الصحافة الإيرانية: سياسة العبور الانتقائي في هرمز.. إيران تثبت سيادتها التنفيذية وتعيد رسم معادلات الخليج
في وقت كانت فيه لقاءات دونالد ترامب وشي جين بينغ تدور حول ما وُصف بـ«الصفقة الكبرى»، حظي ملف إعادة الفتح المحدود لمضيق هرمز باهتمام إعلامي واسع.

ميدل ايست نيوز: في وقت كانت فيه لقاءات دونالد ترامب وشي جين بينغ تدور حول ما وُصف بـ«الصفقة الكبرى»، حظي ملف إعادة الفتح المحدود لمضيق هرمز باهتمام إعلامي واسع، مع تقارير تحدثت عن بدء عبور سفن صينية عبر المضيق وفق بروتوكولات تديرها إيران. وحمل هذا التطور، سياسياً وجيوسياسياً، رسالة واضحة مفادها أن هرمز ليس مغلقاً أمام شركاء طهران، وأن إيران اعتمدت منذ بداية التوترات سياسة «العبور الانتقائي».
وقال محمد حسين عمادي، خبير ومحلل في القضايا الدولية والتنموية، لصحيفة شرق، إن هذه السياسة تقوم على مزيج من الردع والمرونة الاقتصادية، بما يتيح لإيران الحفاظ على أوراق الضغط من دون إغلاق قنوات تجارة الطاقة الحيوية. وتزامنت هذه التحولات مع تغيرات هادئة لكنها ذات دلالة في موازين القوى في الخليج، حيث تعيد أطراف إقليمية ودولية النظر في أنماط أمنية استمرت نحو خمسين عاماً.
ولا تكمن أهمية التطور في مجرد عبور السفن، بل في آلية هذا العبور، إذ يتم وفق ضوابط وإدارة إيرانية، في ما يعكس مسعى طهران إلى تثبيت شكل من «السيادة التنفيذية» على المضيق. وبذلك، لا تريد إيران أن تُصنّف كطرف يعرقل الملاحة، بل تسعى إلى تقديم نفسها قوةً منظمة ومديرة لأحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وإذا ما ترسخ هذا الدور وصيغ بصورة مؤسسية، فقد يفضي إلى تغيير في أدبيات الأمن البحري في المنطقة.
وخلال السنوات الماضية، ساد في الخطاب الغربي توصيف إيران بأنها تستخدم هرمز أداة تهديد لأمن الطاقة، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى توجه نحو «إدارة بنيوية للأزمة»، يكون فيها التحكم مرادفاً لتنظيم التدفقات لا إيقافها. وتسعى طهران، ضمن هذا الإطار، إلى إظهار قدرتها على ضمان قدر من الاستقرار في عبور الطاقة حتى في أوقات التوتر، ولكن وفق قواعد تضعها هي.
وبالنسبة إلى بكين، يشكل هذا الوضع مكسباً جيوسياسياً مهماً، إذ تعتمد الصين، بوصفها من أكبر مستوردي الطاقة عالمياً، على استقرار طرق الملاحة في الخليج. ومن ثم فإن الوصول المنظم إلى هرمز يخفف مخاطر الإمدادات بالنسبة لها. كما أن طهران، من خلال هذه السياسة، تقلص إحدى أدوات الضغط الأميركية على الصين، إذ بات بإمكان بكين تأمين مصالحها من دون ممارسة ضغوط على إيران.
وفي السياق ذاته، تعكس هذه المقاربة ما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية التشغيلية»، حيث تدير طهران مستوى الوصول إلى المضيق بدلاً من إغلاقه أو فتحه بالكامل. ويمنحها هذا النموذج، رغم تعقيده ومرونته، مجالاً أوسع لأداء دور أكثر شرعية وفعالية في التفاعلات الإقليمية ومع القوى الكبرى.
على المستوى الإقليمي، تبرز مؤشرات على تغير في مقاربة بعض دول الخليج العربية. فقد أشار تقرير لصحيفة فايننشال تايمز إلى طرح سعودي لإقامة «ميثاق عدم اعتداء» إقليمي بين إيران وجيرانها، وهو ما يتجاوز مبادرة دبلوماسية ظرفية ليعكس إعادة تفكير أعمق في بنية الأمن في الشرق الأوسط. وتكمن أهمية المقترح في منطقه الاستراتيجي، إذ يبدو أن الرياض خلصت إلى أن الاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأميركية لم يعد كافياً أو مضموناً لإدارة التوترات.
وأظهرت تجارب السنوات الأخيرة، بما في ذلك الهجمات على منشآت نفطية وحروب بالوكالة، أن الأمن الخارجي من دون آليات إقليمية ذاتية يظل هشاً. ومن ثم تتجه السعودية نحو «إقلمة الأمن»، أي إدارة الأزمات من داخل المنطقة بدلاً من الاتكال على تدخلات خارجية. ويأتي هذا المسار امتداداً للتقارب الإيراني–السعودي الذي تحقق بوساطة صينية عام 2023، والذي شكل نقطة انطلاق لخفض التوتر المباشر بين القوتين الرئيسيتين في الخليج.
ويشير طرح ميثاق عدم الاعتداء إلى احتمال انتقال هذا المسار إلى مرحلة أعمق، تتضمن وضع قواعد سلوك واضحة لإدارة الأزمات. وتتزامن هذه المبادرة مع التطورات في هرمز، حيث تعمل إيران على تثبيت دور إداري في ممر طاقة حيوي، فيما تميل السعودية إلى تبني إطار أمني جماعي إقليمي. وعلى الرغم من أن المسارين يبدوان منفصلين، فإنهما قد يعززان بعضهما عملياً.
وتدل المؤشرات على أن الخليج يشهد إعادة تعريف تدريجية لنظامه الإقليمي، بحيث تتجه القوى إلى تنظيم قواعد التفاعل بدلاً من المواجهة المباشرة. وفي هذا السياق، تتحرك إيران في هرمز، والصين في ملف الطاقة، والسعودية في بنية الأمن، ضمن مصالح متباينة لكنها ضمن اتجاه عام مشترك. وقد يفضي ذلك إلى نظام متعدد المستويات، تحل فيه إدارة الأزمات محل إدارة الحروب، ويغدو هرمز رمزاً لتحول في مقاربة الأمن الإقليمي.



