الصحافة الإيرانية: كيف ترى طهران مخارج الحرب؟ 4 سيناريوهات على الطاولة
يبدو أن إيران تفضّل في الوقت الراهن مواصلة «شد الحبل». إذ لا تزال موازين اختبار القوة متأرجحة، لكن أيًا من الطرفين لم يتمكن من إخضاع الآخر. وفي مثل هذه الحالة، قد يكون تعب الطرفين هو الذي يحدد نتيجة الحرب.

ميدل ايست نيوز: ما مصير الحرب؟ هذا هو السؤال الذي يشغل بال جميع الإيرانيين، بل العالم أجمع. بدلًا من التنبؤات الغامضة والملتبسة على طريقة «نوستراداموس»، لنسعَ إلى بناء مصيرنا بأنفسنا من خلال التأمل في الاحتمالات المتاحة أمامنا.
يكتب كيومرث اشتريان، الأستاذ في العلوم السياسية، في مقال لصحيفة شرق: تنتهي الحروب إما بالنصر والهزيمة، أو بالتعب والاستنزاف. والسؤال الأساسي المطروح أمام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني هو إلى أي مدى يجب أن يستمر الوضع الراهن؟ وما السيناريو الذي جرت صياغته لإنهاء الحرب من بين الخيارات المطروحة؟
يبدو أن إيران تفضّل في الوقت الراهن مواصلة «شد الحبل». إذ لا تزال موازين اختبار القوة متأرجحة، لكن أيًا من الطرفين لم يتمكن من إخضاع الآخر. وفي مثل هذه الحالة، قد يكون تعب الطرفين هو الذي يحدد نتيجة الحرب.
أما سيناريو التعب والاستنزاف، فإذا لم يترافق مع رفع العقوبات والحصار، فلن يحقق لإيران أي مكاسب. وفي ما يلي نستعرض بإيجاز حجج بعض وجهات النظر بشأن مصير الحرب، على أمل توسيع نطاق الخيارات والحجج المطروحة، بما يتيح اتخاذ القرارات من أفق أكثر وضوحًا.
1- الانضمام إلى «النظام العالمي»
يُطرح في سبيل حل معضلة الحرب أن على إيران الانضمام إلى النظام العالمي، وأن الطريق العقلاني الوحيد أمامها، وفقًا لما كان يقوله كيسنجر، هو أن تكون «دولة-أمة»، وأن تتصرف في إطار النظام العالمي، وأن تبتعد عن «الإمبراطورية» أو «الأيديولوجيا الدينية».
لكن في المقابل، يُقال إنه إذا كان الانضمام إلى النظام العالمي يبدو مبررًا في ظل احترام منقوص للقواعد الدولية، فإن ذلك لم يعد له معنى الآن، لأن «العمدة» نفسه يثير الفوضى. فلا يمكنكم أن تتصرفوا في إطار «النظام الدولي» أكثر من كندا وبريطانيا، كما لا يمكنكم تجاهل مصير مقدراتكم أكثر مما تفعل قوات سوريا الديمقراطية والعراق. فجميع هذه الدول باتت عالقة في جنون «العمدة».
وبالطبع، فإن العمدة ليس وحيدًا، إذ يقف خلفه نظام رأسمالي ومعيار عنصري. وأنتم تواجهون الآن انهيار القوانين الدولية، وبصورة مكشوفة. ولذلك فإن أي اتفاق، بل أي نظام، سيكون هشًا في مثل هذه البنية، لأن أسسه دمرها «العمدة» نفسه.
2- «مذكرة تفاهم إسلام آباد»
يرى مؤيدو هذه المذكرة، التي تُعرف باسم الاتفاق، أن التنازلات المقدمة مقنعة، وأننا انتصرنا في الحرب على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي، وأن الحكومة لا تزال صامدة. ويقولون إنه إذا استأنفت الولايات المتحدة الحرب بعد الاتفاق، فلن نكون قد خسرنا شيئًا، وسنعود مجددًا إلى النقطة التي نقف عندها الآن. فضلًا عن ذلك، فإن وقف الحرب يتيح إعادة بناء القدرات العسكرية والاقتصادية.
في المقابل، يُقال إن التجربة أظهرت أن الاتفاق مع الولايات المتحدة هش، ويفتقر إلى الضمانات، ويعني «مأسسة التوتر»، فلا هو حرب ولا هو سلام. أي إن الاتفاق الهش لا يساعد في حل مشكلة إيران.
وتعني مأسسة التوتر تحول حالة العداء والعقوبات والتهديد العسكري والردع والضغوط الاقتصادية والاستعدادات الأمنية من وضع مؤقت إلى حالة من التوازن المستقر نسبيًا. والتوتر المؤسسي هو نوع من «العيش السياسي التائه»، ويعني الوقوف بصورة دائمة على حافة حرب مع «مجنون» تستنزف البلاد، من دون أن تفرض عليه تكلفة.
ولا توجد أي ضمانات لعدم استهداف المسؤولين في البلاد مجددًا على نحو مفاجئ، ولذلك يجب أن نرفع التكاليف على الولايات المتحدة «الآن».
وتنطوي حجة معارضي الاتفاق على معنى مهم، وهو أن إيران تريد سلامًا مستقرًا، وليس بالضرورة حربًا دائمة، رغم أن الشعارات تظهر أحيانًا صورة مختلفة.
3- اتفاق بضمانات دولية
يتمثل أحد الحلول أمام إيران في تحويل الاتفاق إلى معاهدة ذات طابع دولي تحظى بإجماع عالمي. فلا يمكن الوثوق بترامب، و«لا يمكن إبرام اتفاق مع عمدة ثمل».
ويتعارض هذا بوضوح مع النظرية التي تقول إن زيادة عدد الأطراف الدولية في أي نزاع تجعل الوصول إلى اتفاق وسلام أكثر صعوبة. فعدم الثقة بالولايات المتحدة يدفع إيران نحو هذا الخيار، رغم هشاشته، باعتبار أنه ربما يمكن إلزام الولايات المتحدة بالاتفاق من خلال ترتيبات وضمانات دولية.
ولا يكون ضمان الاتفاق عبر جون كيري أو أوباما أو بايدن أو ترامب، وإنما من خلال تحالف عالمي. فضلًا عن ذلك، يمكن مراقبة ما إذا كان الحصار والعقوبات المفروضان على إيران قد رُفعا بموجب الاتفاق، بصورة يومية وأسبوعية.
لكن السؤال المحتوم والسيناريو المحتمل هو ماذا لو انقلبت الولايات المتحدة على الاتفاق مجددًا؟ والجواب هو أنه لا مشكلة، لأننا سنعود مرة أخرى إلى نقطة البداية نفسها. ولا سيما أنكم ستكونون قد جردتم ترامب من الشرعية الدولية والداخلية.
ومن المرجح جدًا أن قبول ترامب تقديم مثل هذه التنازلات يعني أنه سيكون مستعدًا أيضًا لقبول توقيعات القوى والمؤسسات الدولية الأخرى. والضمان الدولي، في نهاية المطاف، يمثل خطوة إلى الأمام.
4- الحرب حتى النصر
هناك أيضًا من يقول إن الولايات المتحدة على أعتاب الهزيمة، وإنه لا ينبغي التراجع عن «باب خيمة معاوية». ويجب أن تستمر الحرب حتى نعبر «خان الدم» ونصل إلى فجر النصر، مهما بلغت التكاليف.
وبالطبع، يتطلب ذلك تضييق الخناق على الأعداء إلى حد كبير، واشتداد أزمة الطاقة العالمية إلى درجة تجعل الولايات المتحدة تستسلم وتقبل بزعامة إيران. ويتطلب تأكيد صحة هذا الطرح معلومات عميقة بشأن القدرات العسكرية والاقتصادية لإيران والعالم.
لا يمكن تجاهل ضرورة تعزيز القدرات الاقتصادية غير المتكافئة في مواجهة الهجوم العسكري والاقتصادي الأمريكي. وتُظهر التجربة الاقتصادية والأمنية لدول الخليج العربي وكندا وأوروبا أن نظرية تحقيق الأمن من خلال الاندماج في سلاسل الاقتصاد العالمي لا توفر الضمانات اللازمة لاستقرار الدول.
فهل يعني ذلك حدوث تحول نموذجي في عالم اليوم؟ لا يزال من المبكر التوصل إلى مثل هذا الاستنتاج، لكن يمكن القول، على الأقل، إن الظروف تطورت بالنسبة إلى إيران على نحو يجعل النمو الداخلي القائم على القدرات الوطنية أولوية، أي بناء قوة اقتصادية متجذرة في الداخل، على غرار ما نشهده في مجال تأمين المعدات العسكرية.
ولتحقيق ذلك في المجال الاقتصادي، تحتاج إيران إلى نظرية متماسكة للنمو الداخلي، والأهم من ذلك، إلى تشكل إرادة سياسية في مركز ثقل الحكم، بما يمكّنها من تحقيق إجماع «وطني حقيقي».



