ماذا يفعل الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس في بغداد؟
تأتي زيارة الجنرال الأميركي، الذي تولى مهام عديدة في الجيش الأميركي إبان احتلال العراق، بالتزامن مع الضغوط الأميركية المتصاعدة على الحكومة بملف الفصائل العراقية الحليفة لإيران.

ميدل ايست نيوز: يُجري المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية ومهندس “مشروع الصحوة” ضد تنظيم القاعدة في العراق، الجنرال ديفيد بترايوس، زيارة للعاصمة العراقية بغداد منذ الجمعة الماضية، يعقد خلالها لقاءات رسمية مع كبار المسؤولين العراقيين، من دون الكشف عن طبيعة الزيارة أو الصفة التي يحملها في مهمته بالعراق.
وتأتي زيارة الجنرال الأميركي، الذي تولى مهام عديدة في الجيش الأميركي إبان احتلال العراق، بالتزامن مع الضغوط الأميركية المتصاعدة على الحكومة بملف الفصائل العراقية الحليفة لإيران.
ووفقاً لمصادر سياسية في بغداد تحدثت لموقع “العربي الجديد”، فإن زيارة بترايوس “لا تنفصل عن المساعي الأميركية لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الضغط المباشر على الحكومة بملف نزع سلاح الفصائل”.
وقال عضو في البرلمان الحالي عن تحالف “الإطار التنسيقي”، إنه جاء بمهمة نقل رسائل إلى المسؤولين والسياسيين العراقيين الذين عمل معهم عن قرب بعد العام 2003 ولغاية 2009، مبيناً أنه لا أحد يعرف فحوى هذه الرسائل، وهناك تكهنات كثيرة تعوم حولها، وبعضها عُومل بوصفها معلومات، لكن فعلياً الزيارة ولقاء المسؤولين في بغداد يندرجان ضمن التوجه الأميركي، وقد تكون الرسائل نصائح أو تحذيرات.
والتقى بترايوس في بغداد رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وجاء في بيان رسمي صدر عن إعلام القضاء، أن “زيدان أعرب عن شكره على الجهود التي بذلها (بترايوس) خلال فترة عمله في العراق، ولا سيما في مجال مكافحة الإرهاب وتشجيع جهود المصالحة الوطنية في تلك المرحلة”. كما التقى بترايوس رئيسَ مجلس النواب هيبت الحلبوسي، وجاء في بيان نشره الأخير، أن “اللقاء بحث مجمل الأوضاع في العراق، فضلاً عن تطورات الأحداث الإقليمية والدولية”.
والأسبوع الماضي، قال المستشار السياسي في الحكومة العراقية، عائد الهلالي، في تصريحٍ صحافي، إن “حراكاً أميركياً جديداً يقوده بترايوس للمساعدة في دعم علي الزيدي والتأثير في شكل حكومته، وإن بترايوس يحمل أفكاراً تتعلق بإعادة هيكلة المشهد الأمني، عبر تأسيس وزارة أمنية جديدة تضم مديرية الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية وشرطة الحدود وبعض تشكيلات الصحوات والبيشمركة، إلى جانب إجراء تغييرات داخل بنية الحشد، تشمل إقالات لعدد من أمراء الألوية والفصائل”. هذا التعليق وغيره من التفسيرات بشأن وجهة بترايوس في بغداد، أعاد الحديث عن تجربته في العراق عقب الاحتلال الأميركي، حين قاد بترايوس عملية إشراك مجاميع عراقية في دعم القوات الأميركية في حربها ضد تنظيم “القاعدة”.
وقال محمود الحياني، وهو عضو في تحالف “الإطار التنسيقي” الحاكم في العراق، إن زيارة بترايوس إلى بغداد ولقاءه عدداً من المسؤولين والشخصيات السياسية “تحمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتندرج ضمن سياقات أمنية وسياسية حساسة تتصل بملفات داخلية شائكة”.
وأوضح أن “توقيت الزيارة لا يمكن فصله عن مرحلة إعادة ترتيب المشهد السياسي في البلاد، ومن أبرز الرسائل التي قد تحملها الزيارة ما يتعلق بملف الفصائل المسلحة، ومستقبل سلاحها، في ظل نقاشات إقليمية ودولية متزايدة حول آليات ضبط الأمن وحصر السلاح بيد الدولة”.
وأضاف الحياني أن “المعلومات تشي بوجود اشتراطات أو مقاربات أميركية غير مباشرة تربط بين الدعم السياسي والأمني للعراق وبين خطوات تتعلق بإعادة هيكلة وضع الفصائل أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة، وهذا الملف يظل من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة”، مؤكداً أن “الزيارة في هذا التوقيت تعكس اهتماماً أميركياً متجدداً بالشأن العراقي، خصوصاً مع تشكيل الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي، والزيارة جزء من حراك دبلوماسي وأمني أوسع يهدف إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة، وأن التعامل مع ملف الفصائل يجب أن يتم ضمن إطار سيادي خالص يراعي خصوصية الوضع الأمني العراقي، ويضمن عدم الإخلال بتوازنات الاستقرار الداخلي”.
بدوره، لفت الناشط السياسي مجاشع التميمي، إلى أن “توقيت زيارة بترايوس إلى بغداد ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل يعكس قلقاً أميركياً متصاعداً من طبيعة التوازنات السياسية والأمنية داخل العراق، خصوصاً مع تصاعد الحديث في واشنطن عن ضرورة إعادة ضبط العلاقة مع بغداد وفق معايير أكثر صرامة تتعلق بالسيادة والسلاح والنفوذ الإقليمي”، قائلا: “إن لقاءاته (يقصد بترايوس) وخصوصاً مع القاضي فائق زيدان، تحمل دلالات تتجاوز الجانب القضائي، لأن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى القضاء العراقي باعتباره أحد المفاصل الحاسمة في ضبط البيئة السياسية والاقتصادية وملاحقة شبكات الفساد وغسل الأموال وتمويل الفصائل المسلحة”.
وأردف التميمي أن “الرسائل الأميركية تبدو واضحة، وهي أن دعم استقرار العراق مشروط بتقليص نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية كساحة صراع إقليمي أو ممر للالتفاف على العقوبات الأميركية، كما أن واشنطن تدفع باتجاه حماية الاستثمارات الغربية وإبعاد المؤسسات الرسمية عن تأثير الجماعات المسلحة”، موضحاً أن “الزيارة يمكن اعتبارها عودة للعراق تدريجياً إلى قلب الحسابات الأميركية الإيرانية، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطاً سياسية وأمنية أكبر لإعادة رسم موازين النفوذ داخل الدولة العراقية”.



