الصحافة الإيرانية: كيف أحدثت تطورات اليمن زلزالاً في معادلات المنطقة؟

ينبغي أن تخضع تطورات الساحة اليمنية بكل تفاصيلها لدراسة دقيقة في الأوساط العسكرية الإقليمية. فما حدث بدا بالنسبة إلى كثيرين لغزاً، وبالنسبة إلى اليمنيين أشبه بالمعجزة.

ميدل ايست نيوز: ما يحدث في اليمن خلال الأيام الأخيرة يتجاوز كونه تطوراً عسكرياً بين أنصار الله والقوات الموالية للسعودية. ينبغي النظر إلى الهزيمة الثقيلة التي مُنيت بها هذه القوات، وتقدم أنصار الله على الشريط الساحلي الغربي لليمن، والسيطرة على المخا وتعز، وأخيراً انتشار الجماعة في جزيرة ميون (بريم) عند مدخل باب المندب، باعتبارها بداية فصل جديد في معادلات المنطقة، وهو تطور قد تمتد آثاره إلى ما هو أبعد بكثير من حدود اليمن. وينبغي أن تخضع هذه التطورات، بكل تفاصيلها، لدراسة دقيقة في الأوساط العسكرية الإقليمية. فما حدث بدا بالنسبة إلى كثيرين لغزاً، وبالنسبة إلى اليمنيين أشبه بالمعجزة.

يقول محمد علي مهتدي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني: بدأت السعودية التحرك. فقد شددت في البداية حصار اليمن وقصفت مطار صنعاء، ثم وضعت سلسلة من العمليات العسكرية الواسعة لإسقاط صنعاء والقضاء على أنصار الله. وبدأت الحرب في محافظة الجوف، وبعد ذلك جرى نشر نحو 27 لواءً عسكرياً، يضم قرابة 70 ألف ضابط وجندي، للتحرك على طول الساحل الغربي باتجاه الشمال، والسيطرة على ميناء الحديدة، وفرض حصار على صنعاء وصعدة.

لكن ما حدث في ساحة المعركة جاء على خلاف جميع هذه الحسابات. فشن أنصار الله عمليات استباقية هزموا خلالها القوات السعودية في محافظة الجوف، ثم بدأوا تقدمهم على طول الشريط الساحلي، رافعين الشعار القرآني «والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً». ومُنيت القوات الموالية للسعودية، التي كانت مدججة بالسلاح، بهزيمة غير متوقعة وتفرقت صفوفها. ومن بين 70 ألفاً، انسحب أو فرّ نحو 30 ألفاً، وأسر أنصار الله 3 آلاف، فيما ألقى نحو 35 ألفاً آخرين أسلحتهم واستسلموا، مستفيدين من العفو العام الذي أعلنته قوات صنعاء.

وقد بلغت أبعاد هذه الهزيمة وأسبابها حداً من التعقيد جعلها لغزاً، حتى إنه يُقال إن لجنة خاصة في السعودية منشغلة بدراسة أسبابها. أما اليمنيون، فلا يقدمون أسباباً مادية لتفسير هذا اللغز، بل يعزون ما حدث إلى مفاهيم أخرى ويكررون آيات من القرآن الكريم، منها: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى»، و«وقذف في قلوبهم الرعب»، و«فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً»، وأخيراً «وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم». كما أعلنوا أسماء 45 من قادة القوات الموالية للسعودية، من رتبة عميد إلى ضباط في رتب أدنى، قالوا إنهم قُتلوا في هذه المعركة.

وخاضت قوات أنصار الله القتال بلا توقف على مدى ثمانية أيام، من 3 إلى 11 سبتمبر، وانتهى بها الأمر، بعد السيطرة على الشريط الساحلي، إلى الانتشار في جزيرة ميون عند مدخل باب المندب. وبذلك دخل باب المندب والبحر الأحمر مرحلة جديدة من المعادلات العسكرية والجيوسياسية.

وفي هذا السياق، يلفت موقف الولايات المتحدة وإسرائيل الانتباه أيضاً. ويُقال إن محمد بن سلمان أجرى اتصالين مع دونالد ترامب، طالب خلالهما بتدخل سلاح الجو الأمريكي لقصف قوات أنصار الله، لكن ترامب رفض الطلب. كما لم توافق إسرائيل على تقديم المساعدة للسعودية، وأعلنت أن اليمن ليس على رأس أولوياتها في الوقت الراهن، وأن تركيزها الأساسي ينصب على لبنان والضفة الغربية وغزة. ولم تتخذ دول «اتفاقية مكة» أي إجراء عملي، باستثناء إصدار بيانات إدانة ضد اليمن. أما تركيا، فأرسلت عدداً من العناصر التكفيرية التابعة للجولاني في سوريا لمساعدة السعودية.

وقد تغيرت المعادلة الآن في اليمن. فمن جهة، قطع أنصار الله الطريق بين عدن وتعز، ومن جهة أخرى يواصلون التقدم نحو مدينة مأرب الغنية بالنفط، وهي مدينة مهمة بدأت القوات الموالية للسعودية أيضاً الانسحاب منها، ومن المحتمل أن تكون مأرب قد سقطت بالفعل بحلول وقت نشر هذا المقال.

وفي المقابل، يشير وصول الجنرال «براد كوبر»، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، إلى الرياض إلى أن السعودية لم تتخل بعد عن مواصلة المواجهة. ويُقال إن هناك خطة قيد الدراسة لإدخال مئات الدبابات والطائرات من الشمال إلى الشريط الساحلي اليمني. ويفتقر أنصار الله بطبيعة الحال إلى قوة مدرعة وجوية تقليدية بحجم الجيش السعودي، رغم أنهم غنموا خلال المعارك الأخيرة معدات عسكرية وتقنيات رادارية مهمة. لكن ميزة أنصار الله تكمن في مكان آخر، وهي امتلاك الدافع والقرار القويين والقدرة على استهداف المطارات والمنشآت النفطية السعودية بالصواريخ، وفرض كلفة باهظة على مواصلة الحرب.

وهنا يطرح سؤال أساسي نفسه: ماذا تريد السعودية من اليمن، ولماذا لا تتوقف عن الضغط على هذا البلد؟ يقول اليمنيون إنهم يريدون العيش في بلدهم ولا شأن لهم بالسعودية، لكنهم يطرحون الآن معادلة جديدة: «الحصار مقابل الحصار». فإذا واصلت السعودية حصار اليمن، فإن اليمن يستطيع بدوره محاصرة السعودية.

وتكمن أهمية هذا التطور هنا تحديداً. فلم يعد اليمن مجرد ملف داخلي أو حتى حرباً إقليمية. إذ إن انتشار أنصار الله عند مدخل باب المندب، بالتزامن مع التطورات المتعلقة بمضيق هرمز، يضع نقطتين حساستين للاتصال والطاقة في العالم ضمن معادلة واحدة. فهرمز في الشرق وباب المندب في الغرب هما من أهم الممرات الحيوية للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب كبير في هذين المسارين يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز المنطقة بكثير.

وبالتالي، لا ينبغي النظر إلى التطورات الأخيرة في اليمن على أنها مجرد انتصار أو هزيمة لطرف في معركة عسكرية. فما يتشكل حالياً هو تغير في هندسة الردع الإقليمي. وقد أصبح مضيقا هرمز وباب المندب مترابطين بطريقة يمكن، في حال استمرار الهجمات الأمريكية واتساع نطاق الحرب، أن تضع شرايين حيوية للاقتصاد العالمي تحت الضغط.

هذا هو الزلزال الذي أحدثته التطورات في اليمن في معادلات المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 − 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى