الصحافة الإيرانية: العزلة الاستراتيجية لإيران.. قدر تاريخي أم نتاج خيارات سياسية؟

إن إيران، بما تمتلكه من قدرات وموارد، قادرة على التحول إلى نموذج ناجح ومؤثر في المنطقة إذا غيّرت استراتيجياتها، واستبدلت السياسات السلبية بسياسات إيجابية، وأعادت إدارة الحكم ضمن إطار العقلانية.

ميدل ايست نيوز: كتب محلل سياسي أن بعض الأفكار والمفاهيم والمصطلحات قد تتشكل في أذهان عدة أشخاص في الوقت نفسه أو في أوقات مختلفة، وقد يطرح أحدهم مفهوماً معيناً لكن شخصاً آخر أكثر شهرة ينسبه إلى نفسه، مشيراً إلى أن الدبلوماسيين ومن يكتبون الخطابات والكلمات المفتاحية ومحاور التفاوض للمسؤولين يدركون جيداً هذه الحقيقة، إلا أن أسماءهم تبقى غالباً خلف الكواليس.

وأضاف صادق ملكي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، أنه تحدث منذ عقود، في جلسات ومقالات متعددة، عن «الوحدة التاريخية والاستراتيجية لإيران»، مؤكداً أن التطورات خلال العام الأخير جعلت هذه العزلة الاستراتيجية أكثر وضوحاً وملموسية من السابق.

وأوضح أن جانباً من هذه العزلة يعود إلى المسار التاريخي لإيران، إذ أدى إضفاء الطابع الرسمي على المذهب الشيعي بعد الدولة الصفوية إلى انفصال إيران عن العالم الإسلامي وعن المجال المتصل بالثقافة واللغة الفارسية، وهو ما تحول تدريجياً إلى انفصال جغرافي ساهم في تهيئة الأرضية الاجتماعية لانفصال مناطق مثل آسيا الوسطى وأفغانستان، إلى جانب الدور الذي لعبه الحكام غير الأكفاء والمؤامرات البريطانية والروسية في ذلك.

وأشار إلى أن المراسلات التي جرت في السابق بين آية الله البروجردي والشيخ شلتوت، وكذلك مبادرات مثل «أسبوع الوحدة» و«يوم القدس» ودعم القضية الفلسطينية بعد الثورة الإيرانية، لم تكن مجرد محاولات للتقارب، بل كانت أيضاً سعياً للحصول على قبول أوسع لإيران داخل العالم الإسلامي.

ورأى أن تلك الجهود لم تحقق النتائج المرجوة، إذ لم تُقبل إيران داخل العالم الإسلامي بالشكل الذي كانت تتوقعه، بل إن السياسات والاستراتيجيات التي اتبعتها طهران ودول أخرى أدت إلى زيادة عزلة إيران ووحدتها، إلى درجة تبدلت معها خريطة الأعداء داخل العالم الإسلامي نفسه.

وأضاف أن السياسات الخارجية السلبية تجاه الدول المحيطة لم تؤد فقط إلى تعميق العزلة الإقليمية، بل منحت هذه الوحدة الاستراتيجية أبعاداً دولية أيضاً.

وتطرق الخبير السياسي إلى المقارنة مع تركيا، متسائلاً عن سبب عدم شعور أنقرة بعزلة استراتيجية، ليجيب بأن السبب الأول يعود إلى مسارها التاريخي، أما السبب الثاني فيرتبط بالسياسات والاستراتيجيات التي انتهجتها الدولة التركية، والتي تستحق بحسب رأيه اهتماماً خاصاً.

وأوضح أن تركيا لا تعاني من عزلة استراتيجية لأنها منسجمة مذهبياً مع غالبية محيطها السني، كما أنها لا تتحرك ضمن قيود أيديولوجية صارمة، مشيراً إلى أن تركيا ورثت إمبراطورية عثمانية مفككة نتيجة الحروب والتدخلات الروسية والأميركية والبريطانية والفرنسية، لكنها لم تبقَ أسيرة عقلية الانتقام أو الجمود التاريخي، بل تحولت خصومات الأمس إلى صداقات وتحالفات اليوم.

وأضاف أن السياسات التركية لم تؤد إلى خلق حالة «رهاب من تركيا»، بل ساهمت، عبر الدعم الإقليمي والدولي، في تعزيز حضورها وتأثيرها في المناطق المحيطة وخارجها.

وأشار إلى أن السياسات الإيجابية ومتعددة الأبعاد التي انتهجتها أنقرة جعلتها لا تعاني من العزلة الاستراتيجية، بل حولتها إلى عنصر فاعل ومبادر في مشاريع التقارب الإقليمي والدولي.

وبيّن أن تركيا تستخدم، إلى جانب الاقتصاد باعتباره أداة النفوذ الأساسية، أدوات عسكرية وثقافية لتوسيع حضورها في المناطق المحيطة، لافتاً إلى أن أنقرة استفادت في آسيا الوسطى والقوقاز من الروابط الدينية واللغوية لتعزيز نفوذها وعلاقاتها الاقتصادية والتجارية، كما وسعت نطاق حضورها في إفريقيا منذ سنوات.

واعتبر أن طبيعة العلاقات التركية مع إقليم كردستان العراق، والحكومة العراقية، وسوريا، ودول الخليج، وحتى إيران، تعكس شبكة علاقات واسعة ساهمت في منع وقوع تركيا في عزلة استراتيجية.

وفي المقابل، رأى ملكي أن صورة إيران على المستويين الإقليمي والدولي ظهرت، للأسف، بوصفها عنصراً سلبياً ومزعزعاً أكثر من كونها عنصراً إيجابياً وبنّاءً، معتبراً أن هذا المسار تعزز بشكل أكبر بعد الثورة الإيرانية، ما عمّق أبعاد العزلة الاستراتيجية.

وأكد أن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب بصورة ملحّة إيجاد حلول تخرج نظام الحكم الإيراني من هذه العزلة، وتهيئة الظروف للانتقال نحو سياسات «طبيعية» وأكثر توازناً.

وأضاف أن تركيا، رغم كونها دولة تعتمد على الضرائب وتفتقر إلى الموارد الطبيعية الكبيرة، فإن نظامها السياسي يتحرك وفق منطق الإمكانات والوقائع القائمة في النظام الدولي أكثر من تحركه وفق الأحلام والطموحات النظرية.

وشدد على أن إيران، بما تمتلكه من قدرات وموارد، قادرة على التحول إلى نموذج ناجح ومؤثر في المنطقة إذا غيّرت استراتيجياتها، واستبدلت السياسات السلبية بسياسات إيجابية، وأعادت إدارة الحكم ضمن إطار العقلانية.

وختم بالقول إن الموقع الاستراتيجي تصنعه الجغرافيا، أما العزلة الاستراتيجية فهي نتاج الخيارات والسياسات، مؤكداً أنه لا شك في أهمية الموقع الاستراتيجي لإيران، لكن مزايا هذا الموقع يمكن أن تضعف أو تتعزز تبعاً للسياسات المعتمدة.

وأضاف أن عزلة إيران التاريخية والاستراتيجية ليست قدراً محتوماً، بل يمكن تجاوزها إذا توفرت الإرادة السياسية واعتمدت حلول قائمة على العقلانية، بما يسمح بظهور «إيران جديدة» في المنطقة والعالم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى