من الجيوسياسة إلى الجيواقتصاد: تحديات السلام المؤقت بين إيران وأمريكا

توحي المعطيات السياسية والأمنية بأن المنطقة لم تتجاوز بعد مرحلة الخطر

ميدل ايست نيوز: رغم استمرار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة حول وقف إطلاق النار، فإن مؤشرات الاستقرار النهائي لا تزال غائبة، إذ توحي المعطيات السياسية والأمنية بأن المنطقة لم تتجاوز بعد مرحلة الخطر، وأن احتمالات عودة التوتر والتصعيد تبقى قائمة بقوة.

تقول صحیفة توسعه إيراني في تقرير، إن الاتفاق المتوقع لا يبدو قريب المنال كما كان يُعتقد في بداية الأسبوع الماضي، إذ لا يزال احتمال انهيار الجهود الدبلوماسية في اللحظات الأخيرة قائماً، خاصة في ظل ما يُوصف بتناقض مواقف البيت الأبيض حيال إنهاء الحرب، وهو ما قد يعيد الأمور إلى مربع التصعيد ويبعدها عن مسار الدبلوماسية.

ويصف مراقبون هذا الوضع بأنه “تعليق استراتيجي”، يعكس عمق الفجوة القائمة بين الأطراف، وهي فجوة لا تبدو قابلة للردم بسهولة حتى مع استمرار الوساطات الدولية.

أمن الطاقة وأزمة مضيق هرمز

يُعد مضيق هرمز أحد الملفات الأساسية في أي اتفاق محتمل. وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” قد نقلت عن مسؤولين قولهم إن الجيش الأمريكي نسق مع عدد من السفن لعبور مضيق هرمز، مضيفة أن بعض السفن تمكنت من العبور بعد إيقاف أجهزة التتبع الخاصة بها.

وفي هذا السياق، تناول الخبير في العلاقات الدولية صابر غل عنبري أبعاد الأزمة في مقال نشرته صحيفة “خراسان”، مشيراً إلى أن الحديث عن اتفاق مؤقت وأولي بين إيران والولايات المتحدة بلغ مستويات غير مسبوقة خلال الأيام الأخيرة، ما أدى إلى موجة من التفاؤل.

وأضاف أن تصريحات الرئيس الأمريكي، رغم ما تحمله من تناقضات وتعقيدات، تستدعي البحث في الدوافع والأهداف الكامنة وراءها، لافتاً إلى أن بعض وسائل الإعلام الأمريكية ذكرت أن الرئيس دونالد ترامب لم يتخذ قراره النهائي بعد، إلا أنه يرجح أنه حسم موقفه بالفعل، بينما لا تزال طبيعة هذا القرار وتفاصيله غير واضحة.

وحذر غل عنبري من أن أحد أهداف هذه الأجواء الإعلامية قد يكون خفض أسعار النفط إلى مستويات تسمح باندلاع مواجهة جديدة، موضحاً أن أي صراع في ظل أسعار مرتفعة للنفط قد يؤدي إلى قفزات سعرية يصعب السيطرة عليها.

واعتبر أن المخرج المستدام من حالة عدم اليقين الحالية يكمن في الانتقال من الصراعات الجيوسياسية إلى نموذج “الحوكمة الأمنية الشبكية” بضمانات من قوى كبرى مثل الصين، بحيث يؤدي ربط الأمن القومي بسلاسل القيمة العالمية إلى رفع كلفة أي عمل عسكري على جميع الأطراف.

النظام العالمي الجديد وضرورة تغيير المقاربة

ويرى عدد من الباحثين أن العالم دخل مرحلة انتقالية تتراجع فيها هيمنة النظام الليبرالي التقليدي، لتحل محلها منظومة جديدة تقوم بدرجة أكبر على استخدام القوة المباشرة من قبل الولايات المتحدة والقوى الكبرى.

وفي هذا الإطار، قال وزير الطرق والتنمية الحضرية الإيراني الأسبق عباس آخوندي في مقال بعنوان “من الجيوسياسة إلى الجيواقتصاد”، إن فرص نجاح المفاوضات الثنائية الحالية بين إيران والولايات المتحدة في الوصول إلى سلام دائم تبدو محدودة للغاية.

وأوضح أن كسر هذا الجمود يتطلب دخول “طرف ثالث” مثل الصين، ليؤدي دور المراقب والميسر والضامن، مشدداً على أن مثل هذه القوة لن تتدخل إلا إذا تأكدت من وجود إرادة حقيقية لدى الطرفين لإنهاء الحرب وتغيير سلوكهما.

وانتقد آخوندي المفاهيم التقليدية للأمن، معتبراً أن الاعتماد الأمني على القوى الكبرى أثبت فشله، مستشهداً بتجربتي أوكرانيا وسوريا، ومشيراً إلى أن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها أحدث التقنيات العسكرية، واجهت صعوبات في حماية قواعدها بالمنطقة.

كما رفض فكرة الانعزال أو “إقامة الأسوار حول الدولة”، معتبراً أن هذا النهج يقود إلى الفقر والهشاشة وعدم الاستقرار، خاصة في عالم تتغير فيه مراكز القوة والتهديد باستمرار.

ويرى أن الأزمة الحالية بين طهران وواشنطن تتجاوز كونها خلافاً دبلوماسياً، إذ تعكس انهيار النظام الإقليمي القديم وغياب توازن جديد، وأن الاتفاقات المؤقتة المطروحة حالياً لا تمثل نهاية للصراع، بل أدوات لإدارة المخاطر ومنع اضطراب أسواق الطاقة العالمية.

خيار بديل: الحوكمة الأمنية الشبكية

وتتمحور المقترحات المطروحة لحل الأزمة حول الانتقال إلى نموذج “الحوكمة الأمنية الشبكية الإقليمية”. ويؤكد آخوندي أن نجاح هذا النموذج يتطلب إعطاء الأولوية للجيواقتصاد على حساب الجيوسياسة، بحيث يصبح الهدف الرئيسي للأمن هو حماية سلاسل الإمداد وسلاسل القيمة العالمية.

وأضاف أن على إيران تقديم صورة جديدة عن نفسها في المحافل الدولية، عبر الترويج لفكرة أن أي تهديد عسكري ضدها يمثل تهديداً لأمن الطاقة العالمي واستقرار سلاسل القيمة الدولية.

وأشار إلى أن نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يعني أن أي اضطراب أمني في إيران من شأنه رفع تكاليف التأمين والنقل على مستوى العالم، وهو ما قد يشكل أحد أهم عوامل الردع ضد الحروب المستقبلية.

توازن جديد أم صراع طويل الأمد؟

ويرى محللون أن التوصل إلى اتفاق أولي ومؤقت يظل أمراً مرجحاً، لكنه لا يعكس بالضرورة قناعة الطرفين بحل الخلافات، بل يمثل محاولة لإدارة التوترات وفقاً لأولويات كل جانب.

وأكد صابر غل عنبري أن الحرب لم تنته بعد، وأن المنطقة لا تزال بعيدة عن الوصول إلى توازن جديد.

في المقابل، طرح عباس آخوندي تصوراً من مرحلتين، يبدأ بإجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق “عدم اعتداء”، ثم الانتقال إلى مشروع أوسع للأمن الجماعي الإقليمي بمشاركة قوى دولية مثل الصين.

وخلص إلى أن تحقيق سلام مستدام يتطلب تحول إيران إلى لاعب فاعل وضامن داخل الاقتصاد العالمي، بما يسمح لها بتجنب الوقوع في دوامة الصراعات الاستنزافية طويلة الأمد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى