هل تستطيع إيران فعلاً الاستغناء عن موانئها الجنوبية؟
رغم الحديث عن تطوير الممرات الشمالية لإيران والمسارات البرية وخطوط السكك الحديدية كبدائل محتملة، فإن القدرات الفعلية لهذه المسارات لا تزال بعيدة بشكل كبير عن تلبية احتياجات التجارة الإيرانية.
ميدل ايست نيوز: أفاد رئيس رابطة شركات النقل الدولي في إيران بأن الجدل المتصاعد حول تنويع المسارات التجارية لإيران وتقليل الاعتماد على الموانئ الجنوبية يثير تساؤلات جوهرية بشأن قدرة البنية التحتية للنقل في البلاد على استيعاب الحجم الضخم للتجارة الخارجية عبر مسارات بديلة.
وذكر مسعود دانشمند، في مقابلة مع موقع اقتصاد نيوز، أنه رغم الحديث عن تطوير الممرات الشمالية والمسارات البرية وخطوط السكك الحديدية كبدائل محتملة، فإن القدرات الفعلية لهذه المسارات لا تزال بعيدة بشكل كبير عن تلبية احتياجات التجارة الإيرانية.
وأوضح أن الجزء الأكبر من واردات السلع الأساسية وصادرات المنتجات المعدنية والبتروكيماوية لا يزال يعتمد بصورة رئيسية على الموانئ الجنوبية، مؤكدًا أن استبدال هذه المسارات بالكامل عبر الموانئ الشمالية أو الممرات البرية أمر غير ممكن عمليًا.
وقال إن حجم الواردات والصادرات الإيرانية يبلغ سنويًا نحو 170 مليون طن، يُنقل منها قرابة مليوني طن عبر الطرق البرية، و7 ملايين طن عبر بحر قزوين، بينما يتم نقل نحو 160 مليون طن عبر موانئ جنوب البلاد.
وأضاف أن نحو 140 مليون طن من أصل 160 مليون طن تُنقل عبر ميناء الإمام الخميني وميناء بندر عباس، في حين تتوزع الكمية المتبقية، البالغة 20 مليون طن، على موانئ خرمشهر وعبادان ولنغه وجاسك وتشابهار.
وأشار إلى أن الانخفاض المستمر في منسوب مياه بحر قزوين يمنع دخول السفن ذات الحمولات الكبيرة إلى الموانئ الشمالية، موضحًا أن هذه الموانئ لا تستطيع استقبال سوى سفن بحمولات تتراوح بين ألفين و2500 طن، وفي حالات استثنائية تصل إلى 4 آلاف طن.
وأضاف أنه حتى مع تشغيل هذه الموانئ بكامل طاقتها، فإن القدرة اليومية للتفريغ أو التحميل لن تتجاوز 35 ألف طن، أي ما يعادل نحو 10 ملايين طن سنويًا على أساس 300 يوم عمل، ما يعني أن الطاقة الحالية البالغة 7 ملايين طن يمكن زيادتها بنسبة 50 بالمئة فقط، وليس أكثر من ذلك.
وأكد أن الاعتقاد بإمكانية تحويل الموانئ الشمالية إلى بديل كامل للموانئ الجنوبية «تصور غير واقعي».
وفي ما يتعلق بالنقل البري، أوضح دانشمند أن توسيع المسارات البرية يواجه صعوبات كبيرة، رغم استخدام إيران لطرق تمر عبر تركيا من معبر بازرغان، إضافة إلى باكستان وأذربيجان.
وأضاف أن نقل كل ألف طن إضافية من البضائع يتطلب إدخال نحو 50 شاحنة جديدة إلى الأسطول، وهو ما يحتاج إلى بنية طرقية وخدمات لوجستية إضافية، فضلًا عن التكلفة المرتفعة لشراء الشاحنات.
وفي ما يخص طبيعة الواردات الإيرانية، أوضح المسؤول الإيراني أن معظم شحنات الأعلاف والقمح والشعير تأتي من الأرجنتين عبر سفن تتراوح حمولتها بين 50 و60 ألف طن تصل مباشرة إلى ميناء الإمام الخميني.
وأكد أن نقل فول الصويا من الأرجنتين إلى روسيا ثم إلى ميناء أنزلي الإيراني «أمر غير ممكن عمليًا»، مضيفًا أن حتى نقل القمح عبر هذه المسارات يواجه صعوبات كبيرة.
وأشار كذلك إلى أن أبرز صادرات إيران تشمل الحديد والمنتجات البتروكيماوية والفولاذ، والتي تتجه أساسًا إلى أسواق مثل الصين وتعتمد بصورة كبيرة على الموانئ الجنوبية، موضحًا أنه لا يمكن نقل هذه الكميات عبر السكك الحديدية.
وتحدث عن الوضع في العراق، قائلًا إن بغداد تواجه بدورها مشكلات لوجستية، رغم إنشاء ميناء «الفاو» عند مدخل الخليج، موضحًا أن إغلاق مضيق هرمز جعل هذا الميناء غير قادر حتى على تلبية احتياجات العراق نفسه، فضلًا عن توفير طاقة استيعابية إضافية لصالح إيران.
أما بشأن باكستان، فقال رئيس رابطة شركات النقل الدولي في إيران إن بلاده لا تمتلك خبرة فعلية في مجال الترانزيت التجاري، وإن إيران تحاول تشجيعها على دخول هذا القطاع.
وأضاف أنه حتى إذا جرى تجهيز البنية التحتية الباكستانية بالكامل وتحويل مسار البضائع القادمة إلى كراتشي نحو تشابهار ومعبر ريمدان بدلًا من شمال باكستان، فإن أقصى قدرة نقل ممكنة ستتراوح بين مليونين و3 ملايين طن، وقد تصل في أفضل الأحوال إلى 10 ملايين طن فقط.
وأوضح أن القوانين الباكستانية لا تسمح بعبور البضائع من كراتشي إلى تفتان من دون تطبيق اتفاقية النقل الدولي البري «TIR»، مشيرًا إلى أن الشاحنات المؤهلة لهذا النوع من النقل غير متوفرة حاليًا، ما يخلق تحديات مع الجمارك والحكومة الباكستانية.
وأكد أن القدرة الإجمالية لموانئ كراتشي وبن قاسم وغوادَر لا تصل إلى 100 مليون طن، وهي طاقة لا تكفي أصلًا لتلبية احتياجات باكستان التي يتجاوز عدد سكانها 250 مليون نسمة، ما يعني أن إيران لن تتمكن من الاستفادة إلا من مليوني إلى 3 ملايين طن من طاقتها.
وفي ختام حديثه، أشار إلى افتتاح خط السكك الحديدية بين الصين وطهران، لكنه أوضح أن ارتفاع تكاليف هذا المسار يحد من جدواه الاقتصادية.
وأضاف أنه حتى إذا وصل قطار واحد يوميًا بحمولة تتراوح بين ألف وألفي طن، فإن إجمالي البضائع المنقولة سنويًا لن يصل إلى مليون طن، في حين أن التحدي الرئيسي لإيران يتمثل في نقل أكثر من 100 مليون طن عبر الموانئ الجنوبية، وهي المسألة التي ما تزال تمثل أكبر أزمة لوجستية تواجه البلاد.



