الصحافة الإيرانية: هل يمثل إعلان نهاية الحرب في إيران بداية مرحلة أصعب من الحرب نفسها؟
يُعد الاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة ضربة كبيرة للهدف الاستراتيجي الإسرائيلي المتمثل في "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" وفرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة عبر إضعاف إيران أو تفكيكها.
ميدل ايست نيوز: عبر التاريخ تُعد لحظة الإعلان الرسمي عن انتهاء الحرب أكثر اللحظات مدعاة للفرح بالنسبة للشعوب التي أنهكتها الحروب. هذه اللحظة التي وصلت أخيراً إلى الشعب الإيراني تمثل في الوقت نفسه نقطة تحول مهمة وبداية مرحلة أخرى لا تقل صعوبة.
يقول الدبلوماسي الإيراني السابق، كوروش أحمدي، في مقال لصحيفة شرق، إنه خلال المرحلة الماضية، لم تحصد الولايات المتحدة وإسرائيل من حربهما العدوانية وغير القانونية ضد إيران سوى الفشل. وقد أثبت هذا الفشل ووصول الحرب إلى طريق مسدود أن مثل هذه الحروب لم تكن يوماً حلاً ولن تكون، وهو ما قد يشكل مؤشراً إيجابياً على عدم تكرارها مستقبلاً.
يتمثل الهدف الرئيسي للتفاهم الذي تم التوصل إليه بين إيران والولايات المتحدة في توفير فرصة لإجراء المفاوضات الأساسية. أما نص التفاهم، الذي لم يُنشر بعد، فيبدو أنه يقتصر على تفاهمات تتعلق بملفات ملحة، من بينها إنهاء الحرب على جميع الجبهات، وإعادة فتح مضيق هرمز بالتزامن مع رفع الحصار الاقتصادي، فضلاً عن بعض الامتيازات الاقتصادية لإيران.
وكما كان واضحاً مسبقاً خلافاً لبعض التوقعات، لم تُجر أي مفاوضات حتى الآن بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني أو ما يعرف بمحور المقاومة، كما أن هذه الملفات ليست مطروحة على جدول الأعمال.
وتواجه إيران اليوم مسارين أساسيين وشديدي الصعوبة. الأول يتمثل في إنجاح المفاوضات الرئيسية مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي ورفع جميع العقوبات، وهو أمر بالغ التعقيد. إلا أن المهمة الثانية، المتمثلة في إعادة إعمار ما خلفته الحرب ووضع البلاد على مسار التنمية الاقتصادية، قد تكون أكثر صعوبة.
ولن تكون المفاوضات سهلة لسببين رئيسيين:
أولاً، سيحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أقصى حد ممكن أن يكون مخرج المفاوضات أوسع من الاتفاق النووي السابق، ولذلك سيصر على وقف التخصيب داخل إيران وتسوية ملف مخزون اليورانيوم المخصب.
ففي الاتفاق النووي، استندت إدارة باراك أوباما إلى مبدأ “فترة الاختراق النووي” البالغة عاماً واحداً، أي أن إيران، إذا قررت تصنيع سلاح نووي، تحتاج إلى سنة كاملة على الأقل لتوفير اليورانيوم المخصب بنسبة 90% اللازمة لذلك. ولهذا السبب تم تحديد سقف 300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.67%، وسقف 5050 جهاز طرد مركزي من الجيل الأول، إلى جانب قيود أخرى.
أما اليوم، فتُقدّر فترة الاختراق النووي الإيرانية بنحو أسبوعين فقط، ما يعني أنه حتى في حال كان الهدف مجرد اتفاق مشابه للاتفاق النووي السابق، فإن الطريق لا يزال يتطلب الكثير من الإجراءات والتفاهمات.
ثانياً، هناك طرف ثالث يوصف بأنه عامل تخريبي يسعى بإصرار إلى عرقلة المفاوضات، وهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فخلال مفاوضات الاتفاق النووي بذل نتنياهو أقصى ما يستطيع لإفشال المسار التفاوضي، إلى درجة أنه ألقى في 15 مارس 2015 خطاباً أمام الكونغرس الأمريكي بدعوة من الأغلبية الجمهورية، مهاجماً إدارة أوباما، ثم عاد إلى إسرائيل من دون التنسيق مع المسؤولين الأمريكيين.
ويُعد الاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة ضربة كبيرة للهدف الاستراتيجي الإسرائيلي المتمثل في “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” وفرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة عبر إضعاف إيران أو تفكيكها.
كما أن هذا الاتفاق يمثل، بالنسبة لنتنياهو، هزيمة شخصية أيضاً. فهو يواجه انتقادات داخلية متزايدة قبل الانتخابات الإسرائيلية بسبب فشله في تحقيق أهدافه تجاه إيران، وعجزه عن التأثير في إدارة ترامب، فضلاً عن تحميله مسؤولية إلحاق ضرر بصورة إسرائيل في الرأي العام الأمريكي والعالمي.
ولا يقتصر خطر خسارته للانتخابات على فقدان السلطة، بل قد يواجه أيضاً السجن والفضائح المرتبطة بملفات الفساد التي تلاحقه. ولذلك، وباعتباره لا يملك الكثير ليخسره، فمن المتوقع ألا يدخر جهداً في محاولة تخريب المفاوضات، خصوصاً أن التفاهم الإيراني الأمريكي، الذي لم يُعلن نصه بعد، يتضمن تأكيداً على وقف الحرب في جميع الجبهات، وهو ما قد يفتح الباب أمام أدوار إسرائيلية لعرقلة هذا المسار.
ورغم هذه العقبات، فإن ما يمكن أن يسهل مهمة إيران في المفاوضات المقبلة هو ألا يقتصر هدفها على التوصل إلى اتفاق محدود بشأن التخصيب ورفع العقوبات النووية.
حان الوقت لكي ترفع مؤسسات الدولة أهدافاً أكثر طموحاً إلى رأس أولوياتها، وفي مقدمتها تحقيق التنمية المستدامة وتحسين مستوى معيشة المواطنين؛ وهي أهداف ظلت لعقود طويلة رهينة الحروب والتوترات في السياسة الخارجية والعقوبات الاقتصادية.
وإذا ما أريد لهذه المفاوضات أن تُسجل في التاريخ باعتبارها نجاحاً لإيران، فلا ينبغي أن تقتصر على حل الملف النووي والعقوبات، بل يجب أن تسهم أيضاً في إزالة العقبات التي تعرقل التنمية المستدامة للبلاد.
ولتحقيق ذلك، ينبغي تنظيم المفاوضات بطريقة تسمح بمعالجة شاملة للخلافات القائمة مع الولايات المتحدة وأوروبا، بما يتيح توجيه طاقات البلاد نحو القضايا الداخلية والتنمية الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية.
كما يتعين على المفاوضين أخذ مجموعة واسعة من مشكلات السياسة الخارجية المتراكمة على مدى عقود في الحسبان، والعمل على صياغة سياسة خارجية متوازنة تقوم في آن واحد على تطوير العلاقات مع الشرق والغرب، ومع الشمال والجنوب، بما يخدم المصالح الوطنية ويعزز فرص التنمية والاستقرار.



