الصحافة الإيرانية: اتفاقات صغيرة وأسئلة كبيرة.. ماذا جنت طهران من كلفة المواجهة؟

وصفت المفاوضات الأخيرة بين طهران وواشنطن بأنها حققت "تقدماً" و"حركة إلى الأمام"، إلا أن المؤشرات على المستوى الاستراتيجي تعكس صورة مختلفة.

ميدل ايست نيوز: وصفت المفاوضات الأخيرة بين طهران وواشنطن بأنها حققت “تقدماً” و”حركة إلى الأمام”، إلا أن المؤشرات على المستوى الاستراتيجي تعكس صورة مختلفة، لا توحي بانفراج حقيقي بقدر ما تشير إلى تضييق هامش التفاوض. فعندما يقول مسؤول إيراني إن “المفاوضات تقدمت كثيراً”، ثم يوضح أن المرحلة الأولى تتركز على الإفراج عن 50% من الأموال الإيرانية المجمدة عبر توقيع مذكرة تفاهم، على أن يُفرج عن النصف الآخر خلال شهر أو شهرين، تتضح الصورة الحقيقية. فالمرحلة الأولى لا تقوم على رفع العقوبات ولا على إعادة صياغة الإطار النووي، بل تقتصر على تحرير جزء من الأموال الإيرانية المحتجزة.

يقول حامد نقي لو، الخبير في الشؤون الدولية، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية، إن هذه البداية تشير أكثر من كونها دليلاً على التقدم، إلى أن سقف المفاوضات رُسم منذ البداية عند مستوى منخفض. وتتضح الصورة بصورة أكبر عند احتساب الكلفة التي تحملتها إيران خلال الأشهر الماضية. فخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً وما يُعرف بـ”حرب رمضان”، لم تقتصر الأعباء على الجانب العسكري، بل شملت أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية ونفسية. وخلال تلك الفترة دخلت البلاد في حالة استنفار، وتعرضت الأسواق لضغوط، واتجهت الأوضاع الإقليمية نحو مزيد من التصعيد، فيما وجدت إيران نفسها في مواجهة تحالف متعدد المستويات.

وكان الهدف من تحمل هذه التكاليف تغيير موازين القوى، لا الوصول في نهاية المطاف إلى مفاوضات ينحصر سقفها في الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة. من الطبيعي، أن يطرح الرأي العام تساؤلات حول العلاقة بين تلك التكاليف والنتائج المتحققة، وما إذا كانت هذه هي المحصلة التي كان يُفترض الوصول إليها بعد كل ذلك التوتر والضغوط. وتندرج هذه التساؤلات ضمن المطالبات المتزايدة بتقييم التوازن بين الكلفة والعائد.

ولفهم هذه المعادلة، من الضروري النظر في العوامل البنيوية. فالاقتصاد الإيراني، في ظل العقوبات الثانوية والقيود المصرفية وتراجع صادرات النفط والتكاليف الإقليمية، وصل إلى مرحلة يمكن أن يشكل فيها أي انفراج محدود وسيلة لامتصاص الضغوط بصورة عاجلة.

في المقابل، تواجه الولايات المتحدة مرحلة انتخابية جديدة، بالتوازي مع احتدام المنافسة الجيوسياسية مع الصين وروسيا، ما يدفعها إلى إدارة الملفات لا إلى تسويتها. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة باعتباره أداة منخفضة الكلفة لضبط التوترات، لا تتطلب اتفاقاً شاملاً ولا تفرض أعباء سياسية داخلية كبيرة على واشنطن، حتى وإن بدت محدودة في ظاهرها.

إذن، فإن تلاقي احتياجات الطرفين أوجد أرضية لاتفاق محدود يمكن لكل منهما وصفه بأنه “تقدم”، من دون أن يطرأ أي تغيير جوهري على بنية الصراع الأساسية.

هذا النمط ليس جديداً في السياسة الأميركية، إذ سبق لواشنطن أن اعتمدت منذ الاتفاق النووي وحتى جولات التفاوض الأخيرة وعمليات التبادل المحدودة، على سياسة تقوم على “خطوات محدودة مقابل تنازلات قابلة للتراجع”. تهدف هذه المقاربة إلى إدارة الأزمات لا حلها، بحيث يجري الإفراج عن أموال أو تخفيف بعض القيود المصرفية مقابل التزامات فنية قصيرة الأجل يمكن تعليقها أو التراجع عنها في أي وقت.

وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة بوصفه مكسباً استراتيجياً، بل باعتباره أداة تكتيكية.

ويطرح الرأي العام الإيراني مجموعة من الأسئلة الأساسية: هل سيؤدي هذا الاتفاق إلى تغيير حقيقي في هيكل العقوبات؟ وهل سيُفرض تقييد على البرنامج النووي الإيراني مقابل الإفراج عن جزء من الأموال؟ وهل تمثل هذه الخطوة نهاية الضغوط أم بداية مرحلة جديدة من إدارة الأزمة؟ والأهم من ذلك، هل تتناسب هذه النتائج مع التكاليف التي تكبدتها إيران على مدى سنوات، ولا سيما خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً وما يُعرف بـ”حرب رمضان”؟

هذه التساؤلات لا تنطلق من التشاؤم، بل من المطالبة بتحقيق توازن منطقي بين الكلفة والعائد. فالمجتمع لا يرفض مبدأ التفاوض بحد ذاته، وإنما يرفض عقد صفقات محدودة مقابل أثمان باهظة. ومن هنا تنبع حساسية الرأي العام تجاه أي اتفاق محتمل، ما يجعل كل خطوة تفاوضية موضع تدقيق واسع.

وهنا لا بد من تسليط الضوء على دور الأطراف الأخرى في المشهد، وانشغال أوروبا بأزمة الطاقة والحرب في أوكرانيا وتغير أولوياتها، بينما تسعى الصين إلى الحفاظ على قنواتها الاقتصادية مع إيران لكنها لا ترغب في تحمل كلفة سياسية مرتبطة برفع العقوبات. أما دول المنطقة فتؤدي أدواراً وساطية، إلا أن قدرتها على التأثير تبقى محدودة.

وأدى هذا التشتت في الأدوار إلى وضع الملف الإيراني في حالة من الفراغ الاستراتيجي، حيث تبدو الاتفاقات الصغيرة ممكنة، في حين تظل الاتفاقات الكبرى بعيدة المنال. ويرى كثير من المحللين أن هذا الواقع يعكس غياب إطار استراتيجي شامل.

وفي ظل هذه الظروف، فإن الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة، حتى لو وفر متنفساً مؤقتاً، لن يكون كافياً بمفرده لتغيير المسار العام. ويخلص التحليل إلى أن السؤال الجوهري يتمثل في معرفة الهدف الأكبر الذي يخدمه هذا التقدم المحدود؛ فإذا كان جزءاً من خريطة طريق واضحة، فقد يشكل نقطة انطلاق نحو مسار أوسع.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى