الصحافة الإيرانية: الصين؛ حليف لإيران أم وسيط لها؟
تكمن مشكلة الوسيط في أنه قد يؤدي إلى خلق اعتماد يجعله يتحول إلى «وسيط استراتيجي»، إذ يمكن لتلك الدولة أن تتصرف بما يخدم خصومك بشكل مباشر.

ميدل ايست نيوز: يوجد تمييز دقيق لكنه أساسي بين مفهومي «الحليف» و«الوسيط». وهناك عدة أسباب تجعل الصين بالنسبة لإيران أقرب إلى «وسيط استراتيجي» منها إلى «حليف استراتيجي»، وإذا كان من المقرر أن تستمر العلاقات بين إيران والصين بشكل مستدام، فيجب أن تتجه من مستوى «الوسيط» إلى مستوى «الحليف».
وقال کیومرث اشتریان، الخبير في الشؤون السياسية، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية، إن الوسيط الاستراتيجي هو جهة مساعدة أو رابط داعم في بعض الأزمات، لكنه لا يملك مصالح كبيرة في دعمك، ويذهب في وساطته إلى الحد الذي لا يضر بمصالحه. وهو يستخدم الوساطة أساساً لتحقيق مصالحه الجارية أو الاستراتيجية، لأنه لا يمتلك ارتباطات اقتصادية عميقة معك، وفي لحظة الأزمة قد يتخذ موقفاً ضدك تماماً. وقد قال الصينيون مراراً إن تعميق العلاقات الاقتصادية يتطلب حل مشكلتكم مع الولايات المتحدة، وهذه هي اللحظة التي يظهر فيها الفرق بين الحليف والوسيط.
كما أن الصين أعطت أولوية لتطوير علاقاتها مع دول الخليج على حساب تطوير علاقاتها مع إيران. أما «الحليف الاستراتيجي» فيمتلك روابط جيوسياسية وعسكرية واقتصادية أو ثقافية قوية تؤدي إلى علاقات مستقرة، وفي هذه الحالة تعمل الأطراف على توسيع العلاقات الاقتصادية بشكل أكبر، وتراعي علاقاتها الثنائية مع أطراف أخرى مثل الولايات المتحدة بسبب عمق الروابط الاقتصادية والجيوسياسية.
لا تصل العلاقات بين إيران والصين إلى هذا المستوى، كما أن عدداً من المحللين والمسؤولين الإيرانيين لم يميزوا بعد بشكل صحيح بين مفهوم «الحليف-الوسيط»، وما زالوا يعتبرون الصين حليفاً استراتيجياً، في حين أن هذه الدولة نفسها قد فضلت في بعض قرارات مجلس الأمن وفي قضية ادعاءات الإمارات بشأن الجزر الثلاث مصالحها الاستراتيجية على وساطتها المتقطعة، ولم تنفذ بعد مذكرة التفاهم الممتدة لـ25 عاماً.
وتكمن مشكلة الوسيط في أنه قد يؤدي إلى خلق اعتماد يجعله يتحول إلى «وسيط استراتيجي»، إذ يمكن لتلك الدولة أن تتصرف بما يخدم خصومك بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بمضيق هرمز، قد تدفع مصالح الصين إلى منع إيران من استخدام ميزتها في هذا المضيق، وقد تقترب الصين والولايات المتحدة من بعضهما البعض. ولهذا السبب شكك العديد من المحللين لسنوات في احتمال إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز. واليوم تقف الصين على الخط الفاصل بين الحليف والوسيط، وقد تنحرف في وساطتها بشأن هذه القضية الحساسة نحو الولايات المتحدة. وبالتالي فإن الوسيط الاستراتيجي قد يشكل لعبة خطرة.
وبناءً على ذلك، وفي خضم الحرب مع الولايات المتحدة، تبرز أمام إيران فرصة أساسية عبر ثلاثة عناصر مفهومية لرفع مستوى العلاقات مع الصين إلى شراكة استراتيجية:
العنصر الأول هو الوعي الذاتي بضرورة التمييز بين الوساطة والتحالف وعدم الخلط بينهما، إذ إن «الوعي الذاتي» هو نقطة الانطلاق في صنع السياسات، بينما يؤدي الاعتماد على الوساطة إلى جعل السياسة الخارجية أسيرة للمعالجات اليومية.
العنصر الثاني هو القدرة على استثمار النجاح العسكري الإيراني، حيث إن «الاستقلال في القرار» في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة وإمكانية استخدام ورقة مضيق هرمز تمثل فرصة لتغيير النموذج. ويمكن لإيران عبر تأكيد استقلال قرارها في هذا المضيق أن تدفع الصين من موقع الوسيط إلى موقع الحليف. وبشكل متناقض، فإن الابتعاد النسبي عن الصين وتعزيز الاستقلال في مضيق هرمز وفي العلاقات مع الجوار قد يدفع الصين نحو التحالف الاستراتيجي مع إيران بدلاً من الوساطة.
العنصر الثالث هو إدراك «قوة الإضرار»، إذ تتوفر لإيران فرصة لإثبات أن التنمية في الخليج وتنفيذ المشاريع الكبرى مع الدول العربية لا يمكن أن يتم من دون إيران. فإلى جانب نجاحها في المقاومة والتحكم بمضيق هرمز، اكتشفت إيران ما تسميه «قوة الإضرار». وإذا ترسخ هذا المفهوم بأن مشاريع التنمية الإقليمية لا يمكن أن تُبنى على استبعاد إيران وتحويلها إلى طرف متضرر، فإن معادلة التنمية الإقليمية ستتغير بالكامل. وقد خلصت إيران إلى أنها قادرة على تعطيل أي مشروع تنموي للآخرين ما لم تكن طرفاً فيه، أو ما لم تُنفذ المشاريع النفطية والغازية بشكل مشترك مع مراعاة مصالحها، أو ما لم يصبح أمن الآخرين مرتبطاً بأمنها.
ومع تعميم هذا الفهم، يمكن للصين أن تعيد النظر في استثماراتها الكبرى في الخليج، وأن تتحول إلى حليف استراتيجي في الوقت نفسه لكل من إيران ودول الخليج.


