بين الدعم السياسي والتحديات الميدانية: ما مصير الاتفاقات المليارية بين العراق وأمريكا؟
تتسع مسارات التعاون بين العراق وأمريكا نحو شراكة اقتصادية وتجارية أوسع، في ظل تأكيدات حكومية ودعم سياسي لمخرجات الاتفاقات المليارية الموقعة مؤخراً.

ميدل ايست نيوز: تتسع مسارات التعاون بين العراق وأمريكا نحو شراكة اقتصادية وتجارية أوسع، في ظل تأكيدات حكومية ودعم سياسي لمخرجات الاتفاقات المليارية الموقعة مؤخراً. وفي المقابل، يبقى قياس النجاح الفعلي لهذه التفاهمات مرهوناً بالقدرة على ترجمتها إلى مشاريع منفذة على الأرض، وتجاوز التحديات البيروقراطية والأمنية التي تواجه تدفق الاستثمارات الأجنبية.
الاتفاقيات الأمريكية
ويقول المتحدث باسم تيار الحكمة فهد الجبوري، إن “الإطار التنسيقي يدعم بقوة الاتفاقيات الأخيرة مع الجانب الأمريكي، وقد طرح الإطار على رئيس الوزراء، عقب عودته من زيارته الأخيرة إلى واشنطن، تشكيل لجنة مختصة على مستوى الوزارات والمؤسسات المعنية لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات”.
في 13 تموز يوليو 2026، بدأ مسار جديد في العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن مع زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، في زيارة استمرت خمسة أيام وانتهت بتوقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم، إلى جانب الإعلان عن شراكات بين مؤسسات عراقية وأمريكية شملت قطاعات النفط والطاقة والكهرباء والصناعة والتكنولوجيا والاتصالات والمال والزراعة والتعليم والصحة، بقيمة معلنة تجاوزت 60 مليار دولار.
وبعد نحو شهرين من تلك الزيارة، عاد ملف الاتفاقات إلى الواجهة من بوابة التنفيذ، إذ دعا وزير المالية فالح ساري، أمس السبت، الشركات الأمريكية العاملة في قطاعي النفط والطاقة إلى الإسراع في تنفيذ مشاريعها داخل العراق، بما يعزز الاستثمارات الأجنبية ويدعم تطوير القطاعات الحيوية.
وجاءت الدعوة خلال استقبال ساري القائم بالأعمال الأمريكي لدى العراق ستيفن فاجن والوفد المرافق له، إذ بحث الجانبان العلاقات بين البلدين وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي.
دعم إطاري
ويوضح الجبوري، أن ”هذا التوجه يمثل دعماً واضحاً لرئيس الوزراء ولزيادة التعاون الاقتصادي مع الجانب الأمريكي، إلى جانب التعاون الأمني، والذهاب نحو صياغة معادلات اقتصادية مع الولايات المتحدة، وهو ما يركز عليه الإطار بصورة أساسية”.
ويؤكد، أن “موقف الإطار موحد في دعم هذه الاتفاقيات، ولا وجود ملاحظات أو اعتراضات داخل الإطار بشأنها، فيما تتجه الحكومة، بحسب ما تحدث به رئيس الوزراء، إلى تحويل طبيعة العلاقة من الجوانب الأمنية وغيرها من الملفات التي كانت قائمة سابقا إلى علاقة اقتصادية وتجارية على مستويات أوسع”.
مساندة أمريكية
ويبين الجبوري، أن “العلاقة مع الولايات المتحدة تسير بصورة متوازنة ضمن الإطار الاقتصادي، والجانب الأمريكي أبدى دعمه، وأن الرئيس الأمركي وجه إدارته بتقديم الدعم الكامل للحكومة العراقية”.
ويشير إلى أن ”هذه الملفات ترتبط أيضا بقضية السلاح، حيث إن وجود سلاح خارج سياق الدولة يهدد عمل الشركات الأجنبية، وهو ما يجعل حصر السلاح بيد الدولة جزءاً من المطالب المرتبطة بهذا الملف”.
وعن الضمانات المتعلقة باستمرار التعاون مع الشركات الأمريكية، يعتبر الجبوري، أن ”هذا الأمر لم يكن محل نقاش داخل الإطار، إذ حظي التعاون بترحيب ودعم قوي وموحد ولا يحتاج إلى ضمانات إضافية”.
وبحسب بيان لوزارة المالية، قال ساري إن تحرك العراق في علاقاته مع مختلف الدول يستند إلى مصالح البلاد العليا، مؤكداً حرص الحكومة على أن تكون علاقتها مع الولايات المتحدة متوازنة وقائمة على المصالح المشتركة للبلدين.
تحدي التنفيذ
من جهته، يقول خبير الاقتصاد الدولي نوار السعدي، إن ”من المهم التفريق بين قيمة الاتفاقات المعلنة وحجم الاستثمارات التي دخلت فعلياً مرحلة التنفيذ”، عاداً أن ”الإعلان عن أكثر من 60 مليار دولار ضمن 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم يمثل مؤشراً مهماً على اهتمام الشركات الأمريكية بالسوق العراقية، لكنه لا يعني أن هذا المبلغ أصبح استثماراً فعلياً داخل العراق”.
وينوه إلى أنه ”لا توجد حتى الآن بيانات منشورة تسمح بالقول إن جزءاً محدداً من الـ60 مليار دولار تحول بالكامل إلى إنفاق استثماري فعلي، ولا سيما أن عدداً من الاتفاقات ما يزال في مرحلة الدراسات والإجراءات التعاقدية”.
ويعتبر، أن ”دعوة وزير المالية للشركات الأمريكية إلى تسريع التنفيذ تعكس انتقال التحدي من مرحلة جذب الشركات وتوقيع الاتفاقات إلى التنفيذ الفعلي”، مشيراً إلى أن ”العراق ما يزال يواجه عقبات تتعلق بالإجراءات البيروقراطية وتداخل الصلاحيات والاستقرار التشريعي وآليات التمويل والضمانات، فضلاً عن المخاطر الأمنية والسياسية”.
وبحسب السعدي، أن “هذه العوامل تحدد في النهاية ما إذا كان المستثمر سينتقل من توقيع مذكرة تفاهم إلى ضخ رأس المال فعلياً”.
ووصف القائم بالأعمال الأمريكي زيارة الوفد الحكومي العراقي إلى واشنطن في تموز الماضي بأنها “ناجحة جداً”، داعياً إلى استثمار نتائجها والبناء عليها بما يعزز مسارات التعاون بين العراق والولايات المتحدة.
فرق حقيقي
وفي قطاع النفط والغاز، يعتقد خبير الاقتصاد الدولي، أن ”الشركات الأمريكية يمكن أن تحدث فرقاً حقيقياً، شريطة ألا تقتصر الشراكات على زيادة إنتاج النفط، كما أن وجود مشاريع مطروحة مع شركات مثل شيفرون وهاليبرتون وHKN، إلى جانب مشاريع خطوط نقل جديدة يمكن أن تمنح العراق منافذ تصدير إضافية وتقلل اعتماده على مسار واحد للتصدير”.
ويلفت إلى أن ”وزارة النفط أعلنت بالفعل عن مفاوضات ومشاريع في حقول الناصرية وبلد، إضافة إلى خطوط البصرة حديثة، وكركوك جيهان، وحديثة بانياس”.
أما في مجال الغاز، فيرى السعدي، أن ”الأثر الاقتصادي الأكبر لا يتمثل في زيادة الإنتاج النفطي فقط، وإنما في استثمار الغاز المصاحب الذي يحرق حالياً وتحويله إلى وقود لمحطات الكهرباء والصناعة، بما يقلل حاجة العراق إلى استيراد الغاز والطاقة من الخارج، لذا الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب استثمارات متكاملة في جمع الغاز ومعالجته ونقله ومحطات الكهرباء، وليس مجرد عقود استخراج”.
شروط النجاح
ويشدد الخبير السعدي على أن “نجاح الاتفاقات الأمريكية العراقية خلال المرحلة المقبلة سيقاس بثلاثة مؤشرات، هي حجم رأس المال الذي دخل فعلياً إلى العراق، وعدد المشاريع التي بدأت أعمالها على الأرض، وحجم الزيادة الفعلية في إنتاج النفط والغاز والطاقة”.
ويختتم كلامه بالتأكيد على أن ”اقتران الاستثمارات بنقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر العراقية وتطوير الشركات المحلية وسلاسل التجهيز سيجعل أثرها أكبر من مجرد زيادة الإنتاج، إذ يمكن أن يسهم في بناء قاعدة إنتاجية وتقنية أكثر استدامة للاقتصاد العراقي”.
وبذلك، ينتقل ملف الشراكة العراقية الأمريكية من إعلان 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم بقيمة تتجاوز 60 مليار دولار في تموز إلى مطالبة رسمية بتسريع التنفيذ في أيلول، لتصبح المرحلة المقبلة اختباراً لما ستتمكن بغداد وواشنطن من تحويله من أرقام واتفاقات على الورق إلى مشاريع واستثمارات فعلية داخل العراق.



