لماذا تتجنب الحكومة الإيرانية رفع أسعار البنزين رغم العجز المتزايد؟

تشير المعطيات إلى أن جزءاً كبيراً من استهلاك البنزين في إيران يرتبط بمشكلات هيكلية، من بينها ضعف منظومة النقل، وتقادم السيارات، وضعف أسطول النقل العام، وأنماط التوسع العمراني.

ميدل ايست نيوز: حتى سنوات قليلة مضت، كانت المخاوف الرئيسية للحكومات الإيرانية في ملف البنزين تتمحور حول التداعيات السياسية والاجتماعية لرفع الأسعار، إلا أن القضية تجاوزت اليوم مستوى «السعر» لتصل إلى مستوى «أمن الإمدادات».

وفي هذا السياق، أعلن إسماعيل سقاب أصفهاني، رئيس منظمة تحسين وإدارة الطاقة الاستراتيجية، أن الاستهلاك اليومي للبنزين في إيران بلغ نحو 130 مليون لتر، في حين أن القدرة الإنتاجية قبل الحرب كانت بحدود 115 مليون لتر يومياً.

وبذلك، كانت البلاد تواجه حتى قبل الأضرار الأخيرة عجزاً يومياً يقارب 15 مليون لتر، وهو عجز يجري تعويضه حالياً عبر الاستيراد. غير أن استمرار الاستيراد في ظل القيود المرتبطة بالعملة الأجنبية والصعوبات اللوجستية وحالة عدم اليقين الجيوسياسي، فرض تكاليف باهظة على الحكومة، ما دفع صانع القرار إلى التركيز بشكل أكبر على كبح جانب الطلب.

تشديد إدارة الاستهلاك من دون رفع الأسعار

ورغم أن التفاصيل الرسمية للمرحلة الثالثة من خطة الإصلاح الهيكلي لإدارة استهلاك البنزين لم تُعلن بعد، فإن تجربة المرحلتين السابقتين توضح إلى حد كبير اتجاه السياسات المقبلة.

فقد بدأت المرحلة الأولى من الخطة في ديسمبر 2025 مع تطبيق نظام التسعير الثلاثي للبنزين. وبموجب هذا النظام، جرى بيع أول 60 لتراً بسعر 1500 تومان، مع تقليص مدة تخزين الحصة التموينية من تسعة أشهر إلى ستة أشهر. كما حصل أصحاب بطاقات الوقود الشخصية على 100 لتر بسعر 3000 تومان، بينما حُسب الاستهلاك الإضافي بالسعر الحر البالغ 5000 تومان.

أما المرحلة الثانية، التي دخلت حيز التنفيذ مطلع عام 2026، فقد شهدت تشديداً أكبر في سياسة التقييد، إذ جرى تقليص مدة تخزين البنزين المدعوم بسعر 1500 تومان من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر، مع تحديد سقف التخزين عند 180 لتراً. كذلك خُفضت حصة البنزين بسعر 3000 تومان من 100 لتر إلى 70 لتراً، وأُلغي خيار تخزينها.

ويرى كثير من الخبراء أن المرحلة الثالثة ستسير في الاتجاه نفسه، عبر تقليص مرونة الاستهلاك تدريجياً من دون اللجوء المباشر إلى رفع الأسعار.

تقنين خفي وهندسة للسلوك الاستهلاكي

يعكس ما يجري حالياً في سياسة البنزين تحولاً من «صدمة الأسعار» إلى «الهندسة السلوكية للاستهلاك»، حيث تحاول الحكومة تغيير سلوك المستهلكين من دون تحمل الكلفة السياسية لرفع الأسعار.

وفي هذا الإطار، قال رضا حسيني، الخبير في شؤون الطاقة، إن السياسات غير السعرية مثل خفض سقف الحصص وتقليص مدة التخزين وتشديد القيود على الاستهلاك، قد تسهم على المدى القصير في احتواء جزء من اختلال التوازن اليومي في سوق البنزين من دون إثارة تداعيات سياسية مرتبطة برفع الأسعار، لكنه أشار إلى أن تأثير هذه الإجراءات يبقى إدارياً ومؤقتاً أكثر منه حلاً هيكلياً.

هل يؤدي خفض الحصص فعلاً إلى كبح الاستهلاك؟

وتشير المعطيات إلى أن جزءاً كبيراً من استهلاك البنزين في إيران يرتبط بمشكلات هيكلية، من بينها ضعف منظومة النقل، وتقادم السيارات، وضعف أسطول النقل العام، وأنماط التوسع العمراني، وهي قضايا لا يمكن حلها بمجرد تقليص الحصص ببضعة لترات.

ومن جهة أخرى، لا يزال الفارق الكبير بين أسعار البنزين في إيران والدول المجاورة يشكل دافعاً لاستمرار التهريب، ما يعني أن الضغط على الطلب لن يختفي بالكامل طالما بقيت الفجوة السعرية قائمة.

كما أظهرت تجارب السنوات الماضية أن الاستهلاك ينخفض مؤقتاً عند تشديد نظام الحصص، لكنه يعود لاحقاً إلى مساره التصاعدي.

لماذا تتجنب الحكومة رفع الأسعار حالياً؟

ويرى مراقبون أن الإجابة ترتبط أساساً بالاعتبارات الاجتماعية والمعيشية. فقد أكد محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، أن «الحفاظ على معيشة المواطنين يمثل الخط الأحمر للحكومة» في القرارات المتعلقة بالبزين.

ويعكس هذا الموقف إدراك الحكومة لحساسية الملف، خصوصاً في ظل استمرار التضخم المرتفع وتراجع القدرة الشرائية والضغوط الناجمة عن الحرب الاقتصادية.

ويُنظر إلى رفع أسعار البنزين على أنه خطوة ذات تأثير مباشر وفوري على توقعات التضخم وتكاليف النقل، وقد تؤدي إلى موجة جديدة من الضغوط النفسية والاقتصادية، لذلك فضلت الحكومة في الوقت الراهن اتباع سياسة «الضغط التدريجي على الاستهلاك» بدلاً من «الصدمة السعرية».

وفي المقابل، تؤكد السلطات أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بارتفاع الاستهلاك، بل أيضاً بالأضرار التي لحقت ببعض البنى التحتية للطاقة خلال الحرب الأخيرة، وهو ما أدى إلى تفاقم اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.

وقال سقاب أصفهاني إن الحكومة تعمل حالياً على إعادة بناء القدرات المتضررة وتطوير مصافٍ صغيرة، لكنه أقر بأن هذه الإجراءات لن تحقق نتائج كاملة على المدى القصير.

وبات ملف البنزين في إيران اليوم يتجاوز كونه قضية تقنية مرتبطة بالحصة التموينية أو بطاقات الوقود، إذ تحول إلى نقطة تقاطع بين الاقتصاد والسياسة وأمن الطاقة والاستقرار الاجتماعي.

وتحاول الحكومة الموازنة بين ثلاثة أهداف متعارضة تتمثل في منع حدوث قفزة تضخمية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، والحفاظ على استقرار الإمدادات المحلية، إلا أن هذا التوازن يبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى