بين أصفاد تركيا وقبضة الـ«FBI»: هل يُفكك اعتقال السعدي الفصائل ويحرج الزيدي؟
بين رصد استخباري تركي وتنفيذ أمريكي، يفتح اعتقال القيادي محمد باقر السعدي “السليماني الصغير” صندوق أسرار “كتائب حزب الله”، ليضع الحكومة الجديدة أمام اختبار عسير محلي ودولي.

ميدل ايست نيوز: بين رصد استخباري تركي وتنفيذ أمريكي، يفتح اعتقال القيادي محمد باقر السعدي صندوق أسرار “كتائب حزب الله”، ليضع الحكومة الجديدة برئاسة الزيدي أمام اختبار عسير محلي ودولي، خاصة بعد اتهامه بتنفيذ عمليات عابرة للحدود.
هذا التطور الدراماتيكي ليس مجرد اعتقال أمني، بل هو صاعق تفجير سياسي قد يمنح واشنطن شرعية دولية لملاحقة الفصائل العراقية، ويحمل تداعيات غير واضحة قد تعيد رسم توازنات النفوذ، وتدفع بالمنطقة، وفي قلبها العراق، نحو مرحلة خطرة ربما تعقد المشهد الإقليمي.
تطور ملفت
ويقول الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية اللواء الركن المتقاعد عماد علو، إن “اعتقال محمد باقر السعدي في تركيا من قبل القوات التركية، ومن ثم تسليمه إلى جهاز الـFBI الأمريكي ونقله إلى الولايات المتحدة، يعد تطوراً ينبغي التوقف عنده أمنياً وسياسياً، لما يحمله من انعكاسات على علاقات العراق الخارجية وملف الفصائل المسلحة”.
ويعتبر، أن ”هذه العملية تعكس اهتماماً واضحاً من قبل الإدارة الأمريكية الحالية، إدارة الرئيس دونالد ترامب، بملاحقة ومتابعة ملف كتائب حزب الله في العراق، باعتبارها تنظيما يهدد المصالح الأمريكية، فضلاً عن تنفيذ عمليات ضد المصالح والقوات الأمريكية خلال مراحل سابقة”.
ويوم الجمعة (15 أيار مايو)، أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، القبض على محمد باقر داود السعدي (32 عاماً)، بتهمة تدبير 20 هجوماً وُصفت بـ”الإرهابية” في عدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى التخطيط لهجمات استهدفت مؤسسات يهودية في الولايات المتحدة.
مرحلة جديدة
ويرى علو، أن “ما يشاع بشأن دور توم باراك، السفير الأمريكي في تركيا والمسؤول عن الملفين السوري واللبناني، وأحيانا العراقي، يكشف حجم المتابعة الأمريكية لهذا الملف”، مبيناً أن ”العملية تمثل بداية لمرحلة جديدة تتحرك فيها الأجهزة الأمنية الأمريكية، ولاسيما الـCIA والـFBI، لجمع معلومات تستخدم لاحقاً في إدانة كتائب حزب الله على المستوى الدولي”.
ويشير إلى أن ”هذه التحركات قد تمنح الشرعية لأي إجراءات مستقبلية قد تقوم بها الأجهزة الأمنية والاستخبارية الأمريكية، أو حتى القوات الأمريكية، ضد كتائب حزب الله. ولا نعرف موقف الحكومة العراقية الجديدة التي لم تصدر حتى الآن تعليقاً واضحاً بشأن هذه القضية”.
هجمات دولية
وطبقاً للمصادر الغربية التي تناولت خبر اعتقال السعدي في تركيا ونقله إلى الولايات المتحدة، فإنه متهم بالتنسيق والتخطيط لما لا يقل عن 18 هجوماً في أوروبا استهدف أمريكيين ويهوداً، وكل ذلك باسم إنهاء الحرب في إيران وفق الشكوى الجنائية الفيدرالية.
وظهر السعدي بعد عملية الاعتقال وهو يوجه رسالة إلى والدته عبر شاشة هاتف جوال يطالبها بـ”الصبر”، ويتحدث عن أنه “لن ينكسر”، فيما تحدثت المصادر الغربية عن أنه وجه وحث آخرين على مهاجمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية انتقاماً للحرب التي تشنها واشنطن وتل أبيب ضد طهران.
كما تتهمه المصادر بتنسيق هجومين إضافيين في كندا، ومحاولة تنسيق هجمات داخل الولايات المتحدة، من بينها استهداف كنيس يهودي في مدينة نيويورك، وفق الادعاء.
ووجهت إلى السعدي سلسلة اتهامات من بينها التآمر لتقديم دعم مادي لأعمال إرهابية، والتآمر لتفجير مكان عام، ومثل أمام محكمة في المنطقة الجنوبية من نيويورك، حيث أمر القاضي باحتجازه من دون كفالة، ولم يدفع ببراءته أو إدانته خلال الجلسة.
توتر داخلي
ويعتقد الخبير الأمني، أن ”هذه العملية ستضيف أعباء جديدة على عاتق رئيس الوزراء الجديد علي فالح الزيدي، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقة العراقية الأمريكية وملف الفصائل المسلحة، الذي طالما طالبت الإدارة الأمريكية والسياسيون الأمريكيون بتفكيكه ووضع حد لنشاطه الذي يهدد المصالح الأمريكية داخل العراق”.
ويضيف، أن ”القضية قد تؤدي إلى تعقيد العلاقة بين بغداد وواشنطن، وقد تفرز تداعيات تزيد من حدة التوتر الداخلي، خاصة بين الفصائل المسلحة وفصائل المقاومة الإسلامية من جهة، وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الموجودة على الأراضي العراقية والسفارة الأمريكية من جهة أخرى”.
تسوركوف والسعدي
وقالت الباحثة الإسرائيلية الروسية إليزابيث تسوركوف في تدوينة، على منصة “إكس”، تابعتها “العالم الجديد” اليوم السبت، إن “إنجاز مكتب التحقيقات الفيدرالي في القبض على محمد باقر السعدي لم يكن ممكناً لولا جهود العملاء المتميزين الذين عملوا على قضيته”.
وأضافت، أن “إحدى أبرز العملاء في القضية نفسها هي المحققة الرئيسية في ملف اختطافي على يد كتائب حزب الله”، مشيرة إلى أنها “تتمتع بالعزيمة والرحمة والذكاء والمعرفة الواسعة”، وأنها واصلت العمل على القضية “بإصرار” لما وصفته بأهميتها للأمن القومي الأميركي.
وكانت تسوركوف قد تعرضت للاختطاف في بغداد في نهاية آذار مارس 2023، وتم إطلاق سراحها في أيلول سبتمبر 2025، فيما قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، في تموز يوليو 2023، إنها كانت محتجزة لدى “ميليشيا كتائب حزب الله الشيعية”.
وعلقت تسوركوف في نهاية تدوينتها: “بسبب غباء جلاديّ، زودوني بكم هائل من المعلومات حول عملياتهم، والتي قدمتها إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد إطلاق سراحي”.
أبعاد سياسية وأمنية
ويتابع علو، أن ”هذه التوترات قد تمتد أيضاً إلى الجانب التركي، باعتبار أن الأجهزة الأمنية التركية هي من نفذت عملية الاحتجاز وسلمت السعدي بسرعة إلى أجهزة الـFBI والـCIA الأمريكية، بعد عمليات متابعة وتشخيص جرت بالتعاون بين الجانبين الأمريكي والتركي”.
ويختتم حديثه بالقول، إن ”العملية تحمل أبعاداً سياسية وأمنية، فضلاً عن ارتباطها بعلاقات العراق مع دول الجوار والساحة الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية”، لافتاً إلى أن ”واشنطن قد تستمر أو تصعد جهودها في جمع الأدلة والوثائق وإظهارها بهدف استحصال قرارات ذات شرعية دولية لإدانة هذه الفصائل، والحصول على مبررات قد تستخدم مستقبلاً في تمرير استخدام القوة العسكرية ضدها”.
السعدي وإيران
وبحسب التقارير، فإن السرية التي عملت بها “الكتائب” منذ تأسيسها على يد نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق أبو مهدي المهندس، الذي قتل بغارة أمريكية عام 2020، جعلت المعلومات عن قياداتها محدودة، رغم النفوذ الذي تتمتع به محلياً وارتباطها الوثيق بالحرس الثوري الإيراني.
وتفيد معلومات نشرتها “الشرق الأوسط” نقلاً عن أوساط فصائلية بأن السعدي كان على صلة وثيقة بما تسمى هيئة استخبارات “قوة القدس”، كما كان على صلة بأحد عناصر الهيئة الإيرانية الذي قتل خلال حرب الـ11 يوماً بين الولايات المتحدة وإيران، رغم أن مصادر قالت إنه “يحب الادعاء بهذه الصلات”.
جواز “خدمة”
ومن خلال فحص أرشيف صوره في منصة “إكس”، تبين أن السعدي يتفاعل منذ عام 2014، وظهر دائماً برفقة قيادات في الحرس الثوري، كما ظهر في أحد المقاطع وهو يتبادل حديثاً وابتسامات مع الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي.
وبحسب الأوساط الفصائلية، فإن السعدي كثف زياراته إلى لبنان عقب اغتيال زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله في أواخر أيلول 2024، كما نشط في التنقل بين لبنان وسوريا خلال فترة حكم بشار الأسد.
وتشير مصادر إلى أن السعدي حصل على “جواز خدمة” يمنح عادة للشخصيات العسكرية المهمة والمسؤولين الرسميين، ما وفر له مرونة في التنقل والسفر إلى دول أخرى، ومن هذه الزاوية تفسر المصادر سفره الأخير إلى تركيا، وعملية الإطاحة به هناك، وإلقاء القبض عليه بينما كان، بحسب ما أشيع، يستعد لرحلة إلى دولة أوروبية.
وظهر السعدي في أكثر من صورة متداولة مع قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني وشخصيات أخرى مرتبطة بالفصائل المسلحة والحرس الثوري، فيما تشير بعض المصادر إلى أنه كان يفضل أن يضع لقب “سليماني” في نهاية اسمه.
وتضع الولايات المتحدة “كتائب حزب الله” على لائحة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وتقول إن السعدي منخرط مع الجماعة منذ عام 2017، فيما تشير بعض المصادر إلى أن والده مرتبط بمنظمة “بدر” التي يقودها هادي العامري.
وكانت واشنطن قد وضعت قبل نحو أسبوعين جائزة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد “الكتائب” أبو حسين الحميداوي.
ولا تزال التداعيات المحتملة لاعتقال السعدي غير واضحة، ولا سيما ما يتعلق بانعكاس ذلك على “كتائب حزب الله”، وطبيعة المعلومات التي قد تحصل عليها الأجهزة الأمريكية منه، وإمكانية أن تؤدي إلى كشف الجماعة المسلحة التي تقف حالياً في عين العاصمة الأمريكية.



