الصحافة الإيرانية: من الليطاني إلى هرمز.. هل يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوترات الاستراتيجية؟
ربما لم يُسمع صوت العاصفة بالكامل بعد، لكن الأمواج التي تتشكل اليوم في الليطاني وهرمز تشير إلى أن الشرق الأوسط لا يزال يعيش واحدة من أكثر فترات تاريخه المعاصر حساسية وتعقيداً.

ميدل ايست نيوز: تشهد منطقة الشرق الأوسط مجدداً مرحلة شديدة الحساسية، حيث بات كل خبر أو تحذير أو تصريح سياسي يتجاوز كونه مجرد عنوان إعلامي ليعكس مؤشرات على تحولات أوسع تجري خلف الكواليس. فمن نهر الليطاني في جنوب لبنان إلى مضيق هرمز الاستراتيجي، تتشكل سلسلة من التطورات التي ترسم صورة لتصاعد التوتر واحتدام حرب الروايات وتنافس القوى الإقليمية والدولية.
تقول الأستاذة نیروانا مهرآیین، وهي أخصائية في القانون الدولي وناشطة في مجال السلام وحقوق الإنسان، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني: في أحدث هذه التطورات، أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن احتمال عبور القوات الإسرائيلية نهر الليطاني ردود فعل غير مسبوقة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فقد وجّه مسؤول أمني إسرائيلي انتقادات حادة لهذه التصريحات، معتبراً أنها لا تندرج ضمن استراتيجية عسكرية مدروسة، بل تأتي في إطار أهداف سياسية وانتخابية.
وحذّر المسؤول من أن طرح مثل هذه القضايا في المجال العام قد يعرّض القوات الإسرائيلية لمخاطر ميدانية كبيرة، ويضيف أعباء أمنية جديدة على تل أبيب.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت يواجه فيه الكيان الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية تحديات متزايدة على المستويين الداخلي والخارجي. فقد أدت الخلافات السياسية، وضغوط الرأي العام، والانتقادات الموجهة لإدارة الحرب، إضافة إلى المخاوف بشأن مستقبل الأمن الإقليمي، إلى إخضاع مواقف المسؤولين الإسرائيليين لتدقيق متزايد من قبل وسائل الإعلام والمؤسسات الأمنية.
ويرى كثير من المحللين أن جانباً من تصريحات نتنياهو الأخيرة يجب فهمه في سياق المنافسة السياسية الداخلية ومحاولات إظهار الحزم والقوة أمام الرأي العام الإسرائيلي.
في المقابل، تشهد مياه الخليج بدورها مؤشرات على تصاعد التوتر. فقد أصدرت القيادة المركزية الأمريكية تحذيرات للسفن التجارية أعربت فيها عن قلقها إزاء الوضع الأمني في مضيق هرمز، ودعت السفن إلى توخي مزيد من الحذر أثناء الملاحة.
وجاءت هذه التحذيرات في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز أحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم، حيث إن أي اضطراب أمني فيه قد يترك آثاراً تتجاوز حدود المنطقة.
ولا تقتصر أهمية مضيق هرمز على موقعه الجغرافي، بل تكمن أيضاً في كونه ممراً أساسياً لعبور جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية. ولذلك فإن أي تطور أمني فيه ينعكس فوراً على أسواق الطاقة وشركات النقل والدول المستهلكة للطاقة.
ولهذا السبب تحظى التحذيرات العسكرية والأمنية المتعلقة بالمضيق بمتابعة دقيقة من العواصم العالمية.
وما يربط بين هذين التطورين لا يقتصر على تزامنهما الزمني، بل يتمثل في الصورة العامة التي يعكسانها عن واقع المنطقة، التي لا تزال تعيش تحت تأثير حرب غزة، والتوترات الحدودية، والتنافسات الجيوسياسية، والحضور المكثف للقوى الخارجية.
وهنا، قد يتحول تصريح سياسي أو تحذير بحري إلى جزء من مشهد أوسع، تسعى فيه مختلف الأطراف إلى تعزيز مواقعها وإضعاف خصومها.
ويرى بعض المراقبين أن ما يجري حالياً في الشرق الأوسط يتجاوز كونه مواجهة عسكرية مباشرة، ليشكل صراعاً متعدد المستويات في المجالات السياسية والأمنية والإعلامية والنفسية.
ويحاول كل طرف، عبر رسائل مدروسة، التأثير في حسابات خصومه وتوجيه الرأي العام نحو الرواية التي يتبناها، الأمر الذي يجعل كثيراً من التحركات الأخيرة غير قابلة للتفسير فقط من زاوية العمليات العسكرية أو الإجراءات الأمنية.
وفي إسرائيل، أصبحت الخلافات بين الساسة والمؤسسات الأمنية حول كيفية إدارة الأزمات الإقليمية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. ويكشف انتقاد مسؤول أمني لتصريحات نتنياهو عن غياب توافق كامل داخل مراكز صنع القرار بشأن أساليب التعامل مع التطورات الإقليمية.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات معقدة على أكثر من جبهة، حيث يمكن لأي قرار خاطئ أن يؤدي إلى توسيع نطاق الأزمات القائمة.
أما التحذيرات الأمريكية المتعلقة بمضيق هرمز، فلا تقتصر على الجوانب الملاحية أو الأمنية، بل تندرج ضمن سياق تنافسات استراتيجية أوسع تمتد من البحر الأحمر والخليج إلى شرق البحر المتوسط.
ويعتقد عدد من المحللين أن الممرات المائية في المنطقة تحولت إلى ساحات لإظهار القوة وتوجيه رسائل الردع وممارسة الضغوط السياسية.
وفي هذا السياق، تظل إيران أحد أبرز اللاعبين الإقليميين الحاضرين في معظم معادلات المنطقة. فكل تطور في الخليج، وكل توتر على حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة الشمالية، وكل تغيير في التوازنات الأمنية الإقليمية، يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بموقع إيران ودورها.
ولهذا تحظى التطورات الأخيرة بمتابعة دقيقة من الأوساط السياسية والأمنية.
ويبدو الشرق الأوسط اليوم أشبه ببحر تبدو مياهه هادئة على السطح، فيما تتحرك في أعماقه تيارات قوية ومتسارعة. فمن الليطاني إلى هرمز، ومن غرف العمليات العسكرية إلى المنابر السياسية، تتكاثر المؤشرات على دخول المنطقة مرحلة جديدة من التنافسات والتوترات الاستراتيجية.
وهي مرحلة تتضاءل فيها الفوارق بين الحرب النفسية والردع العسكري والمنافسة السياسية يوماً بعد يوم.
وربما لم يُسمع صوت العاصفة بالكامل بعد، لكن الأمواج التي تتشكل اليوم في الليطاني وهرمز تشير إلى أن الشرق الأوسط لا يزال يعيش واحدة من أكثر فترات تاريخه المعاصر حساسية وتعقيداً، حيث يمكن لأي تطور جديد أن يطلق موجة أخرى في بحر التحولات الإقليمية المتلاطم.



