كيف انتقلت واشنطن من “الاستسلام الإيراني” إلى التفاوض على فتح هرمز؟
يدلي الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بتصريحات يومية عن الحرب مع إيران تتقافز من أقصى التهديد بالدمار الشامل إلى اقتراب التوصل إلى اتفاق، فيحتار المراقبون في فهم دلالاتها، لمعرفة الاتجاه الفعلي للإدارة الأمريكية.

ميدل ايست نيوز: يدلي الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بتصريحات يومية عن الحرب مع إيران تتقافز من أقصى التهديد بالدمار الشامل إلى اقتراب التوصل إلى اتفاق، فيحتار المراقبون في فهم دلالاتها، لمعرفة الاتجاه الفعلي للإدارة الأمريكية.
وقد فاقم هذا الارتباك استعمال ترمب منصات التواصل الاجتماعي للإبلاغ عن قراراته أو أهدافه، فاجتمعت التصريحات المتقلبة من النقيض إلى النقيض مع سرعة الانتشار الذي توفره الوسائط الاجتماعية، فباتت وجهة الإدارة الأمريكية أشبه بالألغاز المحيرة.
لكن العودة إلى كلاوس فيتز تبيِّن أن الاضطراب الظاهر في تصريحات ترمب وإدارته ليس جديدًا أثناء الحروب بل هو جزء من ظاهرة عامة تسمى “ضباب الحرب”، وهي التصريحات التي تربك الخصوم وتغطي على النيات الحقيقية، وتكون متعددة التوظيفات، فقد يكون بعضها موجهًا للأتباع لطمأنتهم وحشدهم، وللخصوم لتخويفهم وتمزيق عزمهم وشلِّ إرادتهم.
وقد باتت الأدبيات المعاصرة تضم هذا التوصيف الخاص بالحرب إلى توصيف أعم يشمل مجالات عديدة، تنطوي جميعها في نظرية الضجيج والإشارة التي اكتشف قوانينها كلود شانون.
داخل هذا الضباب تتشكل أنماط توضح الوجهة الأكثر رجحانًا للأحداث لأنها تميز بين القول والقدرة الفعلية على الفعل.
وقد يساعد تطبيقها على الحرب على إيران في تبيُّن وجهة الأحداث الأكثر رجحانًا.
عدد من الرهانات:
1- قبل الحرب على إيران كان الرهان الأمريكي يقوم على افتراض أن العقوبات المشدَّدة ستضطر إيران إلى القبول بقيود أشد على مشروعها النووي من القيود التي حصل عليها باراك أوباما، وقد اقتربت إدارة ترمب من تحقيق ذلك في الأيام التي سبقت الحرب.
وافقت إيران على خفض أكبر للتخصيب، وصرَّح مسؤولون إيرانيون بأنهم سيوافقون على نقل نصف اليورانيوم العالي التخصيب إلى الخارج، وخفض تخصيب المتبقي، وفتح باب الاستثمارات للشركات الأمريكية، مقابل رفع متدرج للعقوبات على الاقتصاد الإيراني والقبول بحق إيران في التخصيب السلمي.
لكن عدة تقديرات إسرائيلية وأميركية، مثل الاحتجاجات الشعبية على النظام الإيراني، وتفادي إيران الدخول في حرب واسعة مع الولايات المتحدة، سواء بعد اغتيال قاسم سليماني، أو بعد حرب 12 يومًا في 2025، وقبول إيران بقيود شديدة على مشروعها النووي، جعلت الإدارتين، الإسرائيلية والأمريكية، تعتقدان أن النظام الإيراني شديد الضعف، وسيسقط بضربة تقطع رأس قيادته. لذلك، عدَّلت الإدارتان حساباتها، لأنهما قدَّرتا أن العمل العسكري سيحقق مكاسب أفضل بتكاليف تكاد تكون معدومة.
انتقل حينها ترمب من مطالبة إيران بقبول قيود مشددة على تخصيب اليورانيوم إلى التخلي النهائي عن المشروع النووي والاستسلام.
2- كان هدف الحرب هو إجبار إيران على الاستسلام الكامل لمطالب الولايات المتحدة وإسرائيل، ويشمل التخلي الكلي عن المشروع النووي والحد من مدى الصواريخ حتى لا تصل إسرائيل، والتخلي عن الفصائل المسلحة الموالية لها.
واعتمد هذا الرهان على افتراض أن القضاء على الصف الأول من القادة الإيرانيين، سيطيح بالنظام، ويجعل المتبقين يستسلمون. واستبعد الرئيس ترمب ونتيناهو تعرُّض بلديهما لخسائر كبيرة قد تجعل كلفة الحرب أكبر من الجدوى المرتجاة، لذلك نقلت التقارير أن ترمب لم يُولِ اعتبارًا لاحتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز؛ لأنه قدَّر أن القيادة الإيرانية ستكون قد استسلمت.
لكن الرهان أخفق. ظلَّت إيران تقاتل بشراسة، وأغلقت مضيق هرمز وألحقت أضرارًا هائلة بالسوق الأمريكية وبحلفاء الولايات المتحدة.
وقدَّر ترمب أن مواصلة الحرب ستجعل أسعار الطاقة ترتفع أكثر، فترتفع أسعار المعيشة في الولايات المتحدة، فتتدهور شعبيته، وقد تلحق بحزبه هزيمة كبيرة في انتخابات التجديد النصفي، فيستولي الديمقراطيون على مقاليد الكونغرس ويشرعون في فرض قيود شديدة على سياساته الداخلية والخارجية.
أدَّت به هذه الحسابات إلى السعي إلى هدنة برعاية باكستان، وقبوله بالمقترح الإيراني المكون من عشر نقاط، تتضمن أساسًا التفاوض على رفع العقوبات ليس مقابل قبول إيران بقيود أشد على المشروع النووي بل مقابل إعادة فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية، فحدث انفصال بين رفع العقوبات والتنازلات في المشروع النووي.
بالإضافة إلى مكاسب جديدة لإيران مثل الإشراف على حركة المرور بمضيق هرمز، والتفاوض على وجود القوات الأمريكية في المنطقة، والمطالبة بتعويضات على الخسائر المترتبة على الحرب. بذلك، أدَّى رهان الولايات المتحدة على الحرب إلى خسارتها التنازلات السابقة، وقبولها التفاوض على مكاسب إضافية لإيران، والقبول بالتفاوض على وجودها العسكري في الخارج.
3- أربك هذا الوضع إدارة ترمب لأن ورقة العقوبات لن تشتري إلا إعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا قبل الحرب، ولم تعد بيده ورقة يشتري بها التنازلات التي يريدها في الملف النووي، فقرر إغلاق هرمز على الإغلاق الإيراني، فيكون الوضع إغلاقًا مقابل إغلاق، وراهن على أن إيران ستتضرر من الإغلاق الأمريكي وترضخ إلى القبول بالتخلي عن إغلاقها مضيق هرمز مقابل تخلي الولايات المتحدة عن إغلاقه، فيكون فتحًا مقابل فتح، وتظل بيده ورقة رفع العقوبات ليفاوض بها مجددًا على التنازالات المرتجاة في النووي.
لكن إيران راهنت على أن إغلاقها للمضيق سيكون أكثر إيلامًا لترمب من إغلاقه للمضيق عليها. وقد تكون اعتمدت في تقديراتها على أن ترمب شديد الحساسية لتذمر الناخبين الأمريكيين من ارتفاع أسعار البنزين، وغلاء المعيشة، ويخشى من عقابهم له في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الوشيكة.
علاوة على أن الولايات المتحدة مقبلة على تنظيم كأس العالم بداية شهر يونيو/حزيران القادم، وقد تتحول الدورة إلى تظاهرة كبيرة ومنقولة على تليفزيونات العالم تندِّد بسياسة ترمب الداخلية والخارجية، فتصيبه بأضرار إضافية تضر سُمعته الداخلية والخارجية.
ترجح مجمل هذه التقديرات سعي ترمب إلى فتح مضيق هرمز ليس مقابل فتح إيران له فقط بل مقابل رفع جزئي للعقوبات، والقبول بحرية تحرك سفنها النفطية، وهو تخلٍّ جزئي لكنه مهم عن العقوبات. وهذا هو المغزى من مذكرة التفاهم التي أعلنت الإدارة الأمريكية عن توسط باكستان للاتفاق عليها مع إيران.
4- أوردت التقارير أن مذكرة التفاهم ستتضمن إعلان نهاية الحرب والشروع في مفاوضات خلال فترة 30 يومًا حول القضايا الخلافية. هذا الاستبعاد النهائي للحرب يجعل الولايات المتحدة تفقد ورقة هائلة تلوِّح باستعمالها للحصول على تنازلات من إيران.
ولم يتبقَّ للولايات المتحدة إلا ورقة العقوبات الاقتصادية، وقد باتت إيران قادرة على الرد عليها بإغلاق مضيق هرمز. ومع افتراض أن الولايات المتحدة قد تستعمل ورقة رفع العقوبات للحصول على قبول إيران بفتح مضيق هرمز وتقديم تنازلات في الملف النووي، لكن هذا التوزيع في حدِّ ذاته يجعل العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضعيفة لأنها باتت موزعة على مطلبين بدل مطلب واحد كما كانت قبل الحرب.
حسابات المضطر
هذا الترتيب التنازلي من الرهان على رفع العقوبات مقابل القبول بقيود مشددة على النووي إلى القبول برفع بعض العقوبات مثل حرية تنقل سفن النفط الإيرانية مقابل قبول إيران بفتح مضيق هرمز، ليس انتقالًا طوعيًّا من إدارة ترمب، بل هو اضطرار لأن الأوراق الأخرى المستعملة كانت خسائرها أكبر من جدواها، وليس من المرجح عودته إليها مجددًا لأنه سيحصل على نفس العوائد.
قد يُفسَّر قرار ترمب بالسعي إلى اتفاق على مذكرة تفاهم مع إيران بأنه حيلة مؤقتة استعملها حتى لا يبدو غارقًا في الحرب مع إيران أثناء لقائه الوشيك مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أو قد تكون حيلة لتخفيف الضغط على الناخبين الأمريكيين قبل انتخابات التجديد النصفي، وأنه سيعود للحرب مجددًا بعد انقضاء هذه المواعيد. لكن هذا التفسير يصطدم بنفس التكاليف التي أدَّت إليها نفس الخيارات السابقة.
لذلك ستكون العودة إلى الحرب أقل رجحانًا من استمرار مسار الضغط الاقتصادي المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران.
لا يخدم هذا الاتجاه مصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يريد إما مواصلة الحرب لتدمير إيران بالكامل مهما كانت تكاليف ذلك داخل أمريكا وحلفائها، أو إبقاء العقوبات لخنق إيران اقتصاديًّا إذا تعذَّر خيار مواصلة الحرب. لكن ترمب لا يستطيع الاستمرار في هذا ولا ذاك.
وهذا الخلاف يضغط بشدة عليه، خاصة أن أهم دبلوماسيين يعتمد عليهما، وهما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يتبنيان مطالب نتنياهو.
رغم ذلك، سيضطر ترمب إلى مقاومة هذا الضغط لأن القبول بمطالب نتنياهو قد يكبِّده خسارة سياسية هائلة في الكونغرس في المدى القريب وخسارة تعيين خليفة له في الانتخابات الرئاسية القادمة.
وقد تكلِّفه الخسارتان الحماية التي يحتاجها من الملاحقات القضائية التي تنتظره في ملفات عديدة، مثل ملف المتحرِّش، أبستين، وقد تودي به إلى السجن لبقية حياته.
هذا المنظور إلى مجريات الحرب، يسهِّل الكشف عن الأنماط الفعلية لسلوك الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ويزيل طبقات كبيرة من ضباب الحرب الذي تحدث عنه كلاوس فيتز في رائعته “عن الحرب”.



