كيف تؤثر المنافسة في شرق آسيا على تشكيل نظام عالمي جديد؟
وصف تحليل نُشر على موقع «إي-إنترناشونال ريليشنز» النظام العالمي بأنه لا يُفهم فقط من خلال الجغرافيا والمكان، بل أيضاً من خلال الزمن، مؤكداً أن مفاهيم القوة والنظام والأزمات والاستراتيجيات تستند إلى تصورات محددة للزمن السياسي.

ميدل ايست نيوز: وصف تحليل نُشر على موقع «إي-إنترناشونال ريليشنز» النظام العالمي بأنه لا يُفهم فقط من خلال الجغرافيا والمكان، بل أيضاً من خلال الزمن، مؤكداً أن مفاهيم القوة والنظام والأزمات والاستراتيجيات تستند إلى تصورات محددة للزمن السياسي، رغم أن هذا البعد غالباً ما يُهمل في دراسات العلاقات الدولية.
وكتب إيغور سونارد أن الفاعلين السياسيين لا يعيشون في الحاضر فقط، بل يحكمون من خلال التوقعات والتحذيرات والوعود والتكنولوجيا والروايات المتعلقة بالمستقبل. ومن هذا المنظور، لا يُعد المستقبل مجرد أفق بعيد، بل أداة لممارسة القوة في العلاقات الدولية.
ويرى الكاتب أن التصورات المختلفة للمستقبل تؤثر بصورة مباشرة في سلوك الدول اليوم. فالفاعلون السياسيون يربطون بين تجارب الماضي وإمكانات المستقبل لصياغة قرارات الحاضر. وفي هذا السياق، تبرز شرق آسيا بوصفها واحدة من أهم ساحات التنافس العالمي، حيث تتقاطع الآمال والمخاوف والمخاطر والرؤى المتباينة بشأن النظام الدولي. ويكمن السؤال المركزي في تحديد من يمتلك «السلطة الزمنية»، أي القدرة على تحديد أي مستقبل يُعد مشروعاً أو مرغوباً أو خطيراً أو قابلاً للإدارة.
ويعتبر الكاتب أن الصين تمثل النموذج الأكثر وضوحاً لهذا النوع من التنافس، إذ تشمل رواياتها الرسمية والفكرية عن المستقبل مفاهيم مثل النهضة الوطنية والحوكمة العالمية والمبادرات المستقبلية والطموح إلى التفوق التكنولوجي. وفي المقابل، تطرح اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان أيضاً تصوراتها الخاصة لمستقبل المنطقة، ما يجعل شرق آسيا ساحة تنافس بين رؤى متعددة للمستقبل تؤثر في نهاية المطاف على شكل النظام العالمي.
الزمن والعلاقات الدولية
يشير التحليل إلى أن دراسات العلاقات الدولية تعاملت تقليدياً مع الزمن باعتباره أمراً بديهياً، حيث تُفهم الأحداث ضمن تسلسل زمني محدد، فتبدأ الحروب وتنتهي، وتصعد الدول ثم تتراجع. لكن الأبحاث الحديثة ترى أن الزمن ليس مجرد خلفية للسياسة، بل عنصر أساسي في إنتاج القوة والنظام.
وبحسب هذه المقاربة، تفسر الدول الحاضر استناداً إلى الماضي وتتوقع المستقبل بناءً على ذلك. وما يهم ليس دقة هذه التوقعات بقدر تأثيرها على السلوك السياسي الراهن. وحتى الروايات المتخيلة عن المستقبل يمكن أن تؤثر في السلوك الاقتصادي والسياسي والمؤسساتي وتنسقه.
ولهذا السبب، تستند كثير من السياسات الحكومية إلى ادعاءات مرتبطة بالمستقبل. فبرامج التحديث العسكري تعتمد على توقع المخاطر القادمة، واستراتيجيات التنمية تعد بالتقدم، والسياسات المناخية تحذر من كوارث مستقبلية محتملة، فيما تستخدم روايات النهضة الوطنية الماضي لإضفاء الشرعية على سياسات الحاضر.
لكن القدرة على رسم المستقبل ليست موزعة بالتساوي بين الدول. فالدول الغنية والقوية تستطيع تصميم المستقبل الذي تريده وترسيخه مؤسسياً، بينما تواجه الدول الأضعف مستقبلاً أكثر تقييداً من حيث الخيارات والإمكانات. ومن ثم فإن سياسة المستقبل هي أيضاً سياسة تتعلق بعدم المساواة، حيث تحظى بعض التصورات المستقبلية بقدر أكبر من الشرعية والمصداقية مقارنة بغيرها.
لماذا شرق آسيا؟
ويعتبر الكاتب أن شرق آسيا من أكثر المناطق ملاءمة لدراسة الزمن السياسي واستشراف المستقبل، نظراً لأن تاريخها الحديث تشكل عبر مشاريع زمنية متعددة، بدءاً من الإقليمية الإمبراطورية والقومية المناهضة للاستعمار، مروراً بإعادة الإعمار بعد الحروب، والتنمية الاقتصادية، والثورات الاشتراكية وما بعد الاشتراكية، ووصولاً إلى النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة، والأزمات الديموغرافية، والتحديث التكنولوجي، والنزاعات المتعلقة بالسيادة والأراضي.
وتتعايش هذه المشاريع الزمنية أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى. فقد تشكلت المنطقة خلال العقود الماضية من خلال الإمبراطوريات والرأسمالية والهجرة والحروب والترتيبات الأمنية، الأمر الذي أفرز رؤى متعددة للمستقبل.
فالرؤية الصينية تقوم على النهضة الوطنية ومفهوم المصير المشترك، بينما تروج اليابان لفكرة منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، وتسعى كوريا الجنوبية إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي، في حين تركز تايوان على الحكم الذاتي الديمقراطي. وتبقى هذه الرؤى مترابطة ومتداخلة في ما بينها.
واستناداً إلى مفهوم «تعدد العقد» أو «النظام متعدد العقد»، فإن النظام العالمي لا يتكون فقط من عدد محدود من القوى الكبرى، بل من شبكة مترابطة من الفاعلين يؤثر كل منهم في الآخرين. وتعد شرق آسيا إحدى أهم العقد في هذه الشبكة، إذ تؤثر معايير التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والاستثمارات والتحالفات الأمنية والمنافسات الجيوسياسية في المنطقة على أوروبا وأفريقيا والأمريكيتين أيضاً.
ومن هذا المنطلق، فإن التنافس على المستقبل في شرق آسيا يمثل في جوهره تنافساً على النفوذ والشرعية داخل النظام الدولي.
الصين: النهضة الوطنية ومجتمع المصير المشترك
وتُعد الصين أوضح مثال على السعي لفرض سلطة زمنية. فمفهوم «الحلم الصيني» يرسم مستقبلاً تستعيد فيه الأمة الصينية مكانتها بعد فترة طويلة من الضعف التاريخي. ولا يقتصر هذا المفهوم على كونه شعاراً سياسياً، بل يشكل إطاراً لمناقشة موقع الصين في النظام الدولي ومستقبلها العالمي.
إلى جانب ذلك، يطرح مفهوم «مجتمع المصير المشترك للبشرية» تصوراً لنظام عالمي مستقبلي تُعرَّف فيه التنمية والأمن والسلام والتعاون وفق رؤية بكين، وهو ما يمثل تصوراً لشكل النظام العالمي المرغوب.
كما تستحضر الصين أحياناً مفهوم «تيانشيا» التاريخي، الذي يعني «كل ما تحت السماء»، وهو تصور لنظام عالمي تتمتع فيه الصين بموقع محوري. إلا أن العديد من الباحثين يرون أن هذه الأفكار لا تكتسب معناها الكامل إلا عندما ترتبط بوقائع العصر الحديث مثل الرأسمالية والقومية والمؤسسات الدولية.
وبصورة عامة، تقدم مفاهيم النهضة الوطنية ومجتمع المصير المشترك وتيانشيا روايات زمنية مختلفة تتمحور جميعها حول الدور الصيني.
اليابان وكوريا الجنوبية: رؤى مستقبلية منافسة
وتتبنى اليابان مقاربة مختلفة. فاستراتيجية «المحيطين الهندي والهادئ الحر والمفتوح» تمثل رداً على صعود الصين ومحاولة للحفاظ على النظام الإقليمي الذي تفضله طوكيو. ويرى بعض الباحثين أن هذه الاستراتيجية تشكل منافساً مباشراً للرؤية الصينية القائمة على مفهوم المصير المشترك.
وفي الوقت نفسه، تعتمد اليابان على إبراز التهديدات الأمنية المرتبطة بالصين من أجل إعداد الرأي العام والمؤسسات لمستقبل أكثر تعقيداً. وتكتسب روايات التهديد طابعاً زمنياً لأنها تتنبأ بالمخاطر المقبلة وتبرر التغييرات المطلوبة في الحاضر.
أما كوريا الجنوبية فتواجه وضعاً أكثر تعقيداً بسبب التهديد الكوري الشمالي واعتمادها الاقتصادي على الصين وتحالفها الأمني مع الولايات المتحدة وحساسياتها التاريخية تجاه اليابان. ولذلك تمثل سياستها الخارجية محاولة لإدارة رؤى مستقبلية متعارضة، وسط خيارات تتراوح بين الغموض الاستراتيجي وتعزيز التحالف مع واشنطن أو الحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى.
تايوان ومستقبل السيادة
وتُعد تايوان مثالاً بارزاً على العلاقة بين السياسة والزمن، إذ لا تزال قضية سيادتها تمثل نزاعاً تاريخياً وسياسياً لم يُحسم بعد.
ولا تتعلق القضية فقط بالأرض أو الردع أو الاعتراف الدبلوماسي، بل أيضاً بطريقة فهم الزمن السياسي نفسه. فهناك من ينظر إليها باعتبارها امتداداً لحرب أهلية لم تنتهِ بعد وجزءاً من مشروع النهضة الوطنية الصينية، بينما يراها آخرون تعبيراً عن حق تقرير المصير الديمقراطي أو السيادة الذاتية أو الغموض الاستراتيجي الدائم.
ويرى الكاتب أن كل تصور من هذه التصورات ينتج واقعاً سياسياً مختلفاً في الحاضر.
فمن منظور بكين، تمثل الوحدة مع تايوان جزءاً من استكمال مشروع النهضة الوطنية وإنهاء مرحلة تاريخية غير مكتملة. أما من منظور تايوان، فيرتكز المستقبل على الحكم الذاتي السياسي والديمقراطية والحفاظ على الوضع القائم.
وعليه، فإن قضية تايوان ليست مجرد نزاع جيوسياسي، بل منافسة بين رؤيتين مختلفتين للمستقبل، تتمحور حول أي منهما يستطيع تقديم مستقبل أكثر إقناعاً وشرعية لسكان الجزيرة.
انعكاسات على العلاقات الدولية
ويخلص التحليل إلى أن التركيز على «مستقبلات شرق آسيا» يقود إلى أربع نتائج رئيسية في دراسة العلاقات الدولية.
أولاً، ينقل الاهتمام من التنبؤ بالمستقبل إلى فهم كيفية صناعته، إذ تكمن الأهمية في تأثير الروايات المستقبلية على قرارات الحاضر أكثر من تحققها الفعلي.
ثانياً، يوضح أن النظام العالمي يتشكل من خلال التنافس بين الرؤى المستقبلية قبل أن يستقر نهائياً، حيث تحدد هذه الرؤى القواعد والتسلسلات الهرمية التي تُعد مشروعة.
ثالثاً، يؤكد أن تحليل شرق آسيا لا ينبغي اختزاله في صعود الصين أو التنافس الصيني الأمريكي، لأن اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان تمتلك أيضاً مشاريعها ورواياتها الخاصة بشأن المستقبل.
رابعاً، يبين أن مستقبلات شرق آسيا ليست شأناً إقليمياً فحسب، بل تؤثر في الأمن والاقتصاد والسياسة على مستوى العالم، وتعيد توزيع مستويات المخاطر والفرص وحالات عدم اليقين داخل النظام الدولي.
ويخلص الكاتب إلى أن التنافس على المستقبل في شرق آسيا يمثل في جوهره جزءاً من الصراع الأوسع على شكل النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.



