من سيمول صندوق إعادة إعمار إيران البالغ 300 مليار دولار؟
تنص الاتفاقية الأولية التي أبرمتها إدارة ترامب مع طهران على إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، وهو صندوق لم تتضح بعد مصادر تمويله بشكل دقيق أو القيود التي ستُفرض على آليات إنفاقه.

ميدل ايست نيوز: يُعد الصندوق المقترح بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران أحد أكثر بنود التفاهم الأولي بين طهران وواشنطن أهمية وغموضاً. وتقول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن هذه الموارد ستُموَّل من استثمارات الدول العربية ومستثمرين أجانب آخرين، ولن يتحمل دافعو الضرائب الأمريكيون أي تكاليف. لكن جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة جو بايدن، يحذر من أن نص مذكرة التفاهم لا يستبعد صراحةً المشاركة المالية الأمريكية، وأن واشنطن قد تجد نفسها في نهاية المطاف مسؤولة عن تنفيذ هذا الالتزام إذا امتنعت الدول الأخرى عن توفير الأموال.
وتنص الاتفاقية الأولية التي أبرمتها إدارة ترامب مع طهران على إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، وهو صندوق لم تتضح بعد مصادر تمويله بشكل دقيق أو القيود التي ستُفرض على آليات إنفاقه.
وقال جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إن الدول العربية ومستثمرين أجانب آخرين مهتمون بالاستثمار في إيران، شريطة أن تتبنى طهران «سلوكاً مناسباً». كما اقترح الوسطاء القطريون تخصيص جزء من الأموال الإيرانية المفرج عنها لشراء منتجات زراعية أمريكية مثل فول الصويا والذرة والقمح.
إلا أن جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق الذي لعب دوراً في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015، وصف هذه الآلية في مقابلة مع ميشيل مارتن في برنامج «مورنينغ إديشن» الذي تبثه الإذاعة الوطنية الأمريكية «إن بي آر»، بأنها «أمر جديد بالكامل».
وقال إن الاتفاق النووي السابق لم يتضمن أي تحويلات مالية أمريكية إلى إيران، بل اقتصر على إتاحة وصول طهران إلى أموالها وأصولها المجمدة، في حين يتضمن الاتفاق الجديد التزاماً بالمساعدة في تأمين 300 مليار دولار من الموارد الخارجية لإيران.
هذا التمويل لم يكن موجوداً في الاتفاق النووي
وأوضح سوليفان، في معرض حديثه عن الفارق بين صندوق إعادة الإعمار والاتفاق النووي الذي أُبرم خلال إدارة باراك أوباما، قائلاً: «الولايات المتحدة لم تدفع أموالاً أمريكية إلى إيران بموجب الاتفاق النووي، بل جرى تخفيف جزء من العقوبات بما سمح لإيران ببيع النفط أو الوصول إلى أصولها المجمدة في البنوك الأجنبية».
وأكد أن رفع العقوبات في اتفاق عام 2015 جاء بعد تنفيذ إيران لالتزاماتها النووية، مضيفاً: «تم ذلك بعد أن نفذت إيران تعهداتها النووية وسمحت للمفتشين بالدخول وقلّصت مخزونها النووي إلى جزء صغير من مستواه السابق. لذلك كانت تلك الأموال ملكاً لإيران وليست أموالاً أمريكية».
وبحسب سوليفان، فإن الصندوق المقترح من إدارة ترامب يختلف من حيث الطبيعة والآلية، قائلاً: «لم يكن هناك أي حديث في الاتفاق النووي عن تخصيص 300 مليار دولار من الموارد الخارجية لإعادة إعمار إيران أو عن شيء يشبه عملياً تعويضات الحرب».
هل تضمن الولايات المتحدة دفع 300 مليار دولار؟
وقال سوليفان إن قراءته لنص مذكرة التفاهم تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تعهدت بمساعدة إيران في الحصول على هذا المبلغ، في حين لا تزال مصادر التمويل غير واضحة.
وأضاف: «قدمت الولايات المتحدة التزاماً قوياً يهدف إلى ضمان حصول إيران على هذه الأموال. ومن المفترض أن يأتي التمويل من خارج إيران، لكن المصدر الدقيق لم يُحدد حتى الآن».
وأشار مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق إلى أن المذكرة لا تتضمن بنداً يمنع بشكل صريح مساهمة واشنطن بجزء من هذه الأموال، قائلاً: «يؤكد ترامب أن الولايات المتحدة لن تدفع أموالاً، لكن إيران تتوقع الحصول على 300 مليار دولار من مصادر خارجية، فيما ضمنت الولايات المتحدة توفير هذا التمويل. وهذا الأمر لم يكن موجوداً إطلاقاً في اتفاق أوباما».
ماذا لو لم تدفع الدول العربية؟
وكان جيه دي فانس قد أكد أن الدول العربية وحكومات أخرى تبدي اهتماماً كبيراً بالاستثمار في إيران، إلا أن سوليفان أبدى شكوكه بشأن تحقق هذه الوعود.
وقال إن الهجمات الإيرانية على بعض دول المنطقة، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالفساد وبيئة الاستثمار، قد تدفع الحكومات والمستثمرين إلى التردد في دخول السوق الإيرانية.
وأضاف: «أعتقد أن هناك قدراً كبيراً من التردد، سواء بسبب السياسات الإقليمية الهجومية لإيران أو بسبب سجل الفساد واختفاء الاستثمارات داخل البلاد».
وحذر سوليفان من أن الولايات المتحدة قد تتحمل المسؤولية إذا اعتبرت إيران الحصول على مبلغ 300 مليار دولار شرطاً لاستمرار الاتفاق، بينما ترفض الدول الأخرى أو القطاع الخاص توفير التمويل.
وقال: «إذا أكدت الولايات المتحدة أن إيران تحتاج إلى الحصول على هذا المبلغ من أجل استمرار الاتفاق، لكن الدول الأخرى أو القطاع الخاص لم يتحركوا لتوفيره، فإن واشنطن ستكون قد تحملت هذا الالتزام بشكل أو بآخر».
ودعا الكونغرس إلى إقرار قانون يمنع استخدام الأموال العامة الأمريكية في تمويل هذا الصندوق، قائلاً: «آمل أن يعلن الكونغرس، بدعم من الحزبين، عدم تخصيص أي أموال أمريكية لهذا الصندوق».
هل ستنفق إيران الأموال على شراء القمح وفول الصويا؟
وقال نائب الرئيس الأمريكي إن جزءاً من الأموال المفرج عنها يمكن استخدامه لشراء المنتجات الزراعية الأمريكية، وهو ما قد يعزز مبيعات القمح والذرة وفول الصويا التي ينتجها المزارعون الأمريكيون.
لكن سوليفان أكد أن نص الاتفاق لا يفرض أي التزام بهذا الشأن، مضيفاً: «من الناحية النظرية قد يُنفق جزء من الأموال على شراء منتجات أمريكية، لكن ذلك يبدو أقرب إلى محاولة تجميل وضع غير مرغوب فيه».
وأضاف: «لا توجد في نص الاتفاق أي قيود على كيفية استخدام إيران لهذه الأموال، إذ يمكنها شراء سلع من دول أخرى أو حتى استخدام هذه الموارد لإعادة بناء قدراتها العسكرية».
ويرى سوليفان أن إدارة ترامب تحاول، من خلال تسليط الضوء على احتمال شراء المنتجات الزراعية الأمريكية، جعل الاتفاق أكثر قبولاً لدى قاعدتها الداخلية.
انتقادات لضعف الالتزامات النووية
وفي جزء آخر من المقابلة، قارن مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق بين التفاهم الأولي لإدارة ترامب والاتفاق النووي لعام 2015، معتبراً أن الوثيقة الجديدة لا تفرض حتى الآن قيوداً واضحة على البرنامج النووي الإيراني.
وقال: «لا يتضمن هذا التفاهم أي التزام محدد من جانب إيران بخفض الأنشطة النووية أو وضع سقف لها، إذ أُحيلت جميع هذه القضايا إلى المفاوضات المقبلة».
وأشار سوليفان إلى أن التفاهم الجديد لا يتجاوز صفحتين، في حين بلغ الاتفاق النووي 159 صفحة تضمنت تفاصيل القيود النووية وآليات المراقبة والتحقق.
وحدد ثلاثة اختلافات رئيسية، تتمثل في غياب التزام واضح بخفض الأنشطة النووية، والسماح لإيران بالاحتفاظ بمخزون اليورانيوم المخصب داخل البلاد، وعدم وضوح آليات التفتيش على المنشآت النووية.
وقال: «بموجب اتفاق أوباما، كان يتعين على إيران نقل 97 في المئة من مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج، أما في الوثيقة الجديدة فيمكنها الاحتفاظ بهذه المواد داخل البلاد».
وأضاف: «كان الاتفاق النووي يتضمن قواعد دقيقة للمراقبة والتحقق والتفتيش على المنشآت النووية الإيرانية، بينما جرى تأجيل جميع هذه القضايا في الاتفاق الجديد».
التوصل إلى اتفاق شامل خلال 60 يوماً شبه مستحيل
وتحدد مذكرة التفاهم مهلة مدتها 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي، إلا أن سوليفان اعتبر هذه المدة غير كافية لمعالجة جميع الخلافات المتعلقة بالملف النووي.
وأشار إلى تجربة الاتفاق النووي قائلاً: «توصلنا إلى إطار مؤقت في خريف عام 2013، لكن الأمر استغرق قرابة عامين إضافيين للتوصل إلى الاتفاق النهائي».
وأضاف: «الاعتقاد بإمكانية إنجاز جميع بنود اتفاق نووي خلال ستين يوماً يكاد يكون مستحيلاً، وسيضطر الطرفان إلى تمديد هذه المهلة لفترة طويلة نسبياً».
ورداً على سؤال بشأن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي، قال: «لا، فهناك احتمال كبير بأن يستمر الوضع الحالي لفترة طويلة».
صندوق بأموال مجهولة والتزامات غامضة
وتشير تصريحات جيك سوليفان إلى أن الإشكالية المتعلقة بصندوق الـ300 مليار دولار لا تقتصر على حجمه المالي فحسب، بل تشمل أيضاً غموض مصادر التمويل، وآليات الاستثمار، والجهة التي ستتحمل مسؤولية سد أي عجز محتمل.
وفي حين تؤكد إدارة ترامب أن دول المنطقة والمستثمرين الأجانب سيتكفلون بتمويل إعادة إعمار إيران، يحذر سوليفان من أن نص مذكرة التفاهم يضع الولايات المتحدة عملياً في موقع الضامن.
وبذلك يبقى السؤال الأهم دون إجابة: إذا امتنعت الدول العربية والقطاع الخاص عن توفير 300 مليار دولار، فهل ستضطر الولايات المتحدة إلى البحث عن وسائل أخرى لتأمين هذه الأموال من أجل الحفاظ على الاتفاق؟



