ماذا يقول أحدث تقرير للبنك المركزي الإيراني حول المؤشرات الاقتصادية؟

على الصعيد الخارجي، لا تزال إيران تسجل فائضًا تجاريًا ملحوظًا، إلا أن هذا الفائض تحقق في ظل انكماش جانبي التجارة الخارجية معًا، وتراجع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات.

ميدل ايست نيوز: أظهرت مراجعة أحدث البيانات المنشورة في المؤشرات الاقتصادية للبنك المركزي الإيراني أن عام 2025 شهد، إلى جانب انخفاض حجم التجارة الخارجية مقارنة بالعام السابق، استمرار فائض الميزان التجاري للسلع في تسجيل مستوى إيجابي. وفي الوقت نفسه، واصل الدين الخارجي للبلاد مساره التنازلي، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذا الدين تركز في آجال استحقاق قصيرة الأجل. وعلى الصعيد النقدي، استمر نمو ديون الحكومة لدى البنك المركزي بوتيرة أسرع مقارنة بالعام السابق.

وتكشف أحدث البيانات المنشورة في المؤشرات الاقتصادية للبنك المركزي الإيراني عن تغيرات مهمة في القطاعين الخارجي والنقدي للاقتصاد الإيراني خلال عام 2025. فقد انخفضت قيمة صادرات وواردات السلع مقارنة بالعام السابق، إلا أن وتيرة تراجع الواردات كانت أكبر من الصادرات، ما أبقى فائض الميزان التجاري للسلع عند نحو 26 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، ورغم انخفاض حجم الدين الخارجي للبلاد، تغيرت تركيبته باتجاه الديون قصيرة الأجل، كما يستحق جزء كبير من الالتزامات القائمة خلال عام 2026. وعلى الصعيد النقدي، تسارع نمو ديون الحكومة لدى البنك المركزي مقارنة بالعام السابق.

انكماش حجم التجارة الخارجية

بلغت القيمة الإجمالية لصادرات السلع في عام 2025 نحو 104 مليارات و210 ملايين دولار، بانخفاض قدره نحو 9.7% مقارنة بـ115 مليارًا و421 مليون دولار في عام 2024. وخلال الفترة نفسها، تراجعت واردات السلع بوتيرة أكبر، من 88 مليارًا و567 مليون دولار إلى 77 مليارًا و871 مليون دولار، أي بانخفاض يقارب 12.1%.

وعليه، فإن الصورة التي ترسمها التجارة الخارجية خلال عام 2025 لا تعني بالضرورة تحسنًا في وضع التجارة. إذ إن جزءًا من الفائض التجاري الحالي نتج عن الانخفاض المتزامن في الصادرات والواردات، في وقت تراجعت فيه الواردات بوتيرة أسرع.

وبلغ فائض الميزان التجاري للسلع في عام 2025 نحو 26 مليارًا و339 مليون دولار، مقابل نحو 26 مليارًا و854 مليون دولار في عام 2024. وبالتالي، ورغم بقاء الميزان التجاري إيجابيًا، انخفض الفائض بنحو 515 مليون دولار، أي ما يعادل 1.9%.

وعلى صعيد الصادرات، كان تراجع الصادرات النفطية العامل الرئيسي وراء الانخفاض. فقد تراجعت قيمة الصادرات النفطية من 65 مليارًا و841 مليون دولار في عام 2024 إلى 57 مليارًا و442 مليون دولار في عام 2025، بانخفاض يقارب 12.8%. ومع ذلك، لا يزال رقم عام 2025 أعلى من قيمة الصادرات النفطية المسجلة في عامي 2022 و2023.

وبالتالي، فإن تراجع التجارة الخارجية في عام 2025 لا يعني فقط انخفاض الطلب على الواردات، إذ تراجعت أيضًا الإيرادات الناتجة عن الصادرات النفطية مقارنة بالعام السابق. وتتمثل النقطة الرئيسية في أن انخفاض الواردات تمكن إلى حد كبير من تعويض أثر تراجع الصادرات على الفائض التجاري.

كيف توزعت الواردات؟

تكشف قسمة إجمالي واردات السلع إلى مكوناتها عن جانب آخر مهم من الصورة. ففي عام 2025، بلغ إجمالي واردات السلع 77 مليارًا و871 مليون دولار، منها 74 مليارًا و970 مليون دولار لواردات السلع الأخرى، مقابل ملياري و901 مليون دولار للغاز والمنتجات النفطية.

ويبدو للوهلة الأولى أن حصة الغاز والمنتجات النفطية من إجمالي الواردات لا تزال محدودة، إذ تبلغ نحو 3.7%. إلا أن مسار هذا القطاع جاء مخالفًا لاتجاه إجمالي الواردات. فقد ارتفعت واردات الغاز والمنتجات النفطية من 709 ملايين دولار في عام 2022 إلى مليارين و504 ملايين دولار في عام 2023، ثم إلى مليارين و679 مليون دولار في عام 2024، وصولًا إلى مليارين و901 مليون دولار في عام 2025.

في المقابل، تراجعت واردات السلع الأخرى، التي بلغت 85 مليارًا و888 مليون دولار في عام 2024، إلى 74 مليارًا و970 مليون دولار في عام 2025. وبذلك، يفسر الانخفاض البالغ نحو 10.9 مليار دولار في واردات السلع الأخرى تقريبًا كامل التراجع في إجمالي الواردات.

وثمة نقطة أخرى لافتة في المسار السنوي للواردات، وهي أن الزيادة في واردات الغاز والمنتجات النفطية حدثت بشكل رئيسي خلال الأشهر الأخيرة من العام. فحتى نهاية الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، بلغت قيمة واردات هذه المجموعة 927 مليون دولار، قبل أن تُضاف إليها واردات بقيمة مليار و974 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام، ليصل إجماليها السنوي إلى مليارين و901 مليون دولار. وبعبارة أخرى، سُجل نحو 68% من إجمالي واردات الغاز والمنتجات النفطية لعام 2025 خلال الربع الأخير من العام.

وبالتالي، فإن التغير الأبرز في الواردات خلال عام 2025 لا يقتصر على انكماش حجمها، بل يشمل أيضًا تغير تركيبتها. فمن جهة، تراجعت واردات السلع الأخرى بشكل حاد، ومن جهة أخرى، وصلت واردات الغاز والمنتجات النفطية إلى أعلى مستوى لها خلال أربعة أعوام.

تراجع الدين الخارجي.. لكن آجال الاستحقاق أصبحت أقصر

يقدم مسار الدين الخارجي خلال السنوات الأخيرة، للوهلة الأولى، صورة إيجابية تتمثل في انخفاض حجم الالتزامات الخارجية. فقد تراجع إجمالي الدين الخارجي من 6 مليارات و282 مليون دولار في عام 2022 إلى 5 مليارات و43 مليون دولار في عام 2023، ثم إلى 4 مليارات و862 مليون دولار في عام 2024، وصولًا إلى 4 مليارات و577 مليون دولار في نهاية عام 2025.

وبالمقارنة مع عام 2024، انخفض حجم الدين الخارجي في نهاية عام 2025 بنحو 5.9%.

لكن دراسة تركيبة الدين تقدم رواية مختلفة. ففي عام 2022، لم تكن الديون قصيرة الأجل تشكل سوى 28.5% من إجمالي الدين الخارجي للبلاد، بينما ارتفعت هذه الحصة إلى 64.6% في نهاية عام 2025. وفي المقابل، تراجع الدين متوسط وطويل الأجل من 4 مليارات و490 مليون دولار في عام 2022 إلى مليار و621 مليون دولار في نهاية عام 2025.

وبالتالي، لا يمكن تفسير انخفاض رصيد الدين الخارجي من دون النظر إلى آجال استحقاقه. فقد انخفض إجمالي حجم الدين، لكن حصة أكبر منه أصبحت مستحقة على آجال أقصر. وفي مثل هذه الظروف، لا يمثل حجم الدين المؤشر الوحيد المهم، بل تكتسب مواعيد السداد أهمية متزايدة.

ويظهر ذلك أيضًا في بيانات الاستحقاقات. فمن إجمالي الدين الخارجي البالغ 4 مليارات و577 مليون دولار في نهاية مارس/آذار 2026، يستحق 3 مليارات و400 مليون دولار خلال عام 2026.

وبذلك، فإن نحو 74.3% من إجمالي الدين الخارجي القائم في نهاية عام 2025 سيحين موعد استحقاقه خلال العام التالي. وتبلغ حصة الديون المستحقة في أعوام 2027 و2028 و2029 نحو 8.8% و5.2% و3.7% على التوالي، بينما يستحق 8.1% في عام 2030 وما بعده.

وتجدر الإشارة إلى أن التركّز المرتفع للاستحقاقات لا يعني بالضرورة سداد جميع هذه الالتزامات بشكل نهائي في العام نفسه، إذ يمكن إدارة هذه الالتزامات من خلال إعادة السداد أو تمديد آجالها. ومع ذلك، تظهر البيانات أن الأفق الزمني لجزء كبير من الدين الخارجي القائم قصير نسبيًا.

ارتفاع الدين الخارجي في النصف الأول من العام قبل تراجعه

ويظهر المسار الفصلي للدين الخارجي أيضًا أن الانخفاض المسجل في نهاية العام لم يكن استمرارًا لمسار تنازلي بدأ منذ مطلع العام. فقد بلغ إجمالي الدين الخارجي 5 مليارات و38 مليون دولار في الربع الأول من عام 2025، قبل أن يرتفع إلى 5 مليارات و380 مليون دولار في نهاية النصف الأول من العام، أي إنه زاد خلال النصف الأول.

بعد ذلك، انعكس المسار. فقد تراجع الدين إلى 5 مليارات و109 ملايين دولار في نهاية الأشهر التسعة الأولى، ثم إلى 4 مليارات و577 مليون دولار في نهاية العام.

وبذلك، سجلت نهاية عام 2025 أدنى مستوى للدين الخارجي خلال العام نفسه، إلا أن المسار المؤدي إلى هذا المستوى اتسم بالتذبذب، إذ ارتفع الدين خلال النصف الأول من العام قبل أن يبدأ في التراجع.

تغير وتيرة نمو ديون الحكومة

وعلى الصعيد النقدي والائتماني، كان أحد أبرز الأرقام المسجلة في نهاية عام 2025 هو ديون الحكومة لدى البنك المركزي. فقد بلغت هذه الديون في مارس/آذار 2026 نحو 8,326.5 تريليون تومان، مسجلة نموًا بنسبة 72.6% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

ولا تكمن أهمية هذا الرقم في حجم الدين وحده، إذ بلغت وتيرة نموه في عام 2024 نحو 51% تقريبًا، ما يعني أن سرعة ارتفاع ديون الحكومة لدى البنك المركزي كانت أكبر في عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

وبالتوازي مع ذلك، بلغت ديون الحكومة لدى البنوك في نهاية عام 2025 نحو 17,272.4 تريليون تومان، مسجلة نموًا بنسبة 36.3%. كما ارتفعت ديون الشركات والمؤسسات الحكومية لدى البنك المركزي بنسبة 9.7%، وديونها لدى البنوك بنسبة 2.9%.

وتأتي هذه الأرقام بالتزامن مع نمو مطالبات النظام المصرفي من القطاعات الحكومية وغير الحكومية بنسبة 38%. وبالتالي، ارتفعت في نهاية عام 2025 كل من ديون الحكومة لدى البنك المركزي وديونها لدى البنوك، بينما تسارعت وتيرة نمو ديون الحكومة لدى البنك المركزي مقارنة بالعام السابق.

عام واحد.. مؤشرات متعددة

عند وضع هذه البيانات جنبًا إلى جنب، تبدو صورة الاقتصاد الإيراني في عام 2025 غير متجانسة. فعلى الصعيد الخارجي، لا تزال إيران تسجل فائضًا تجاريًا ملحوظًا، إلا أن هذا الفائض تحقق في ظل انكماش جانبي التجارة الخارجية معًا، وتراجع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات.

وفي سوق الواردات، يشير تراجع إجمالي الواردات بالتزامن مع ارتفاع واردات الغاز والمنتجات النفطية إلى أن المسألة لا تتعلق فقط بانكماش حجم التجارة، بل تشمل أيضًا تغير تركيبتها.

أما في ما يتعلق بالدين الخارجي، فإن انخفاض إجمالي الالتزامات يمثل النقطة الأولى، لكن ينبغي في الوقت نفسه الانتباه إلى تغير تركيبة الدين وتركز نسبة كبيرة من الاستحقاقات في آجال قصيرة. وعلى الصعيد النقدي، فإن تسارع نمو ديون الحكومة لدى البنك المركزي، بالتزامن مع ارتفاع ديونها لدى البنوك، يشير إلى أن التطورات المالية للحكومة داخل النظام المصرفي كانت من المتغيرات المهمة خلال عام 2025.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى