الصحافة الإيرانية: سلطنة عمان ومعادلة هرمز

إن زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية إلى سلطنة عُمان لم تكن مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، بل شكلت جزءاً من مسار أوسع لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية والقانونية المتعلقة بمضيق هرمز.

ميدل ايست نيوز: عكست زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية إلى سلطنة عُمان، الأحد، أبعاداً تتجاوز إطار اللقاءات الثنائية التقليدية، في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها منطقة الخليج والجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة.

وتقول صحيفة دنياي اقتصاد، إن الزيارة جاءت في وقت عاد فيه ملف الأمن البحري في مضيق هرمز إلى صدارة المشاورات الإقليمية والدولية، مع تصاعد النقاشات حول آليات إدارة حركة الملاحة البحرية ورسوم العبور، وهي قضايا اكتسبت أهمية إضافية مع اقتراب توقيع مذكرة تفاهم محتملة بين طهران وواشنطن. وفي هذا السياق، تسعى سلطنة عُمان، بوصفها إحدى الدول المشاطئة للمضيق، إلى ترسيخ موقعها المستند من جهة إلى الاعتبارات الجيوسياسية وقواعد القانون الدولي البحري، ومن جهة أخرى إلى نهجها التقليدي القائم على الوساطة وتحقيق التوازن في الأزمات الإقليمية.

ويشير نقل رسالة شفهية من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى نظيره العُماني، إلى جانب عقد اجتماع قانوني وسياسي مشترك بشأن المبادئ الحاكمة لعبور السفن في مضيق هرمز، إلى دخول طهران ومسقط مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي في مجال الأمن البحري. ولا يقتصر هذا التعاون على أمن الملاحة البحرية فحسب، بل يرتبط بشكل مباشر بالترتيبات المستقبلية في الخليج، بل وحتى بمسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الدور العُماني من عدة جوانب:

أولاً، تُعد عُمان وإيران الدولتين الساحليتين الرئيسيتين المطلتين على مضيق هرمز، وبموجب قواعد القانون الدولي للبحار، فإن أي آلية تتعلق بإدارة حركة الملاحة أو ضمان أمن هذا الممر المائي تفتقر إلى الشرعية والفعالية ما لم تحظ بمشاركة فاعلة من البلدين. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر لنقل الطاقة، بل يمثل فضاءً جيوسياسياً بالغ الحساسية يرتبط أمنه ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي للدول المشاطئة. ومن هذا المنطلق، سعت عُمان خلال العقود الماضية إلى تحقيق توازن بين متطلبات أمن الطاقة العالمي والاعتبارات السيادية للدول الساحلية.

ثانياً، يمكن فهم مسألة رسوم العبور في مضيق هرمز ضمن هذا السياق. فوفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يتيح مبدأ المرور العابر في المضائق الدولية للسفن حرية العبور دون عوائق، إلا أن الدول الساحلية تحتفظ بحق وضع آليات محددة لتقديم خدمات مرتبطة بسلامة الملاحة وإدارة الحركة البحرية وحماية البيئة البحرية وعمليات البحث والإنقاذ. وعليه، فإن النقاش حول فرض رسوم في مضيق هرمز لا يرتبط بتقييد حرية الملاحة بقدر ما يتعلق بتغطية تكاليف تأمين وإدارة هذا الممر الاستراتيجي.

ثالثاً، تبرز المكانة الخاصة التي تحتلها سلطنة عُمان في هذا الملف. فقد عملت مسقط خلال السنوات الأخيرة على تطوير موانئها وبنيتها التحتية اللوجستية على سواحل بحر عُمان والمحيط الهندي، بهدف تعزيز موقعها كلاعب مؤثر في شبكات التجارة والنقل الإقليمية. وتدرك السلطنة أن أي اضطراب في مضيق هرمز سينعكس بصورة مباشرة على اقتصادها ومكانتها الجيوسياسية، لذلك دعمت باستمرار فكرة الإدارة المشتركة لأمن المضيق، وعارضت تحويل أمنه إلى ملف تديره قوى دولية بصورة كاملة.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الاجتماع الأخير بين الوفدين الإيراني والعُماني بشأن مبادئ عبور السفن باعتباره امتداداً لهذا التوجه. وتكمن أهمية هذه المشاورات في تركيزها على مفهومي الأمن والسيادة الوطنية للدول الساحلية، وهي رسالة واضحة إلى القوى الخارجية مفادها أن أمن مضيق هرمز ينبغي أن يُصان بقيادة دول المنطقة، وليس عبر تحالفات عسكرية أجنبية. وفي هذا الإطار، تمتلك عُمان، بحكم علاقاتها المتوازنة مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج، القدرة على أداء دور محوري في بلورة ترتيبات بحرية جديدة.

ومن زاوية أخرى، تسعى مسقط إلى توظيف رصيدها الدبلوماسي للمساهمة في خفض التوترات المرتبطة بالملف النووي الإيراني. فقد أثبتت السلطنة خلال العقدين الماضيين قدرتها على توفير قناة تواصل موثوقة بين طهران وواشنطن. ويشير تزامن زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني مع المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة إلى أن ملف مضيق هرمز أصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي.

وبذلك، لم تعد قضايا أمن الملاحة وحرية عبور الطاقة ورسوم المرور البحري ملفات تقنية أو قانونية فحسب، بل باتت ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل النظام الأمني في الخليج.

وفي ظل هذه المعطيات، تعمل عُمان على الحيلولة دون تحول مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة جيوسياسية مفتوحة. فسياسة السلطنة الخارجية ارتكزت دائماً على خفض التوتر ومنع الاستقطاب الإقليمي، وهي تحاول اليوم إيجاد توازن بين مصالح الدول الساحلية ومتطلبات القوى العالمية المعنية بأمن الطاقة. وقد أكسبها هذا النهج هامشاً أوسع من المرونة والمصداقية مقارنة بعدد من دول مجلس التعاون الخليجي في التعامل مع الملفات الإقليمية الحساسة.

خلاصة القول، إن زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية إلى سلطنة عُمان لم تكن مجرد محطة دبلوماسية اعتيادية، بل شكلت جزءاً من مسار أوسع لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية والقانونية المتعلقة بمضيق هرمز. وفي هذا المسار، تسعى مسقط، بصفتها دولة ساحلية ووسيطاً إقليمياً، إلى أداء دور فاعل ومؤثر. ويبدو أن مستقبل مضيق هرمز لن يتحدد فقط عبر موازين القوة العسكرية، بل أيضاً من خلال التفاهمات القانونية والسياسية بين الدول المشاطئة، حيث تبرز عُمان، إلى جانب إيران، باعتبارها أحد الأطراف الرئيسية في هذه المعادلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى