الصحافة الإيرانية: من المقاومة إلى الاختبار الكبير للدبلوماسية

إن الإعلان الرسمي عن مذكرة التفاهم يُظهر أن الطرفين توصلا إلى إطار رسمي لإنهاء الحرب، وأن الإدارة الأمريكية قررت انتهاج مسار وقف المواجهة والانتقال إلى الدبلوماسية.

ميدل ايست نيوز: في وقت كان العالم يتوقع حتى أيام قليلة مضت أن تصل نيران الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى مرحلة خارجة عن السيطرة، تشهد المنطقة اليوم تحولاً مهماً. فقد دخلت مذكرة التفاهم الأولية بين إيران والولايات المتحدة، الموقعة من رئيسي البلدين، مرحلة التنفيذ؛ وهي وثيقة تمثل الخطوة الأولى في اتفاق من مرحلتين يهدف إلى وقف الحرب على جميع الجبهات، ورفع القيود المفروضة على إيران، بما في ذلك إنهاء الحصار البحري، واستئناف صادرات النفط، والإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى إعادة فتح مضيق هرمز. ومن المقرر أن تمهد هذه المذكرة الطريق للتوصل إلى اتفاق أشمل مع نهاية فترة الستين يوماً.

يقول محسن شريف خدائي، الخبير في الشؤون الدولية، في مقال لصحيفة شرق: أما المرحلة الثانية من هذا المسار، والتي تُعد الجزء الأهم من المفاوضات المقبلة، فستتناول الملف النووي الإيراني، بما يشمل مستويات التخصيب ووضع مخزون اليورانيوم المخصب، إلى جانب الرفع الكامل للعقوبات، والترتيبات الأمنية الإقليمية، وسائر القضايا الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تعهدت الولايات المتحدة، منذ بدء تنفيذ مذكرة التفاهم، بإصدار الإعفاءات اللازمة لصادرات النفط الإيرانية والخدمات المرتبطة بها، والعمل مع شركائها الإقليميين على إعداد برنامج لا تقل قيمته عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها اقتصادياً، على أن تُحدد آليات تنفيذه في الاتفاق النهائي. كما اتفق الطرفان على أن يحظى الاتفاق النهائي بتأييد من خلال قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي لضمان الغطاء القانوني والدولي اللازم له.

ومن بين بنود مذكرة التفاهم، يبرز البند الأهم المتمثل في التأكيد الصريح على الإنهاء الدائم للحرب والصراع بين البلدين، وهو بند يعني، إذا ما تحقق، خروج إيران والولايات المتحدة من دائرة العداء الممتدة منذ 47 عاماً، وقد يفتح المجال أمام ديناميكية غير مسبوقة في العلاقات الثنائية. وفي الواقع، فإن بقية بنود المذكرة تستمد أهميتها من هذا المبدأ، لأن فشل تحقيقه يعني العودة إلى دائرة الحرب التي تكبد خلالها الطرفان خلال العام الماضي كلفة باهظة. وتكمن أهمية هذا البند في أنه لا يرسم فقط مسار خفض التوتر، بل يضع أيضاً إطاراً جديداً لإعادة بناء العلاقات وإدارة الخلافات.

لكن السؤال الرئيسي يبقى: هل يمكن لهذا التوقف المؤقت للحرب أن يتحول إلى سلام دائم، أم أنه مجرد هدنة قصيرة في مسار لا يزال محفوفاً بالتوتر؟ إن الإعلان الرسمي عن مذكرة التفاهم يُظهر أن الطرفين توصلا إلى إطار رسمي لإنهاء الحرب، وأن الإدارة الأمريكية قررت انتهاج مسار وقف المواجهة والانتقال إلى الدبلوماسية. وتحمل هذه الوثيقة أهمية قانونية وسياسية كبيرة، لأنها تشكل أساس الخطوات المقبلة الرامية إلى خفض التوتر والانطلاق نحو مفاوضات أوسع نطاقاً. كما أنها جاءت في سياق فرضته تطورات الحرب والضغوط الإقليمية والدولية والتحولات في موازين القوى بالشرق الأوسط، ما جعلها جزءاً من معادلة أكبر. ويمكن للمسار الجديد الذي بدأ اليوم أن يغير اتجاه الحرب ويفتح الباب أمام حوارات أعمق بشأن القضايا الاستراتيجية.

ومع ذلك، فإن هذه المذكرة لا تمثل سوى توقف مؤقت في حرب لعبت الولايات المتحدة وإسرائيل دوراً في إشعالها. فإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري، وخفض مستوى التوتر، لا تعني نهاية الصراع، بل تمثل في جوهرها عودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب. وسيكون المعيار الحقيقي للنجاح هو ما إذا كان بالإمكان خلال الشهرين المقبلين التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام، وما إذا كانت الحروب التي اشتعلت ستُطوى بسلام دائم أم لا.

وفي حال فشل الاجتماعات الفنية والتفاوضية المقرر عقدها قريباً، فإن التداعيات ستكون كبيرة. فقد أدركت دول الخليج وأسواق الطاقة والمخططون العسكريون أن إيران ما زالت قادرة، عبر إغلاق مضيق هرمز، على إحداث اضطرابات واسعة في الاقتصاد العالمي. كما كشفت هذه التطورات عن فجوة بين القدرات العسكرية الأمريكية والقدرات الاستراتيجية للولايات المتحدة، وهي فجوة قد تُدرج مستقبلاً ضمن مؤشرات تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة.

وفي هذا السياق، تبرز حقيقة أساسية مفادها أن أياً من القوى الخارجية لم يعد قادراً على فرض نظام مستقر في الشرق الأوسط. فقد أظهرت الحرب الأخيرة أن مرحلة «صناعة النظام من الخارج» قد انتهت. فلا الولايات المتحدة ولا روسيا ولا الصين، ولا أي قوة خارجية أخرى، تملك القدرة على إنشاء منظومة أمنية مستقرة في المنطقة. والحل الوحيد يتمثل في بلورة ترتيبات أمنية جديدة تصوغها دول المنطقة بنفسها وتتولى تنفيذها.

وعلى المستوى الدولي، رحبت معظم دول العالم بوقف الحرب والعودة إلى المسار الدبلوماسي. فقد اعتبرت الدول العربية ذلك خطوة ضرورية لتحقيق الاستقرار الإقليمي، بينما أكدت الحكومات الأوروبية أن هذا المسار يمثل السبيل الوحيد لتجنب أزمة اقتصادية عالمية. كما دعمت الصين وروسيا الاتفاق ووصفتاه بأنه مؤشر على العودة إلى التفاعلات البناءة في السياسة الدولية. أما الدولة الوحيدة التي أبدت معارضة واضحة لهذا المسار فهي إسرائيل، التي ترى فيه تعارضاً مع مصالحها الأمنية، فيما يظل خطر تجدد المواجهات في لبنان، ولا سيما في ظل إصرار إسرائيل على مواصلة وجودها العسكري واحتلالها لجنوب لبنان، التهديد الأكثر جدية لمستقبل مذكرة التفاهم.

وفي المقابل، لن يتحول هذا التفاهم إلى سلام دائم إلا إذا نجحت مرحلته الثانية، أي التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الملف النووي الإيراني وحقوق إيران النووية، والرفع الكامل للعقوبات، ووضع ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، ومعالجة سائر القضايا الاستراتيجية. أما إذا فشلت هذه المرحلة، فإن وقف إطلاق النار الحالي لن يكون سوى استراحة قصيرة قبل عودة المنطقة إلى دائرة التوتر. أما في حال نجاحها، فقد تشكل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار والتعاون وإعادة تعريف النظام الإقليمي، بحيث يتعزز دور دول المنطقة، وتتراجع درجة الاعتماد على القوى الخارجية، وتتسع مساحة الدبلوماسية الإيرانية.

وفي ظل هذه الظروف، تزداد أهمية دعم فريق التفاوض الإيراني الذي يتحمل مسؤولية ثقيلة خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً في التاريخ المعاصر، خصوصاً في ظل وجود تيارات داخلية تعارض مبدأ الحوار من دون تقديم بدائل واقعية، الأمر الذي يزيد من كلفة اتخاذ القرار الوطني.

وفي نهاية المطاف، فإن المصالح الوطنية والمطالب الشعبية تقتضي اتباع مسار يساهم في تخفيف الضغوط الخارجية وتحويل نتائج الصمود والمقاومة الداخلية إلى مكاسب ملموسة. ففي هذه المرحلة، ينبغي ترجمة عناصر القوة والقدرة على الصمود إلى إنجازات سياسية واقتصادية في مختلف المجالات، بما يعزز مكانة إيران إقليمياً ودولياً، ويضمن أن تنعكس التضحيات التي قدمها الشعب في صورة مصالح وفوائد حقيقية وقابلة للقياس.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى