الصحافة الإيرانية: ماذا يعني تعيين قاليباف ممثلًا خاصًا لإيران في شؤون الصين؟
لفهم أبعاد هذا التعيين، لا بد من العودة إلى تجارب سابقة. فقد لعب الراحل علي لاريجاني، بصفته “الممثل الخاص للمرشد الإيراني لشؤون الصين”، دورًا محوريًا في صياغة وإتمام اتفاقية التعاون الاستراتيجي الممتدة لـ25 عامًا، ما عكس الأهمية الكبيرة التي توليها الجمهورية الإسلامية لهذا المحور.

ميدل ايست نيوز: في وقت خرجت فيه إيران من حرب استمرت 40 يومًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعيش هدنة هشة وغير مستقرة، حظي خبر تعيين محمد باقر قاليباف “ممثلًا خاصًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية لشؤون الصين” باهتمام واسع في الأوساط السياسية والدبلوماسية. وما يميز هذا التعيين عن الحالات السابقة ليس فقط توقيته الحساس، بل أيضًا حجم الصلاحيات العابرة للمؤسسات التي مُنحت لقاليباف، خاصة بعدما تولى سابقًا قيادة الفريق التفاوضي الإيراني خلال الجولة الأولى من المباحثات في باكستان.
لماذا يُعد تعزيز العلاقات مع الصين أمرًا حيويًا في هذه المرحلة؟
تقول صحيفة شرق الإيرانية، إن الحرب الأخيرة، التي استمرت من أواخر فبراير حتى أبريل 2026، وضعت إيران أمام مزيج غير مسبوق من الضغوط العسكرية والحصار البحري والعزلة الدبلوماسية. أما وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 7 أبريل 2026، فلم يكن نتيجة حسن نية بين الأطراف، بل جاء إلى حد كبير بسبب استنزاف الحرب وضغوط المراقبين الدوليين، ومن بينهم الصين وروسيا.
وفي هذا السياق، برزت الصين باعتبارها ضامنًا للاستقرار الإقليمي. فقد دعت بكين بشكل صريح خلال الحرب إلى وقف الأعمال العدائية، وتسعى حاليًا عبر مبادرات ذات طابع سلمي إلى لعب دور محوري إلى جانب الوسطاء، وإن لم تكن وسيطًا مباشرًا.
ومن جهة أخرى، يعتمد الاقتصاد الإيراني المحاصر اليوم أكثر من أي وقت مضى على التنفيذ الكامل لاتفاقية التعاون الاستراتيجي الممتدة لـ25 عامًا مع الصين. فبكين، باعتبارها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني والمورد الرئيسي للسلع الأساسية خلال فترة العقوبات، لم تعد بالنسبة لطهران مجرد “خيار”، بل “حاجة استراتيجية”.
وبناء على ذلك، فإن أي فراغ في التنسيق بين أعلى مستويات السلطة الإيرانية في إدارة العلاقة مع الصين قد يهدد العمود الفقري لما تسميه طهران “اقتصاد المقاومة”. ومن هنا جاء تعيين قاليباف في هذه اللحظة الحساسة.
تحول في مفهوم “الممثل الخاص لشؤون الصين”.. من لاريجاني إلى قاليباف
ولفهم أبعاد هذا التعيين، لا بد من العودة إلى تجارب سابقة. فقد لعب الراحل علي لاريجاني، بصفته “الممثل الخاص للمرشد الإيراني لشؤون الصين”، دورًا محوريًا في صياغة وإتمام اتفاقية التعاون الاستراتيجي الممتدة لـ25 عامًا، ما عكس الأهمية الكبيرة التي توليها الجمهورية الإسلامية لهذا المحور.
أما عبد الرضا رحماني فضلي، الذي حمل صفة “الممثل الخاص والمفوض من رئيس الجمهورية لدى الحكومة الصينية”، فقد تزامن منصبه مع عمله سفيرًا، لكن ضعف خبرته في هذا النوع من الملفات أدى إلى تراجع الحضور السياسي لمنصب “الممثل الخاص للجمهورية الإسلامية الإيرانية” خلال فترة توليه المهمة.
واليوم، جرى تعيين محمد باقر قاليباف بناءً على اقتراح من الرئيس الإيراني وموافقة المرشد الإيراني، وهو ما يمنحه موقعًا يتجاوز حدود ممثل السلطة التنفيذية، ليصبح عمليًا “منسقًا سياديًا” بين مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار، نقلت وكالة تسنيم الإيرانية عن مصدر مطلع أن قاليباف سيكون “منسقًا لمختلف مؤسسات البلاد في ما يتعلق بالصين”، وهي عبارة تشير بوضوح إلى امتلاكه صلاحيات للتنسيق بين المؤسسات العسكرية والاقتصادية والتشريعية والتنفيذية.
ورغم أن وسائل الإعلام الإيرانية لم تكشف بعد الجهة الرسمية التي أصدرت قرار التعيين، فإن الإشارة إلى “موافقة المرشد” إلى جانب الموقع السابق لقاليباف كرئيس للبرلمان، تعزز الاعتقاد بأن القرار صدر من مستوى أعلى من المؤسسات التقليدية.
هل يشير التعيين إلى استراتيجية جديدة؟
وفي مرحلة ما بعد الحرب، تولى قاليباف أيضًا مسؤولية رئاسة الوفد الإيراني المفاوض مع الولايات المتحدة في أول جولة مفاوضات بعد الحرب. ورغم عدم وضوح ما إذا كان لا يزال يشغل هذا المنصب أو جرى استبعاده منه، فإن انتقاله من طاولة التفاوض مع واشنطن إلى موقع التنسيق مع بكين يعكس، بحسب مراقبين، مقاربة استراتيجية من جانب النظام الإيراني.
فإسناد الملف الصيني إلى شخصية كانت مسؤولة عن التفاوض مع الغرب يحمل رسالتين متوازيتين: الأولى إلى الغرب، بأن إيران تعرف كيفية إدارة التفاوض معه لكنها تعطي الأولوية حاليًا للشرق؛ والثانية إلى الصين، بأن الشخص المسؤول عن إدارة العلاقة معها هو شخصية موثوقة في إدارة الأزمات والملفات الحساسة.
وفي المحصلة، يُنظر إلى تعيين قاليباف بصفته “الممثل الخاص للجمهورية الإسلامية الإيرانية لشؤون الصين”، وبدعم مزدوج من السلطة التنفيذية والمرشد الإيراني، باعتباره رفعًا لمستوى هذا المنصب مقارنة بفترة رحماني فضلي، وعودة إلى الثقل الاستراتيجي الذي كان قائمًا خلال فترة علي لاريجاني.
كما أن الصلاحيات الواسعة الممنوحة لقاليباف بصفته “منسقًا عابرًا للمؤسسات” تكتسب أهمية خاصة، إذ إن موقعه كرئيس للبرلمان يتيح له التحرك مباشرة بين السلطات المختلفة لتذليل العقبات القانونية والتنفيذية أمام التعاون مع الصين.
وفي ظل هدنة هشة وحصار اقتصادي، فإن إعادة تعريف موقع الصين في السياسة الخارجية الإيرانية وتسليم هذا الملف لشخصية عملية مثل قاليباف يعكس تصميم طهران على إدارة المرحلة المقبلة عبر “المحور الشرقي”.
ومع ذلك، يبقى الغموض بشأن استمرار قاليباف أو عدم استمراره في ملف التفاوض مع الولايات المتحدة نقطة غير واضحة في هذا التعيين، خاصة مع احتمال دخول جيه دي فانس على خط المفاوضات المقبلة باعتباره مسؤولًا عن ملف التفاوض مع إيران، وهو ما قد يدفع نحو حضور أكبر لقاليباف في هذا المسار أيضًا.



