الصحافة الإيرانية: ماذا ينقص إيران لتحول عضويتها في بريكس وشنغهاي إلى مكاسب اقتصادية حقيقية؟

تكتسب عضوية إيران في شنغهاي وبريكس قيمة اقتصادية عندما تتمكن من توظيف هذه العضوية في خفض تكاليف التجارة، وجذب الاستثمارات، وتحويل الأموال، وتنمية الصادرات، وتقليل قابلية تعرضها للعقوبات.

ميدل ايست نيوز: شهدت إيران خلال فترة زمنية لا تتجاوز نحو 10 أيام، أي بين 1 و12 سبتمبر الجاري، حضوراً فاعلاً في حدثين مهمين على صعيد الدبلوماسية متعددة الأطراف؛ أولهما قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك عاصمة قرغيزستان، والثاني قمة بريكس في نيودلهي. وعُقد كلا الاجتماعين على أعلى مستوى، فيما شاركت إيران بحضور الرئيس مسعود بزشكيان في صلب المشاورات السياسية والاقتصادية لهاتين المجموعتين. ومن المنظور الدبلوماسي، لا يمكن اعتبار هذا الحضور أمراً هامشياً بالنسبة إلى إيران.

يقول الأستاذ علي رضا سلطاني، الخبير في الشؤون الاقتصادية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن انضمام إيران يشير إلى شنغهاي وبريكس، ولا سيما في ظل استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية الغربية عليها، إلى أن طهران تسعى إلى تثبيت مكانتها في النظام العالمي الذي لا يزال قيد التشكل. لكن السؤال الأهم لا يُطرح في قاعات القمم، بل في السوق الإيرانية: إلى أي مدى نجح هذا الحضور الدولي في توفير الأمن والطمأنينة وآفاق مستقبلية للاقتصاد الإيراني؟ أما إجابة السوق، فعلى الأقل خلال الفترة الفاصلة بين القمتين، لم تكن واعدة كثيراً. ففي يوم انعقاد قمة شنغهاي، كان سعر الدولار في السوق الحرة يدور حول 200 ألف تومان، بينما وصل سعر الدولار إلى نحو 236 ألف تومان مع انطلاق قمة بريكس. وبعبارة أخرى، ارتفع سعر الصرف خلال هذه الفترة القصيرة بنحو 36 ألف تومان، أي ما يقارب 18%.

بالطبع، لا يمكن ربط هذا الارتفاع مباشرة بانعقاد القمتين. فسوق الصرف الإيرانية تتحرك تحت تأثير مجموعة من المتغيرات النقدية والمالية والعقوبات وتوقعات التضخم، والأهم من ذلك المخاطر السياسية والأمنية. لكن هذه الحقيقة نفسها تجعل السؤال الرئيسي أكثر إلحاحاً: إذا كان حضور إيران في مجموعتين مهمتين من القوى الصاعدة في العالم يفترض أن يسهم في خفض جزء من المخاطر السياسية والاقتصادية التي تواجهها البلاد، فلماذا لا تزال السوق المحلية عاجزة عن رصد مؤشرات ملموسة على انخفاض هذه المخاطر؟

ينبغي البحث عن المشكلة في فارق مهم، هو الفارق بين المصداقية السياسية والقوة المؤسسية. فشنغهاي وبريكس تتحولان إلى لاعبين أكثر أهمية في النظام العالمي، لكنهما لا تزالان، في الوقت نفسه، لا تمثلان اتحاداً اقتصادياً ولا حلفاً أمنياً. ولا توفر العضوية فيهما، بمفردها، أي ضمان اقتصادي أو أمني للدولة. فمنظمة شنغهاي للتعاون، خلافاً لحلف شمال الأطلسي، ليست معاهدة للدفاع الجماعي. وإذا تعرض أحد أعضائها لهجوم، فلا تترتب على الأعضاء الآخرين التزامات قانونية مماثلة للمادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي للدفاع العسكري عنه. لذلك، لا ينبغي انتظار أن تقدم شنغهاي شيئاً لم تُصمم أساساً لتقديمه.

مع ذلك، يبقى سؤال أكثر جدية: إذا تعرض أحد الأعضاء لهجوم، إلى أي مدى ستكون شنغهاي مستعدة لدفع تكلفة سياسية وأمنية؟ ففي قمة بيشكك، أُدينت الهجمات العسكرية على إيران والعقوبات الغربية. ويمثل هذا الموقف أهمية بالنسبة إلى طهران، لكن الإدانة السياسية لا تزال بعيدة جداً عن الردع. والسوق ترى تحديداً هذه المسافة. فهي لا تنظر إلى البيانات، بل إلى التكلفة التي يكون الطرف الآخر مستعداً لتحملها من أجل دعم إيران. وينطبق الأمر نفسه على بريكس. فهذه المجموعة تتمتع بثقل اقتصادي وسكاني كبير، ويمكن أن تتحول إلى إحدى ركائز النظام متعدد الأقطاب، لكنها لا تزال ليست اتحاداً اقتصادياً يمتلك سوقاً مشتركة أو سياسة تجارية موحدة أو نظاماً مالياً متكاملاً.

في بيان نيودلهي، أدان أعضاء بريكس مجدداً العقوبات الأحادية الجانب، وشددوا على إصلاح هيكل النظام المالي الدولي وتعزيز التعاون الاقتصادي. لكن السؤال هو: متى تتحول هذه المواقف إلى حسابات مصرفية وخطوط ائتمان ومسارات للدفع واستثمارات وتجارة فعلية؟ فإذا تمكنت بنوك الدول الأعضاء في بريكس من العمل مع إيران من دون الخوف من العقوبات الثانوية، وإذا تجاوزت التجارة بالعملات الوطنية مستوى الشعارات، وإذا تمكنت الآليات المالية لبريكس من تمويل المشاريع الإيرانية، وإذا أصبحت التجارة الخارجية الإيرانية أكثر تحصيناً فعلياً من ضغوط الشبكة المالية الأمريكية، فعندها سيكون لدى السوق سبب لتقييم المخاطر المرتبطة بإيران على أنها أقل. وحتى ذلك الحين، ستظل عضوية بريكس أقرب إلى كونها أصلاً دبلوماسياً منها إلى ضمانة اقتصادية.

من أهم الحقائق التي ينبغي قبولها في السياسة الخارجية الإيرانية أن الدول النامية ليست كتلة موحدة. فالصين والهند تتنافسان مع الولايات المتحدة، لكنهما في الوقت نفسه تربطهما بالولايات المتحدة علاقات تجارية واستثمارية واستراتيجية واسعة. كما تسعى روسيا إلى تحقيق مصالحها الخاصة. وحتى أعضاء بريكس لا يتبنون مواقف مشتركة في العديد من القضايا الاقتصادية والجيوسياسية. وقد أوضحت التطورات المرتبطة بمضيق هرمز هذه الحقيقة بصورة أكبر. فالصين والهند، باعتبارهما قوتين آسيويتين كبيرتين، تشعران بالقلق قبل كل شيء إزاء أمن الطاقة واستمرار التجارة وحرية الملاحة. ولا يعني هذا الموقف بالضرورة تأييدهما للولايات المتحدة، بل يحمل معنى أبسط: لا توجد قوة مستعدة للتخلي عن مصالحها الحيوية وتسليمها إلى دولة أخرى من دون احتساب التكاليف.

هنا تحديداً تصطدم فكرة دعم الدول النامية والاقتصادات الصاعدة بالواقع الفعلي للسياسة الدولية. إذ تكتسب عضوية إيران في شنغهاي وبريكس قيمة اقتصادية عندما تتمكن طهران من توظيف هذه العضوية في خفض تكاليف التجارة، وجذب الاستثمارات، وتأمين التمويل، وتحويل الأموال، وتنمية الصادرات، وتقليل قابلية تعرضها للعقوبات. وبخلاف ذلك، لم يتشكل تحالف شرقي مستعد لتحمل التكاليف الجيوسياسية لإيران بصورة مشتركة. وقد أدركت السوق هذه الحقيقة. فهي تريد آليات واضحة: بنوكاً قابلة للاستخدام، ومسارات دفع آمنة، واستثمارات فعلية، وتجارة مستدامة، وائتماناً مالياً، وتأميناً للنقل، والأهم من ذلك خفض المخاطر الأمنية. وما لم تتوافر هذه المكونات، ستظل عضوية إيران في بريكس وشنغهاي مسجلة بدرجة أكبر في ميزانها السياسي منها في ميزانها الاقتصادي. ولا يمكن ردم هذه الفجوة بالدبلوماسية السياسية وحدها، بل من خلال قوة التفاوض، والآليات التنفيذية، والمصالح المتبادلة الفعلية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + 9 =

زر الذهاب إلى الأعلى