ثلاث جمل، نصاً مخصصاً لوضع مضيق هرمز.
وجاء في البند الخامس من مذكرة التفاهم: «بمجرد توقيع هذه المذكرة، ستتخذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بأقصى ما تستطيع من جهود، الترتيبات اللازمة لضمان العبور الآمن للسفن التجارية، من الخليج إلى بحر عُمان وبالعكس، من دون رسوم ولمدة 60 يوماً فقط».
وأضاف النص: «تبدأ حركة السفن التجارية فوراً، على أن تُستكمل بصورة كاملة خلال 30 يوماً، نظراً إلى ضرورة إزالة العوائق الفنية والعسكرية وتنفيذ عمليات إزالة الألغام من جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية».
وفي ختام البند ورد ما يلي: «ستجري الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسلطنة عُمان مشاورات لتحديد آلية الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي السارية والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق، كما ستتبادل الآراء مع بقية الدول الساحلية في الخليج».
وعلى خلاف بعض الشكوك والتفسيرات التي أُثيرت بشأن هذا البند، والتي سيتناول التقرير بعضها لاحقاً، فقد جرى اختيار كل كلمة وصياغة في هذا النص بدقة شديدة، بهدف منع أي تأويلات غير مرغوبة أو فهم خاطئ لمستقبل إدارة مضيق هرمز التي تسعى إيران إلى تطويرها بالتعاون مع سلطنة عُمان.
التفاصيل القانونية لبند مضيق هرمز في مذكرة إنهاء الحرب
راعت إيران عدداً من الاعتبارات القانونية عند صياغة البند الخامس من مذكرة إنهاء الحرب، بحيث يحمل كل تعبير فيه دلالة قانونية محددة.
ففي الجملة الأولى من البند، لم يُذكر اسم مضيق هرمز بشكل مباشر، بل استُخدمت عبارة «العبور الآمن للسفن التجارية من الخليج إلى بحر عُمان وبالعكس». وجاء هذا الاختيار بهدف الفصل بين الترتيبات الخاصة بحركة الملاحة من الخليج إلى بحر عُمان وبين مسألة الوضع القانوني لمضيق هرمز نفسه. وتهدف هذه المبادرة الإيرانية إلى الحيلولة دون محاولة الأطراف الدولية اختزال الحقوق القانونية المتعلقة بالدخول إلى الخليج والخروج منه في الإطار القانوني الخاص بالمضائق أو في الادعاءات المرتبطة بقواعد القانون الدولي العرفي المنظمة للمضائق.
كما شددت طهران على أن الدخول إلى میاه الخليج والخروج منها عبر بحر عُمان سيظل «من دون رسوم ولمدة 60 يوماً فقط». وأكد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني هذا الأمر في بيان صدر مساء اليوم التالي. وبعد انتهاء هذه المدة، ستحدد طهران، وفق الترتيبات الجديدة، الرسوم الخاصة بالخدمات المقدمة في مجالات متعددة، من بينها خدمات السلامة والملاحة البحرية وحماية البيئة والتأمين.
وفي الوقت نفسه، استخدمت طهران في النص عبارة «أقصى الجهود الممكنة» (Best Efforts)، وهو ما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة في مواجهة أي تهديدات أو عقبات محتملة قد تعترض إعادة فتح مضيق هرمز أو تنظيم حركة الملاحة فيه.
أما النقطة الأساسية في الجملة الأولى فتتمثل في عبارة: «ستتخذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية الترتيبات اللازمة…». وتؤكد هذه الصياغة بوضوح أن أي تطور أو إجراء في المنطقة بعد الاتفاق سيتم حصراً وفق «الترتيبات الإيرانية»، أي القواعد والآليات التي تضعها إيران وتعلنها وتنفذها، من دون أن يكون لأي طرف ثالث حق التدخل فيها أو تفسيرها.
وفي هذا الإطار، فإن مفهوم «العبور الآمن للسفن التجارية» سيخضع أيضاً لتقدير إيران، باعتبار أن الترتيبات تصدر عنها. وبناءً على ذلك، تستطيع إيران، وفقاً لتقديرها، منع أي سفينة من العبور إذا كانت تحمل شحنة تعتبرها مهددة أو إذا كان المستفيد النهائي منها طرفاً منخرطاً في أعمال عدائية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
أما الجملة الثانية من هذا البند فتتعلق بامتياز إعادة تطبيع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، والذي قدمته طهران للطرف المقابل ضمن التزامات إنهاء الحرب. وبموجب هذا النص، تتعهد إيران باتخاذ الترتيبات اللازمة خلال 30 يوماً لإزالة العوائق الفنية والعسكرية وتنفيذ عمليات إزالة الألغام.
ويشير النص إلى أنه، خلافاً لما تدعيه بعض الدول الأوروبية والتصريحات المتكررة الصادرة عن الولايات المتحدة بشأن مشاركتها في عمليات إزالة الألغام في مضيق هرمز، فإن هذه المهمة تقع حصراً على عاتق إيران، ولا يحق لأي دولة أخرى التدخل فيها.
أما الجملة الثالثة، التي تعد الجزء الأهم من هذا البند، فتتناول الترتيبات المستقبلية لإدارة مضيق هرمز، وتتضمن عدة نقاط رئيسية:
- وافقت الولايات المتحدة على أن الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز ستستند إلى القرارات التي تتخذها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسلطنة عُمان.
- لم تطرح الولايات المتحدة في أي موضع من الوثيقة فكرة الطابع الدولي للممر المائي، كما لم تتضمن الوثيقة أي إشارة إلى حق العبور العابر (Transit Passage) أو إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
- باستثناء سلطنة عُمان، لم تلتزم إيران تجاه الدول الأخرى سوى بإجراء «تبادل للآراء» بشأن ترتيبات الإدارة المستقبلية للمضيق، ما يعني أن هذه الدول لن تؤدي بالضرورة دوراً حاسماً في تحديد آليات الإدارة. ومع ذلك، تسعى طهران، استناداً إلى مبدأ حسن الجوار، إلى أخذ آراء الدول الإقليمية المعنية في الاعتبار عند وضع الترتيبات المستقبلية.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مقابلة تلفزيونية، أن «الآليات والترتيبات الخاصة بهذا الملف ما زالت قيد الإعداد. وقد بدأنا منذ فترة طويلة مشاورات وثيقة مع سلطنة عُمان، كما أجرينا محادثات مع عدد من الدول الأخرى وسنواصل هذه المشاورات. وتم وضع جانب كبير من هذه الآليات بالتنسيق مع عُمان، نظراً لأن هذا الملف لا يزال حديث العهد، كما سنجري مشاورات مع بقية الدول أيضاً. ونأمل أن نشهد حركة ملاحة آمنة مع الحفاظ على سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحقوقها بوصفها دولة ساحلية مطلة على المضيق».
ومع ذلك، تتضمن الترتيبات المستقبلية لإدارة مضيق هرمز فرض رسوم على بعض الخدمات، بما في ذلك الخدمات المرتبطة بالملاحة البحرية والأمن والتأمين وحماية البيئة. ومن المقرر تحديد قيمة هذه الرسوم بعد استكمال آلية إدارة المضيق التي تعمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسلطنة عُمان على إعدادها.
وفي المقابل، يرى التقرير أن الادعاءات التي تروج لها بعض وسائل الإعلام الأجنبية بشأن تحقيق إيرادات ضخمة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات من خلال فرض رسوم على حركة العبور في مضيق هرمز، ليست سوى مزاعم إعلامية تهدف إلى إثارة الرأي العام الدولي وتحريض الدول المستفيدة من الملاحة عبر المضيق ضد الإدارة الإيرانية لهذا الممر المائي.



