ماذا فعل الزلزال الفنزويلي بمشاريع الإسكان الإيرانية؟

تقع بعض المشاريع الإيرانية في سان فيليبي بولاية ياراكوي ولوس غوايوس بولاية كارابوبو، وهما من الولايات التي وقع فيها الزلزال أو سُجلت فيها أضرار، إلا أن الدمار الأكبر وقع في لاغوايرا وكاراكاس، حيث لا توجد المشاريع الإيرانية الرئيسية المعروفة.

ميدل ايست نيوز: أكد أستاذ في علم الزلازل أن أسباب الدمار الواسع الذي شهدته العاصمة الفنزويلية كاراكاس عقب الزلزال تعود إلى ضعف متانة المباني وحدوث زلزالين متتاليين وتهالك البنية التحتية. كما استعرض آخر مستجدات مشاريع الإسكان التي نفذتها شركات إيرانية في فنزويلا.

وأعاد وقوع زلزالين بقوة 7.2 و7.5 درجات على مقياس ريختر بالقرب من كاراكاس، تزامناً مع إقامة مباراة كرة القدم بين البرازيل واسكتلندا، إلى أذهان كثير من الإيرانيين ذكرى غريبة، إذ وقع زلزال منجيل ورودبار المدمر قبل 36 عاماً بالتزامن مع مواجهة المنتخبين نفسيهما في كأس العالم 1990.

وأثار هذا التزامن تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحدث بعض المستخدمين عن “تكرار حدث غريب”، ووصل الأمر بالبعض إلى ربطه بالخرافات والسحر.

وبالتوازي مع هذه التكهنات، برز سؤال آخر يتعلق بمصير المباني التي شيدتها الشركات الإيرانية في فنزويلا خلال السنوات الماضية، ومدى تأثرها بهذا الزلزال العنيف.

أبرز المشاريع الإيرانية في فنزويلا

بدأ التعاون بين إيران وفنزويلا في قطاع الإسكان خلال عهد الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز والرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد. وفي إطار برنامج “المهمة الكبرى للإسكان في فنزويلا” (Gran Misión Vivienda)، تولت شركات إيرانية تنفيذ آلاف المنشآت السكنية في مناطق مختلفة من البلاد.

وأطلق هوغو تشافيز هذا البرنامج الاجتماعي عام 2011 عقب تفاقم أزمة السكن والفيضانات التي شردت عشرات الآلاف من السكان، بهدف توفير مساكن منخفضة التكلفة للأسر محدودة الدخل، واستعانت الحكومة الفنزويلية بمقاولين من إيران والصين وروسيا وبيلاروس ودول أخرى لتسريع تنفيذ المشروع.

وفي معظم هذه العقود، كانت الحكومة الفنزويلية هي الجهة المالكة للمشروع والممولة له، بينما تولت الشركات الإيرانية دور المقاول ومقدم الخدمات الفنية والهندسية، ولذلك، وعلى خلاف ما يتردد أحياناً، فإن هذه المساكن لم تُبن جميعها بتمويل من الحكومة الإيرانية، رغم أن العلاقات السياسية بين البلدين ودعم المؤسسات الإيرانية ساهما في دخول الشركات الإيرانية إلى السوق الفنزويلية.

“كيسون”.. المنفذ الرئيسي لمدينة هوغو تشافيز

كانت شركة “كيسون” الخاصة أبرز الشركات الإيرانية المشاركة في مشاريع الإسكان في فنزويلا، إذ تولت في البداية تنفيذ نحو 10 آلاف شقة سكنية في مناطق مختلفة، واعتمدت في البناء على الخرسانة المسلحة المصبوبة في الموقع، وهي طريقة إنشائية صناعية تتيح تنفيذ منشآت متشابهة بسرعة كبيرة.

وبعد إنجاز المشروع الأول، حصلت الشركة على عقد جديد لبناء 10 آلاف و8 منشآت سكنية في ولايات كارابوبو ولارا وياراكوي، بقيمة تجاوزت مليار دولار، وكان من المقرر إنجاز المشروع خلال نحو 18 شهراً، ليستوعب قرابة 45 ألف شخص.

ومن أشهر مشاريع الشركة مجمع سكني عُرف لاحقاً باسم “مدينة هوغو تشافيز”، الذي أُقيم في وسط فنزويلا، وكان من المخطط أن تصل طاقته الاستيعابية إلى نحو 15 ألف شقة سكنية بعد استكمال جميع مراحله. وافتُتحت مراحله الأولى بعد وفاة تشافيز خلال فترة رئاسة نيكولاس مادورو.

مدينة فابريسيو أوخيدا

ويعد مشروع “فابريسيو أوخيدا” مشروعاً آخر كثيراً ما يُنسب خطأً إلى شركة “كيسون”، في حين أن الجهة المنفذة له كانت “الشركة الدولية للإسكان الإيرانية” (IIHC)، التابعة لمجموعة “استراتوس” الصناعية.

ووقع عقد المرحلة الأولى من المشروع عام 2007 بين الشركة الإيرانية وإحدى الشركات التابعة لمؤسسة النفط الوطنية الفنزويلية، وأُنشئت المدينة في ولاية زوليا بالقرب من بحيرة ماراكايبو بهدف نقل الأسر التي كانت تعيش في مناطق معرضة للهبوط الأرضي والفيضانات.

ولم يقتصر المشروع على تشييد الشقق السكنية، بل شمل أيضاً مدارس ومراكز صحية ومساحات خضراء ومراكز خدمية ومراكز شرطة ومرافق رياضية وبنية تحتية حضرية، فيما تجاوز العدد المخطط للوحدات السكنية سبعة آلاف شقة.

ومن أبرز المشكلات التي واجهت المشاريع الإيرانية التأخير الطويل في إنجاز بعضها، إذ لم يكتمل مشروع “فابريسيو أوخيدا”، الذي بدأ تنفيذه عام 2008، حتى بعد مرور عقد كامل على انطلاقه. كما أشارت تقارير محلية لاحقة إلى توقف أجزاء من المشروع لسنوات، ولم يتم تسليم أول دفعة فعلية من الوحدات إلا عام 2013، فيما بلغ عدد الوحدات المأهولة بحلول عام 2015 نحو ألفي شقة فقط، رغم أن الطاقة الاستيعابية للمشروع تجاوزت سبعة آلاف شقة.

هل انهارت المنازل التي بنتها الشركات الإيرانية؟

يقع المشروع الأول لشركة “كيسون” في أربع مدن بوسط وشرق فنزويلا، هي ماتورين في ولاية موناغاس، وأكاريغوا في ولاية بورتوغيسا، وسان كارلوس في ولاية كوخيديس، وكالابوزو في ولاية غوايريكو.

أما المشروع الثاني للشركة فيقع في ثلاث مناطق أقرب إلى شمال وسط البلاد، وتشمل منطقة يوكاتان في ولاية لارا، ومدينة سان فيليبي في ولاية ياراكوي، ومنطقة لوس غوايوس في ولاية كارابوبو.

ويقع مشروع “فابريسيو أوخيدا” أو “نويفا أوخيدا” في منطقة إل مينيتو التابعة لبلدية لاغونياس بولاية زوليا.

أما مجمع “مدينة هوغو تشافيز” فيقع جنوب مدينة فالنسيا، مركز ولاية كارابوبو، ويضم أجزاءً من أحياء رافائيل أوردانيتا وميغيل بينيا وسانتا روزا.

وحتى إعداد هذا التقرير، لم تصدر أي وثائق أو تقارير رسمية تربط الأبراج التي انهارت في الزلزال الأخير بالمشاريع التي نفذتها الشركات الإيرانية.

ووقع الزلزالان بقوة 7.2 و7.5 درجات بفاصل زمني بلغ 39 ثانية في شمال وسط فنزويلا ضمن نطاق ولاية ياراكوي غرب كاراكاس، فيما سجلت أكبر الأضرار حتى الآن في منطقتين رئيسيتين هما ولاية لاغوايرا الساحلية وشرق ووسط العاصمة كاراكاس.

وسجلت ولاية لاغوايرا، شمال كاراكاس، أكبر حجم من الدمار، حيث انهارت عشرات المباني أو تعرضت لأضرار جسيمة في منطقتي لوس كوراليس وكارابايدا، كما تعرض مطار سيمون بوليفار لأضرار إنشائية أدت إلى تعطيل نشاطه.

وسُجلت أضرار أيضاً في ولاية كارابوبو، ونشرت وكالة رويترز صوراً تظهر تضرر منازل في مدينة فالنسيا، كما وردت تقارير عن أضرار في ناغواناغوا والمناطق المحيطة بفالنسيا. وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة لأن بعض المشاريع الإيرانية، ومنها مشروع لوس غوايوس ومشاريع جنوب فالنسيا، تقع في هذه الولاية، إلا أنه لم يصدر حتى الآن أي تقرير رسمي يربط انهيار أي مبنى من هذه المباني بالمشاريع الإيرانية.

كما تعرض مشروع يحمل اسم “هوغو تشافيز” في لاغوايرا لأضرار خلال الزلزال، إلا أن التحقيقات أظهرت أنه لا يتعلق بالمشروع السكني الإيراني الواقع في ولاية كارابوبو، إذ توجد عدة مجمعات سكنية في فنزويلا تحمل اسم هوغو تشافيز، ما قد يؤدي إلى حدوث التباس.

جغرافياً، تقع بعض المشاريع الإيرانية في سان فيليبي بولاية ياراكوي ولوس غوايوس بولاية كارابوبو، وهما من الولايات التي وقع فيها الزلزال أو سُجلت فيها أضرار، إلا أن الدمار الأكبر وقع في لاغوايرا وكاراكاس، حيث لا توجد المشاريع الإيرانية الرئيسية المعروفة.

وقال مهدي زارع، أستاذ المعهد الدولي لبحوث الزلازل، في حديث لموقع رويداد 24، إن التقديرات الأولية تشير إلى أن معظم المباني التي انهارت في الأحياء المركزية والراقية في كاراكاس شُيدت قبل سنوات طويلة من دخول الشركات الإيرانية إلى فنزويلا، ونفذها مقاولون محليون أو غربيون.

وأكد أيضاً أنه، استناداً إلى المعلومات المتاحة، لا يمكن حتى الآن ربط أي من المباني المنهارة في الزلزال الأخير بمشاريع الإسكان الإيرانية في فنزويلا، مشيراً إلى أن تحديد وضع هذه المجمعات بدقة يتطلب صدور تقارير رسمية من الحكومة الفنزويلية والشركات المنفذة والجهات المختصة بعمليات الإنقاذ.

لماذا تعرضت كاراكاس لهذا الحجم من الدمار؟

ورفض مهدي زارع أي علاقة بين توقيت وقوع الزلزال ومباراة كرة القدم، موضحاً الأسباب العلمية للدمار الواسع الذي خلفه الزلزال.

وقال إن زلزالين قويين بلغت شدتهما 7.2 و7.5 درجات وقعا بفاصل 39 ثانية فقط، حيث تسبب الزلزال الأول في تشقق المباني وإضعافها، بينما وجه الزلزال الثاني الضربة الحاسمة إلى الهياكل المتضررة، ما أدى إلى انهيارات متسلسلة.

وأضاف أن ضحالة بؤرة الزلزال، التي كانت على عمق نحو 10 كيلومترات، أدت إلى انتقال مباشر للطاقة الزلزالية إلى المباني، كما أن الأزمة الاقتصادية الممتدة في فنزويلا أسهمت في تراجع الاستثمارات المخصصة لتدعيم الأبنية وضعف تطبيق معايير البناء.

وأشار أستاذ علم الزلازل إلى أن نسبة كبيرة من المنازل في ضواحي كاراكاس والمناطق المحيطة بها بُنيت بطريقة غير هندسية وعلى منحدرات شديدة الانحدار، وهو ما زاد من قابليتها للتضرر جراء الاهتزازات والانهيارات الأرضية.

أي المباني تعرضت لأكبر الأضرار؟

وقال زارع إن أكبر الأضرار سُجلت في ولاية لاغوايرا بالقرب من المطار، وكذلك في الأحياء الوسطى والشرقية من كاراكاس، بما في ذلك منطقتا ألتاميرا ولوس بالوس غرانديس.

وأضاف أن برجاً سكنياً مكوناً من 22 طابقاً في ألتاميرا انهار بالكامل، كما تعرض مجمع سكني من 14 طابقاً لأضرار جسيمة.

وأوضح أيضاً أن المباني التي تحتوي على “طابق رخو” ــ وهي المباني التي تضم مواقف سيارات أو محال تجارية في الطابق الأرضي وتفتقر إلى الجدران القصية الكافية ــ لم تتمكن من مقاومة القوى الجانبية الناجمة عن الزلزال.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى