الصحافة الإيرانية: ثلاثة مكاسب اقتصادية رئيسية تنتظر طهران من التفاهم مع واشنطن
يمكن تلخيص المكاسب المالية المحتملة لأي تفاهم بين إيران والولايات المتحدة في ثلاثة مستويات رئيسية: زيادة الاحتياطيات الأجنبية نتيجة تخفيف العقوبات على قطاعي النفط والبتروكيماويات، وتسهيل الاستيراد من خلال الإفراج عن الأصول المجمدة وإتاحة التمويل الخارجي، وخلق فراقتصادية جديدة عبر المشاركة في صندوق إعادة إعمار المنطقة.
ميدل ايست نيوز: في ظل توقيع التفاهم الأولي بين إيران والولايات المتحدة إلكترونياً، يبرز سؤال أساسي حول النتائج الاقتصادية المحتملة لهذا التفاهم. فعلى الرغم من أن الملفات النووية والأمنية تستحوذ على معظم الاهتمام السياسي، فإن طهران تنظر من زاوية اقتصادية إلى مجموعة من المكاسب المالية التي قد تنعكس خلال السنوات المقبلة على النمو الاقتصادي والإيرادات بالعملنة الأجنبية واستقرار سوق الصرف وحتى مستويات الاستثمار داخل البلاد.
تقول صحيفة دنياي اقتصاد في تقرير لها، إن التقديرات الدولية تشير إلى أن صادرات النفط الإيرانية خلال عامي 2023 و2024 تراوحت بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، كان القسم الأكبر منها يتجه إلى السوق الصينية. كما تجاوزت صادرات إيران من المنتجات البتروكيماوية 13 مليار دولار سنوياً، وكانت أسواقها الرئيسية تشمل الصين والهند وتركيا والعراق وعدداً من دول جنوب شرق آسيا.
ورغم ذلك، ظلت القيود المصرفية وصعوبات تحويل الأموال ومخاطر العقوبات تعرقل الاستفادة الكاملة من القدرات التصديرية الإيرانية. ولهذا السبب، فإن الحفاظ على مستويات التصدير الحالية كان يتطلب تكاليف مرتفعة والاعتماد على شبكات مالية وتجارية معقدة.
تحرير الأصول المجمدة
ومن أبرز المكاسب المحتملة للتفاهم، الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
وتختلف التقديرات بشأن الحجم الإجمالي لهذه الأموال، إذ أكد مسؤولون إيرانيون مراراً أن قيمة الأصول المجمدة تتجاوز 100 مليار دولار، بينما يطرح بعض الخبراء أرقاماً أقل من ذلك.
لكن ما يحظى بالاهتمام الأكبر في المفاوضات الحالية هو الإفراج التدريجي عن نحو 24 مليار دولار من هذه الأصول. وتعود هذه الأموال أساساً إلى عائدات مبيعات النفط والغاز والمنتجات النفطية الإيرانية خلال السنوات الماضية، والتي تعذر تحويلها إلى البلاد بسبب العقوبات المالية الأمريكية.
ويرى بعض الخبراء أن دخول جزء من هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية يمكن أن يساهم في خفض التوقعات التضخمية وتعزيز استقرار الأسواق المالية. ومع ذلك، فإن هذه الموارد لن تكون متاحة لإيران بشكل نقدي مباشر، بل ستُستخدم لتمويل شراء سلع محددة لصالحها، فيما يُرجح أن تؤدي قطر دور الوسيط في هذه العملية.
تأثير المكاسب المالية على الاقتصاد الإيراني
ويمكن تصنيف المكاسب المالية المحتملة لإيران من أي تفاهم مع الولايات المتحدة ضمن ثلاثة محاور رئيسية: تخفيف العقوبات المفروضة على قطاعي النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والمشاركة في مشاريع إعادة إعمار المنطقة.
وفي حال تخفيف القيود على صادرات النفط والبتروكيماويات، ستتمكن إيران ليس فقط من زيادة حجم صادراتها، بل أيضاً من تقليص التكاليف المرتبطة بالالتفاف على العقوبات، والخصومات التي تضطر لتقديمها للمشترين، إضافة إلى خفض تكاليف النقل والتأمين.
ويرى اقتصاديون أن تخفيف العقوبات بصورة مستدامة يمكن أن يرفع الإيرادات السنوية بالعملة الأجنبية بمقدار عشرات المليارات من الدولارات مقارنة بالوضع الحالي. ولهذا يعتبر العديد من المحللين أن تخفيف العقوبات يمثل أهم مكسب اقتصادي محتمل، نظراً إلى طابعه المستدام والمتكرر، خلافاً للأموال المجمدة التي تُعد مورداً محدوداً.
ويُتوقع أن يتمثل الأثر الاقتصادي الأبرز لهذه الخطوة في زيادة الإيرادات الأجنبية وتعزيز احتياطيات البنك المركزي من العملات الصعبة، ما قد يسهم في استقرار سوق الصرف، وتقليص تقلبات سعر الدولار، وزيادة قدرة السلطات النقدية على إدارة السياسات المالية والنقدية.
ولهذا السبب، يرى كثير من الخبراء أن الدافع الأساسي لإيران لن يكون فقط الوصول إلى الأصول المجمدة، بل تحقيق تخفيف دائم للعقوبات، لأن العوائد المتأتية من صادرات النفط والبتروكيماويات على المدى الطويل تفوق بكثير قيمة الأموال المفرج عنها.
أما المحور الثاني، فيتمثل في الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
ويُتوقع أن يكون الأثر الرئيسي لهذه الخطوة، إلى جانب إتاحة الوصول إلى خطوط الائتمان الخارجية، هو تسهيل عمليات الاستيراد. فقد أدت القيود المفروضة على العملات الأجنبية ومشكلات التحويلات المالية خلال السنوات الماضية إلى رفع تكاليف استيراد المواد الأولية والسلع الوسيطة والمعدات اللازمة للقطاع الصناعي.
ويمكن أن يؤدي تدفق الأموال المفرج عنها إلى تخفيف الضغوط على سوق الصرف، وتسهيل تمويل الواردات بكلفة أقل، فضلاً عن تعزيز قدرة البنك المركزي على إدارة سوق العملات الأجنبية وتلبية الاحتياجات الاستيرادية للبلاد.
ومع ذلك، يشدد الخبراء على أن هذه الموارد تبقى محدودة ولا يمكن أن تحل محل الإيرادات المستدامة الناتجة عن صادرات النفط والبتروكيماويات.
صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار
أما المحور الاقتصادي الثالث للتفاهم المحتمل، فيتمثل في المشاركة في صندوق إعادة إعمار إقليمي بقيمة 300 مليار دولار، وهو مشروع يتوقف تنفيذه على التوصل إلى اتفاق نهائي وتراجع التوترات السياسية والأمنية.
ووفق السيناريوهات المطروحة، يمكن استخدام هذا الصندوق لإعادة بناء البنية التحتية المتضررة في المنطقة وتنفيذ مشاريع كبرى في مجالات الطاقة والنقل والخدمات الفنية والهندسية.
وعلى المدى القصير، قد يؤدي الإعلان عن مثل هذا الصندوق إلى إحداث تأثير نفسي إيجابي لدى الفاعلين الاقتصاديين والأسواق المالية والمستثمرين، باعتباره مؤشراً على تحسن العلاقات الاقتصادية الإقليمية.
لكن تأثيره الحقيقي سيظهر على المدى البعيد، عندما تتمكن الشركات الإيرانية من المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، وزيادة صادرات الخدمات الفنية والهندسية، وخلق فرص جديدة للاستثمار والتوظيف.
وبذلك، ورغم أن صندوق إعادة الإعمار يمثل في المدى القريب إشارة إيجابية للأسواق، فإنه قد يتحول على المدى الطويل إلى أحد العوامل المؤثرة في توسيع مسار خفض التوترات وتحسين التعاون الاقتصادي بين إيران والعالم.
وفي المحصلة، يمكن تلخيص المكاسب المالية المحتملة لأي تفاهم بين إيران والولايات المتحدة في ثلاثة مستويات رئيسية: زيادة الاحتياطيات الأجنبية نتيجة تخفيف العقوبات على قطاعي النفط والبتروكيماويات، وتسهيل الاستيراد من خلال الإفراج عن الأصول المجمدة وإتاحة التمويل الخارجي، وخلق فراقتصادية جديدة عبر المشاركة في صندوق إعادة إعمار المنطقة.
ومع ذلك، تبقى الاستفادة من تخفيف العقوبات النفطية والبتروكيماوية هي المكسب الاقتصادي الأهم والأكثر استدامة بين جميع هذه المكاسب المحتملة.



