اتفاقية مكة.. «ناتو إسلامي» أم حلقة جديدة من منظومة الناتو حول إيران؟

لفهم الموقع الفريد لتركيا في اتفاقية مكة، ينبغي أولًا النظر إلى موقعها داخل حلف الناتو. فتركيا هي العضو الوحيد في الناتو بين الدول الإسلامية في الشرق الأوسط، وهذه الخاصية تجعل منها جسرًا طبيعيًا بين العالم الغربي والعالم العربي.

ميدل ايست نيوز: في خضم حرب شاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وقّعت ثلاث دول، هي السعودية وباكستان وتركيا، معاهدة دفاعية مشتركة في مدينة مكة، عُرفت في الأوساط السياسية والإعلامية بتسميات مثل «اتفاقية مكة» أو «الناتو الإسلامي». وجرى توقيع هذه المعاهدة بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في قصر الصفا، وهي تركز على مبدأ أن «أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث سيُعتبر هجومًا عليها جميعًا».

لكن ما يميز هذه الاتفاقية عن مجرد تحالف دفاعي إقليمي هو الدور الذي تؤديه تركيا باعتبارها عضوًا رئيسيًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو). فتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي فريد عند تقاطع أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، إلى جانب صناعتها الدفاعية المتنامية، تمثل حلقة الوصل بين هذا التحالف الثلاثي والمنظومة الأمنية الغربية. لكن هل ينبغي النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها تحالفًا إسلاميًا مستقلًا، أم أنها تمثل حلقة جديدة في سلسلة «الأقمار التابعة للناتو»، صُممت بهدف استكمال التغطية الأمنية للحلف في الممر الممتد من الشرق إلى الغرب بمحاذاة إيران، وإنشاء تنسيق استخباراتي وعملياتي بين جبهات جنوب إيران وغربها وشرقها؟

أزمة هرمز والحاجة إلى إعادة ترتيب المنظومة الأمنية في الشرق الأوسط

أدت الحرب بين إيران والولايات المتحدة إلى تغيير جذري في النظام الأمني للشرق الأوسط. وكان من أبرز تداعيات هذه الحرب التعطيل الكامل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره قبل الحرب نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا. وتسعى إيران، من خلال إغلاق هذا الممر المائي الحيوي، إلى فرض رسوم تصل إلى 7% من قيمة الشحنات على السفن التجارية، بهدف ترسيخ نفوذها الاستراتيجي في المنطقة بصورة عملية.

كما اضطرت السعودية، باعتبارها أكبر مصدر للنفط في العالم وأكثر الدول اعتمادًا على المرور الآمن عبر مضيق هرمز، نتيجة هذه الأزمة إلى استخدام مسارات بديلة، من بينها البحر الأحمر وباب المندب. إلا أن هذه المسارات أُعلنت بدورها غير آمنة بسبب الهجمات المتكررة التي شنها الحوثيون على السفن السعودية. وأدى الحوثيون، من خلال هجمات صاروخية على منطقة نجران داخل الأراضي السعودية، إلى إصابة 11 مدنيًا، وأرسلوا رسالة واضحة إلى الرياض مفادها أن أمنها مرتبط بتوازن القوى مع إيران وحلفائها.

كما تستند اتفاقية مكة إلى تعاون دفاعي سابق بين الدول الثلاث. وكانت السعودية وباكستان قد وقعتا مؤخرًا معاهدة دفاعية استراتيجية مشتركة، تنص على أن أي هجوم على إحدى الدولتين سيُعتبر عدوانًا على الأخرى. وكانت هذه المعاهدة، التي مثلت في الواقع نسخة من المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تشير إلى أن باكستان، باعتبارها الدولة المسلمة الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية، تضمن أمن السعودية، بينما تدعم الرياض القدرات الدفاعية لإسلام آباد من خلال استثماراتها الضخمة.

ومن جهة أخرى، تتمتع العلاقات العسكرية بين تركيا وباكستان بتاريخ طويل. فقد أدت تركيا، باعتبارها صاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو وإحدى الدول الرائدة عالميًا في صناعة الطائرات المسيّرة، دورًا محوريًا في تعزيز القدرات الدفاعية لباكستان. وتشير تقارير إلى أن تركيا كانت تسعى، قبل توقيع الاتفاقية، إلى الانضمام إلى معاهدة الدفاع بين باكستان والسعودية، وأن مفاوضات متقدمة أُجريت في هذا الشأن.

لكن ما يميز اتفاقية مكة عن الاتفاقات السابقة هو الدور الجديد لتركيا باعتبارها عضوًا في الناتو وقدرتها على ربط هذا التحالف الثلاثي بالمنظومة الأمنية الغربية. فمن خلال تقديم قدراتها التقنية والعسكرية، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية، إلى جانب الاستفادة من القدرات الاستخباراتية والتنسيق العملياتي لحلف الناتو، تجعل تركيا هذه الاتفاقية، عمليًا، جزءًا من بنية أمنية غربية شاملة، بدلًا من أن تظل مجرد اتفاق دفاعي إقليمي.

الدور الاستراتيجي لتركيا كحلقة وصل بين الناتو والجبهة العربية

لفهم الموقع الفريد لتركيا في اتفاقية مكة، ينبغي أولًا النظر إلى موقعها داخل حلف الناتو. فتركيا هي العضو الوحيد في الناتو بين الدول الإسلامية في الشرق الأوسط، وهذه الخاصية تجعل منها جسرًا طبيعيًا بين العالم الغربي والعالم العربي. فمن جهة، تؤدي تركيا، بامتلاكها ثاني أكبر جيش في الناتو وسيطرتها على مضيقي البوسفور والدردنيل، دورًا حيويًا في أمن الجناح الجنوبي الشرقي للحلف. ومن جهة أخرى، تتمتع، بفضل إرثها التاريخي والثقافي والديني، بالقدرة على التواصل مع الدول العربية والإسلامية، وهو ما لا يستطيع الناتو القيام به بمفرده.

وفي ظل هذا الموقع المزدوج، تتبع تركيا سياسة تقوم على «الاستقلالية الاستراتيجية»، بحيث تعمل عضويتها في الناتو مظلة أمنية وأداة للردع، فيما توفر لها في الوقت نفسه دبلوماسية الشرق والاستقرار الإقليمي والفرص الاقتصادية والمرونة الاستراتيجية. وبعبارة أخرى، لا تفضل أنقرة الغرب على الشرق، ولا الشرق على الغرب، وإنما حددت لنفسها موقعًا عند نقطة التقاء العالمين، تستفيد فيه من القدرات الأمنية للناتو ومن الفرص الاقتصادية والسياسية التي يوفرها العالم الشرقي في آن واحد.

وقد واجهت هذه السياسة المزدوجة تحديات خلال السنوات الأخيرة. فقد شهدت علاقات تركيا مع بعض أعضاء الناتو، ولا سيما اليونان وقبرص، توترات بشأن قضايا تتعلق بشرق البحر المتوسط والحدود البحرية وموارد الطاقة. كما أثار شراء منظومة الدفاع الصاروخي «إس-400» من روسيا والعلاقات المعقدة بين أنقرة وموسكو ردود فعل غاضبة من واشنطن وبعض الدول الأوروبية. ومع ذلك، فإن ما يجعل اتفاقية مكة نقطة تحول في العلاقات بين تركيا والناتو هو أنها تظهر كيف يمكن لأنقرة الاستفادة من موقعها الفريد داخل الحلف لإنشاء تحالفات تابعة، تؤمّن، إلى جانب مصالح تركيا الوطنية، الأهداف العامة للناتو في المنطقة أيضًا.

مخاوف الهند وانعكاسات دولية

أعربت الهند، التي تربطها بباكستان منافسة وتوترات استراتيجية، عن قلقها إزاء اتفاقية مكة. ووصفت وسائل الإعلام الهندية هذه المعاهدة بأنها «تحدٍ مباشر لأمن الهند»، مؤكدة أن الجمع بين «المال السعودي والقنبلة النووية الباكستانية والطائرات المسيّرة التركية» يمكن أن يغير توازن القوى في جنوب آسيا لمصلحة باكستان.

إضافة إلى ذلك، تنظر الولايات المتحدة، التي تخوض حاليًا حربًا مكلفة مع إيران، إلى اتفاقية مكة باعتبارها فرصة لتخفيف العبء الواقع عليها في تأمين حلفائها الإقليميين. كما أظهر مجلس الشيوخ الأمريكي، من خلال إقراره حزمة جديدة من العقوبات ضد روسيا وإيران، أن الانسحاب من الالتزامات الأمنية في الشرق الأوسط وإسنادها إلى الحلفاء الإقليميين بات ضمن أجندة واشنطن.

ومع ذلك، تواجه اتفاقية مكة تحديات جدية أيضًا. ويُعد الغموض المحيط بالمادة الخامسة للمعاهدة وعدم وضوح طبيعة الالتزامات العسكرية أحد نقاط ضعفها. كما أن تباين مصالح وأولويات الدول الأعضاء الثلاث قد يؤدي إلى خلافات حادة في أوقات الأزمات. ومن جهة أخرى، قد تفرض العلاقات المعقدة لتركيا مع بعض أعضاء الناتو، فضلًا عن علاقاتها المتوازنة مع روسيا والصين، تحديات جديدة أمام هذا التحالف في المستقبل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 + ثلاثة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى