كم من الأموال ستدخل إيران بموجب الاتفاق النهائي بين طهران وواشنطن؟

قال الرئيس السابق لغرفة تجارة إيران إن الاقتصاد الإيراني قد يواجه فرصة استثنائية نادراً ما تكررت خلال القرن الماضي إذا ترافق ذلك مع الإفراج عن ما بين 80 و100 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة.

ميدل ايست نيوز: قال الرئيس السابق لغرفة تجارة إيران حسين سلاح ورزي إن القضية لا تقتصر على إنشاء صندوق لإعادة الإعمار والتنمية بقيمة 300 مليار دولار، مؤكداً أن الاقتصاد الإيراني قد يواجه فرصة استثنائية نادراً ما تكررت خلال القرن الماضي إذا ترافق ذلك مع الإفراج عن ما بين 80 و100 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، ورفع القيود عن صادرات النفط والغاز والمشتقات النفطية والمنتجات البتروكيماوية، واستعادة الوصول إلى النظام المصرفي الدولي، وخفض التكاليف التي تفرضها العقوبات على التجارة الخارجية.

وفي مقال بعنوان «فرصة جيل» نشرته صحيفة «اعتماد»، أشار سلاح ورزي إلى أن الأوساط السياسية والاقتصادية تشهد، عقب توقيع مذكرة التفاهم، تكهنات بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب حديث متزايد عن إنشاء صندوق تنموي بمئات المليارات من الدولارات لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني وتطويره.

وأضاف أنه بغض النظر عن مدى واقعية هذه الأرقام، فإن السؤال الأساسي يتمثل في كيفية تعامل إيران مع هذه الفرصة إذا أصبحت حقيقة واقعة.

وأوضح أن القضية لا تتعلق فقط بصندوق تنموي بقيمة 300 مليار دولار، بل تشمل أيضاً احتمالات الإفراج عن الأصول المجمدة ورفع القيود الاقتصادية والمالية التي أعاقت الاقتصاد الإيراني لسنوات، معتبراً أن ذلك قد يهيئ ظروفاً غير مسبوقة للاقتصاد الإيراني.

وأكد أن التحدي الرئيسي في هذه الحالة لن يكون تأمين الموارد المالية، بل كيفية إدارتها واستخدامها. ولفت إلى أن تجارب الدول المختلفة أظهرت أن التنمية لا يمكن شراؤها بالأموال وحدها، إذ إن الموارد المالية قد تتيح فرص البناء لكنها لا تضمن تحقيق التنمية بحد ذاتها.

وأشار إلى أن بعض الدول تلقت مئات المليارات من الدولارات من عائدات النفط أو المساعدات الخارجية لكنها أهدرت تلك الفرص بسبب ضعف الحوكمة والفساد وغياب الرؤية طويلة الأمد، في حين تمكنت دول أخرى، رغم امتلاكها موارد أقل بكثير، من تحقيق التنمية بفضل التخطيط والانضباط المؤسسي.

وأضاف أن إيران تواجه اليوم مشكلات تتجاوز نقص التمويل، من بينها تدهور البنية التحتية، وتراجع الاستثمارات، وانخفاض الإنتاجية، وتراكم الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.

وشدد على أن أول قاعدة يجب الالتزام بها في حال توفر هذه الموارد هي عدم تحويلها إلى مصدر لتمويل النفقات الجارية للدولة، مؤكداً أنه لا ينبغي استخدامها لسد عجز الموازنة أو تغطية المصروفات التشغيلية أو التوظيف غير الضروري أو توزيع إعانات جديدة.

وأوضح أن مثل هذه السياسات قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل، لكنها ستؤدي في المدى البعيد إلى إهدار فرصة تاريخية.

ورأى أن الخيار الأكثر منطقية يتمثل في تخصيص جزء كبير من هذه الأموال لصندوق ثروة سيادي مستقل ومحترف تكون مهمته الحفاظ على الثروة للأجيال المقبلة واستثمارها على المدى الطويل، بحيث تُستخدم العوائد السنوية فقط في تمويل مشاريع التنمية، دون المساس برأس المال الأساسي.

وأضاف أن الجزء الآخر من الموارد ينبغي توجيهه لإعادة بناء أسس الاقتصاد الإيراني، معتبراً أن قطاع الطاقة يجب أن يكون على رأس الأولويات.

وأشار إلى أن من المفارقات أن دولة تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز تواجه في الوقت نفسه نقصاً في الكهرباء خلال الصيف ونقصاً في الغاز خلال الشتاء، موضحاً أن سنوات من ضعف الاستثمار وتهالك البنية التحتية أوصلت البلاد إلى مرحلة أصبحت فيها أزمة اختلال التوازن في قطاع الطاقة أحد أكبر معوقات النمو الاقتصادي.

وأكد أن الأولوية الأولى يجب أن تتمثل في الاستثمار الواسع في تطوير حقول النفط والغاز، ومنع تراجع الضغوط في حقل بارس الجنوبي، وجمع الغازات المصاحبة التي يتم حرقها، وتحديث المصافي، وتطوير مشاريع التكرير والبتروكيماويات، وزيادة القدرة التصديرية للطاقة، والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة.

وأضاف أن أي دولة لا يمكنها تحقيق تنمية مستدامة من دون أمن طاقوي مستقر.

واعتبر أن الأولوية الثانية تتمثل في المياه والبيئة، محذراً من أن أزمة المياه قد تشكل التهديد الأكبر لإيران خلال العقود المقبلة، متقدمة حتى على تحديات النفط والعقوبات.

وأشار إلى أن ظاهرة الانخساف الأرضي واستنزاف المياه الجوفية وتراجع الموارد المائية وتدهور البيئة تحولت إلى قضية تتجاوز الأبعاد الاقتصادية التقليدية.

ودعا إلى تنفيذ استثمارات واسعة في مشاريع تحلية المياه، وإعادة تدويرها، وتحديث شبكات التوزيع المتهالكة، وتطوير أنظمة الري الحديثة، واعتماد إدارة علمية للموارد المائية، معتبراً أن حل أزمة المياه يجب أن يتحول إلى مشروع وطني شامل.

وأكد أن أي خطة تنموية لن تكون قابلة للاستمرار من دون معالجة هذه الأزمة.

وأضاف أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يمثل الأولوية الثالثة، مشيراً إلى أن إيران تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي من بين الأهم عالمياً، لكنها لم تستفد منه بالشكل الكافي حتى الآن.

وأوضح أن تطوير الموانئ واستكمال شبكة السكك الحديدية وتحديث أساطيل النقل واستكمال الممرات الدولية وتحويل إيران إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت يمكن أن يوفر للبلاد مصدراً مستداماً للدخل بعيداً عن الاعتماد على النفط.

ورأى أن الأولوية الرابعة تتمثل في التنمية الصناعية والتكنولوجية، ولكن وفق نهج مختلف عن السابق.

وأكد أن الاقتصاد الإيراني لم يعد بحاجة إلى التوسع في الصناعات منخفضة الكفاءة أو المعتمدة على تصدير المواد الخام، بل ينبغي توجيه الاستثمارات نحو سلاسل القيمة والصناعات البتروكيماوية المتقدمة والصناعات التعدينية ذات القيمة المضافة العالية والتكنولوجيا الحديثة والاقتصاد الرقمي والمعدات الطبية وصناعة الأدوية والشركات المعرفية.

وأضاف أن الاقتصاد العالمي المستقبلي سيعتمد على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، ولا ينبغي لإيران أن تتخلف عن هذا المسار.

وشدد على أن رأس المال البشري يجب أن يحتل موقعاً محورياً في أي استراتيجية تنموية، مؤكداً أن التنمية الحقيقية تبدأ من المدارس والجامعات والمختبرات وبيئة الأعمال.

وأشار إلى أن أي دولة تفشل في الاحتفاظ بكفاءاتها وتوفير فرص التقدم لشبابها لن تتمكن من تحقيق تنمية مستدامة حتى لو امتلكت أكبر الموارد المالية.

واعتبر أن العنصر الأهم يتمثل في الإصلاحات المؤسسية، مؤكداً أن الأموال وحدها لا يمكن أن تعوض غياب الإصلاحات.

وأوضح أن نجاح أي خطة اقتصادية يتطلب ضمان حقوق الملكية، وتوفير بيئة تنظيمية قابلة للتنبؤ، وإصلاح النظام المصرفي، وتعزيز الشفافية، والاعتراف بالدور الحقيقي للقطاع الخاص.

وأضاف أن الاقتصاد الإيراني يحتاج قبل كل شيء إلى استعادة الثقة؛ ثقة المستثمرين ورواد الأعمال والفاعلين الاقتصاديين وثقة المواطنين بالمستقبل.

وختم بالقول إنه إذا أتيحت هذه الفرصة فعلاً، فيجب النظر إليها باعتبارها مشروعاً وطنياً لإعادة بناء إيران وليس مجرد إيرادات استثنائية، على أن يكون هدفها رفع مستوى الرفاه وتحسين الإنتاجية وتحقيق نمو مستدام وخلق فرص عمل منتجة وإعادة البلاد إلى مكانة تتناسب مع إمكاناتها البشرية والجغرافية والاقتصادية.

وأكد أن مثل هذه الفرص التاريخية نادراً ما تتكرر أكثر من مرة في تاريخ الأمم، وأن العامل الحاسم في تحديد مصيرها لن يكون حجم الموارد المالية المتاحة، بل جودة القرارات التي تُتخذ بشأنها، مضيفاً أن مستقبل إيران يعتمد على الحكمة وحسن الإدارة والشجاعة في استثمار هذه الفرصة أكثر من اعتماده على حجم الأموال نفسها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + اثنا عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى