هل يقود مشروع قرار الوكالة الذرية إلى تعطيل التفاهمات بين إيران وأمريكا؟

ما يميز المرحلة الحالية عن الفترات السابقة هو أن الطرفين، بعد الحرب، باتا أكثر اعتماداً على التفاوض ويدركان أن إغلاق قنوات الدبلوماسية يعني تصعيداً إضافياً للتوترات.

ميدل ايست نيوز: تحول الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا مجدداً إلى ساحة مواجهة دبلوماسية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول الغربية. فقد تقدمت الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية، المكونة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بمشروع قرار ضد إيران يطالب طهران بتقديم توضيحات فورية بشأن وضع موادها ومنشآتها النووية.

ويأتي هذا التحرك في وقت تشير فيه المؤشرات الصادرة من كواليس الجهود الدبلوماسية إلى اقتراب التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن إصرار الدول الغربية على إصدار هذا القرار أثار مخاوف من أن تؤدي التوترات المرتبطة بملف الضمانات النووية داخل الوكالة إلى تقويض المكاسب النسبية التي تحققت في مسار تمديد التفاهمات بين الجانبين.

تفاصيل مشروع القرار

تكشف التفاصيل المسربة من مشروع القرار أن محور الضغط الغربي يتركز على التزامات إيران المتعلقة باتفاقات الضمانات النووية.

ووفقاً للنص، فإن تقديم التقارير ومنح مفتشي الوكالة حق الوصول إلى المواقع والمنشآت يوصف بأنه أمر «ضروري وعاجل ومن دون تأخير». كما أعربت الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية عن قلقها مما وصفته بـ«عدم قدرة الوكالة على التحقق من المواد النووية المعلنة من جانب إيران منذ عام 2016»، مطالبة طهران بتقديم معلومات دقيقة حول مخزون المواد النووية ومصير اليورانيوم المخصب بمستويات مرتفعة.

وتتمثل إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في المشروع في الإصرار على الحصول على تقارير بشأن مواقع تعرضت لهجمات خلال المواجهات العسكرية التي شهدتها الأشهر الماضية. وكان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، قد أعرب مراراً عن استيائه من عدم تمكن مفتشي الوكالة من الوصول إلى هذه المواقع، واعتبر ذلك «مصدر قلق يتعلق بالانتشار النووي».

في المقابل، استند المندوب الأمريكي لدى مجلس المحافظين إلى مسودة التقرير السنوي للوكالة لعام 2025 لوصف الإجراءات الإيرانية بأنها «غير مقبولة»، مدعياً أن طهران لم تلتزم بتعهداتها بموجب نظام الضمانات المنبثق عن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

كما شدد مشروع القرار على أن اتفاقات الضمانات لا يمكن تعليقها أو تعديلها بصورة أحادية الجانب، في بند يبدو أنه يهدف إلى استباق النقاشات الدائرة داخل إيران بشأن احتمال تعديل العقيدة النووية أو الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار.

هل يحمل القرار أهمية سياسية وقانونية؟

تكمن الأهمية السياسية لمشروع القرار في توقيته. فالسعي إلى تمرير قرار ضد إيران في خضم المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن ينطوي على خطر إشعال توترات متبادلة قد تعرقل المسار الدبلوماسي. كما أن التجارب السابقة أظهرت أن مثل هذه الخطوات التصعيدية لم تفضِ إلى نتائج إيجابية.

أما من الناحية القانونية، فيواجه مشروع القرار تحدياً بارزاً طرحه الوفد الإيراني من خلال وثيقة غير رسمية وزعت على أعضاء المجلس قبل التصويت.

وأكدت البعثة الإيرانية في فيينا أن المفتشين لا يستطيعون التحقق من وضع البنية التحتية النووية المتضررة، لأن هذه المواقع لم تعد موجودة فعلياً بعد الهجمات العسكرية المشتركة التي تعرضت لها من الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرة أن الالتزام بتقديم تقارير عن «منشآت زالت من الوجود» أمر غير ممكن مادياً وقانونياً.

ورغم أن أنظمة الضمانات المعتمدة لدى الوكالة لا تتضمن تقليدياً استثناءات مرتبطة بالحروب، فإن إيران تؤكد أن الطابع السياسي الذي اكتسبه أداء الوكالة وصمتها تجاه الهجمات التي استهدفت منشآت خاضعة للضمانات يثيران تساؤلات حول مصداقيتها.

إشارة إلى التسوية داخل نص القرار

ورغم ذلك، يتضمن مشروع القرار مؤشراً مهماً يراه مراقبون دليلاً على التقدم الحاصل في المفاوضات. فقد جرى حذف البند المتعلق بـ«الإحالة الفورية للملف الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي»، والذي كانت واشنطن تصر على تضمينه في المسودات الأولية، وذلك في إطار تسوية دبلوماسية.

ويعكس هذا التغيير عدم رغبة الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية، في المرحلة الحالية، في قطع قنوات التواصل بالكامل أو نقل المواجهة إلى نيويورك، مع تفضيل استخدام أدوات ضغط محسوبة داخل أروقة الوكالة في فيينا.

مواقف دولية واستقطاب داخل الوكالة

وتكشف المواقف المعلنة حيال مشروع القرار عن حالة استقطاب داخل مجلس المحافظين. فقد تبنت روسيا، بصفتها أحد الأعضاء المؤثرين في المجلس، موقفاً قريباً من الموقف الإيراني.

وانتقد ميخائيل أوليانوف ما وصفه بـ«صمت الدول الغربية» تجاه الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، معتبراً أن ذلك يمثل شكلاً من أشكال تطبيع المخاطر النووية الجديدة.

ومع ذلك، تشير التجارب السابقة المتعلقة بقرارات مجلس المحافظين إلى أن اعتراضات روسيا والصين لم تكن كافية لتغيير موازين التصويت، إذ يتمكن التحالف الغربي عادة من حشد أغلبية الأصوات اللازمة لتمرير قراراته.

ماذا بعد؟

يمتلك مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى نهاية اجتماعه الفصلي لاتخاذ قرار بشأن مشروع القرار المطروح.

وتشير التقديرات إلى أن فرص اعتماد القرار مرتفعة نظراً للدعم الذي يحظى به من الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية.

لكن ما يميز المرحلة الحالية عن الفترات السابقة هو أن الطرفين، بعد الحرب، باتا أكثر اعتماداً على التفاوض ويدركان أن إغلاق قنوات الدبلوماسية يعني تصعيداً إضافياً للتوترات.

ولذلك، يتوقع أن يسعى الجانبان، حتى في حال اعتماد القرار، إلى إبقاء مسار المفاوضات والقنوات الدبلوماسية مفتوحاً بهدف تجنب العودة إلى مواجهة جديدة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى