32 كيلومتراً بين الحوثيين والقاعدة الأمريكية.. هل تغيّر جزر حنيش موازين باب المندب؟

يرى بعض المحللين أن انتشار الحوثيين في جزر حنيش يمكن أن يمهد لإنشاء «منطقة نفوذ» لإيران وحلفائها على جانبي باب المندب.

ميدل ايست نيوز: تمكنت جماعة أنصار الله اليمنية، في عملية سريعة ومنسقة، من السيطرة على جزء كبير من الساحل الغربي لليمن، وميناء المخا الاستراتيجي، وعدة جزر مهمة في منطقة باب المندب. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة، نظراً إلى أن باب المندب يعد أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر عبره نحو 12 بالمئة من السلع العالمية. كما ازدادت أهمية هذا الطريق بعد أزمة مضيق هرمز، باعتباره أحد المسارات البديلة لنقل النفط السعودي.

وسيطر الحوثيون في البداية على ميناء المخا، وهي مدينة ساحلية تبعد نحو 80 كيلومتراً فقط عن باب المندب. وكان الميناء يخضع في السابق لسيطرة القوات التابعة للحكومة اليمنية وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح. ومهد سقوط هذا الميناء الطريق أمام تقدم الحوثيين باتجاه باب المندب.

بعد ذلك، سيطر الحوثيون على جزيرة ميون (بريم) الواقعة في وسط باب المندب. وتقع الجزيرة في موقع يقسم المضيق إلى مسارين للملاحة البحرية، ولذلك تتمتع بأهمية عسكرية وبحرية كبيرة. وفي وقت لاحق، سيطر الحوثيون أيضاً على جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى، الواقعتين على بعد نحو 160 كيلومتراً شمال باب المندب. وبذلك، أصبح الحوثيون عملياً يسيطرون على جزء كبير من الساحل الغربي لليمن والجزر الرئيسية في هذه المنطقة.

32 كيلومتراً عن قاعدة أمريكية

تقول وكالة خبرأونلاين الإيرانية إن تتمثل إحدى أهم أبعاد هذا التطور في الموقع الجغرافي لجزر حنيش. وبحسب التقرير، أصبح مقاتلو الحوثيين، بعد السيطرة على هذه الجزر، على مسافة نحو 32 كيلومتراً من القاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي، على الجانب الأفريقي من باب المندب.

وتكتسب هذه المسافة القريبة أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تقع جيبوتي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وتستضيف إحدى القواعد العسكرية الأمريكية المهمة في المنطقة. يرى بعض المحللين أن انتشار الحوثيين في جزر حنيش يمكن أن يمهد لإنشاء «منطقة نفوذ» لإيران وحلفائها على جانبي باب المندب.

وبذلك، لا يقتصر التطور الأخير على السيطرة على منطقة داخل اليمن، بل يمكن أن يؤدي إلى تغيير التوازن الأمني في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ولا سيما أن جهة مسلحة من غير الدول باتت موجودة على مسافة قريبة جداً من منشأة عسكرية أمريكية مهمة على الجانب الآخر من البحر الأحمر.

تهديد حرية الملاحة

يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن، ويمثل البوابة الجنوبية للطريق المؤدي إلى قناة السويس. وبحسب التقرير، أعلن الحوثيون بعد السيطرة على المناطق الساحلية أن الملاحة ستكون آمنة لجميع الشركات باستثناء السفن السعودية. ويمكن أن يؤدي هذا الموقف عملياً إلى تقييد حركة السفن في هذا الممر المائي.

لا يملك الحوثيين من منظور القانون الدولي صلاحية ممارسة السيادة على ممر مائي دولي، لكنهم اكتسبوا عملياً القدرة على تعطيل حرية الملاحة. ويمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى توسيع الفجوة بين الإطار القانوني القائم والواقع الميداني في باب المندب.

دور إيران ورد فعل السعودية

ادعى وزير الداخلية اليمني أن إيران تحاول إنشاء نموذج مشابه لعسكرة الممرات البحرية في مضيق هرمز داخل باب المندب أيضاً. وأشار إلى بناء الحوثيين تحصينات وغرف عمليات ومنشآت لإنتاج الطائرات المسيّرة والقوارب الموجهة. إلا أن طهران نفت أي مشاركة مباشرة في تحركات القوات المسلحة اليمنية.

ولم تُظهر السعودية في البداية رداً عسكرياً واسعاً، وبعد سقوط المخا، شنت فقط غارات جوية محدودة على مطار المدينة. وفي الوقت نفسه، اكتسبت الهجمات على البنية التحتية النفطية السعودية أهمية أكبر. يمكن أن يؤدي تضرر إحدى محطات ضخ خط أنابيب شرق-غرب السعودي إلى إطالة فترة إصلاحها لأكثر من شهر، وفي حال استمرار توقف خط الأنابيب، يمكن أن ينخفض إمداد النفط بما يصل إلى 3.6 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نحو 3.6 بالمئة من الطلب العالمي على النفط.

الولايات المتحدة تجنبت التدخل المباشر

وأجرى محمد بن سلمان اتصالاً هاتفياً مرتين في يوم واحد مع دونالد ترامب، وطالب بتدخل أمريكي مباشر ضد الحوثيين، لكن واشنطن امتنعت عن الدخول بشكل مباشر في جبهة جديدة، وحافظت على تركيزها على إيران ومضيق هرمز.

وبدلاً من ذلك، وافقت الولايات المتحدة على تقديم مساعدات استخباراتية وبيانات تتعلق بالأهداف، كما توجه قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، إلى السعودية للتفاوض مع المسؤولين السعوديين. ووصف التقرير هذا النهج بأنه نوع من «المساعدة من دون تدخل».

التداعيات العالمية

يمكن أن يؤدي تزامن أزمة باب المندب مع أزمة مضيق هرمز إلى فرض ضغوط كبيرة على التجارة والطاقة العالميتين. وتجاوز سعر خام برنت، عقب التطورات الأخيرة، 108 دولارات للبرميل، كما تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة للمرة الأولى 6 دولارات.

وفي حال تصاعد الصراع، قد تضطر شركات الشحن إلى اختيار الطريق الأطول والأكثر كلفة حول أفريقيا، كما قد ترفع شركات التأمين أسعار التأمين ضد مخاطر الحرب. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يؤدي التهديد المتزامن لمضيقي هرمز وباب المندب إلى زيادة تكاليف النقل والتجارة العالمية.

وعموماً، لا تتمثل أهم تداعيات التطور الأخير في توسع رقعة سيطرة الحوثيين داخل اليمن فحسب، بل أيضاً في اقترابهم من أحد أهم الممرات البحرية في العالم ووصولهم إلى مسافة نحو 32 كيلومتراً من القاعدة العسكرية الأمريكية في جيبوتي. ويمكن أن يحول هذا الوضع باب المندب إلى إحدى أهم نقاط المواجهة الأمنية في المنطقة، ولا سيما إذا تمكن الحوثيون من تثبيت قدرتهم على التحكم في حركة السفن أو تعطيلها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى