الصحافة الإيرانية: أرمينيا على طريق الفرص أم المخاطرة؟

بالنسبة لإيران، لا يمثل جنوب القوقاز مجرد حدود جغرافية، بل يشكل حلقة محورية في مجالات النقل والطاقة والاتصالات، يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط أو زيادتها.

ميدل ايست نيوز: يشهد جنوب القوقاز فراغاً في موازين القوى التقليدية، بعدما تراجع الحضور الروسي وفشلت إيران في طرح رؤية هيكلية لدورها في المنطقة، في وقت تحركت فيه الولايات المتحدة وفق توقيت محسوب ووقعت معاهدة شراكة استراتيجية مع أرمينيا، لتضعها أمام خيار تاريخي بين مواصلة الاعتماد على موسكو أو الانخراط في المنظومة الغربية.

تقول صحیفة شرق الإيرانية في تقرير، إن توقيع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على الاتفاق جاء قبل 12 يوماً فقط من الانتخابات البرلمانية في أرمينيا، في خطوة تهدف إلى ترجيح الكفة لصالح واشنطن. وكانت يريفان قد أقرت سابقاً قانوناً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وعلقت مشاركتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا، لكنها ما تزال تعتمد على الغاز الروسي المدعوم بسعر 177.5 دولاراً. ويضع الاتفاق أرمينيا أمام مسارين؛ إما استمرار الارتباط بروسيا أو الاندماج في البنية الغربية، فيما يمنح توقيت التوقيع بعداً سياسياً إضافياً لهذا الخيار.

ويحول الاتفاق أرمينيا إلى نقطة ارتكاز في الشبكة الأمريكية الجديدة في جنوب القوقاز، إذ تسعى واشنطن إلى ربط المنطقة بسلسلة تمتد من البحر المتوسط إلى شمال إيران ضمن ما بات يعرف بـ”مسار ترامب”، وهو مشروع يهدف إلى تقليص الدور الحصري للقوى التقليدية في المنطقة.

وبالنسبة لإيران، لا يمثل جنوب القوقاز مجرد حدود جغرافية، بل يشكل حلقة محورية في مجالات النقل والطاقة والاتصالات، يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط أو زيادتها. ولا يقتصر الاتفاق الأمريكي الأرميني على التعاون الأمني، بل يشمل أيضاً الطاقة النووية، والمفاعلات النووية الصغيرة، والمعادن الحيوية، والتقنيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وقطاع الفضاء، إضافة إلى مشاركة أرمينيا في برنامج “أرتميس” وقاعدة وكالة “ناسا” القمرية، بما يعكس دمجها في منظومة التكنولوجيا الغربية والاقتصاد القائم على المعرفة.

وتبرز أهمية “مسار ترامب” بوصفه أحد أكثر بنود الاتفاق حساسية، وهو ممر بطول 42 كيلومتراً في إقليم سيونيك يربط أذربيجان بجمهورية نخجوان ثم تركيا، ليشكل محوراً يصل أوروبا بآسيا من دون المرور بإيران أو روسيا.

وتولت إدارة المشروع شركة تنمية تمتلك الولايات المتحدة 74% من أسهمها، مقابل 26% لأرمينيا، لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد خمسين عاماً إضافية، مع إمكانية رفع حصة أرمينيا إلى 49%.

ومن شأن تشغيل هذا الممر أن يقلص حركة النقل عبر الممر الذي يربط باكو بنخجوان مروراً بالأراضي الإيرانية، ويخفض الوزن الترانزيتي لإيران، بالتوازي مع تعزيز ممري زنغزور-جورجيا-أوروبا وباكو-نخجوان-تركيا.

وفي الوقت نفسه، تسعى أرمينيا إلى استقطاب مستثمرين من كازاخستان ودول الخليج بهدف تقليل اعتمادها على أي شريك دولي واحد، في إطار سياسة تقوم على تنويع الشراكات.

ولا يتعارض الاتفاق، من الناحية المباشرة، مع المصالح الاستراتيجية الإيرانية، لكنه يعيد رسم توازنات المنطقة ويفرض على طهران إعادة صياغة مقاربتها. فمن شأن الدعم الأمريكي أن يقلص الحاجة الأمنية الأرمينية إلى إيران، إلا أن اعتماد يريفان على الغاز والكهرباء الإيرانيين، إلى جانب ممر الشمال-الجنوب، يبقيان عنصرين جغرافيين يصعب تجاوزهـما، ما يعني أن نفوذ إيران قد يتراجع لكنه لن يختفي.

وفي المقابل، تمتلك الولايات المتحدة اتفاقاً شاملاً مع أرمينيا، بينما تفتقر إيران إلى إطار مماثل، وهو فارق قد يدفع يريفان إلى الاقتراب أكثر من واشنطن، مع إدراكها أن الارتهان الكامل لقوة واحدة يتعارض مع استراتيجيتها القائمة على تعدد الشركاء.

أما بالنسبة لروسيا، فيمثل الاتفاق امتداداً لابتعاد أرمينيا التدريجي عن دائرة نفوذها. وجاءت ردود الفعل الروسية، التي تضمنت التلويح برفع أسعار الغاز وحظر استيراد الزهور والمياه المعدنية الأرمينية، لتعكس حجم القلق في موسكو، رغم استمرار ارتباط أرمينيا بروسيا عبر تحويلات العمال، وسيطرة رجال أعمال روس على قطاعات اقتصادية رئيسية، إضافة إلى عضويتها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

ويشير الاتفاق إلى انتقال مسار الابتعاد عن روسيا من المستوى السياسي إلى المستوى الهيكلي، إلا أن استمرار الاعتماد على الغاز والتجارة مع موسكو يمنح الأخيرة أدوات للإبقاء على قدر من النفوذ وضبط وتيرة هذا التحول.

ويمثل الاتفاق أيضاً مكسباً للولايات المتحدة في وقت تتدهور فيه علاقاتها مع جورجيا، بينما تميل أذربيجان أكثر نحو روسيا، وتتراجع فعالية مجموعة مينسك، ويتوسع النفوذ الصيني في المنطقة، ما يجعل أرمينيا الشريك الأكثر موثوقية لواشنطن في جنوب القوقاز.

ورغم ذلك، تدرك الولايات المتحدة أن أرمينيا لا تسعى إلى استبدال روسيا بالكامل، بل إلى تحقيق توازن في علاقاتها، ولذلك تتحرك بحذر.

كما يشكل مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عاملاً حاسماً، إذ يمثل بالنسبة إلى أرمينيا خياراً هوياتياً للخروج من الاحتكار الجيوسياسي، لكنه يصطدم في الوقت ذاته باستمرار الاعتماد على روسيا وبالشروط الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.

وتستحضر أرمينيا تجربة جورجيا باعتبارها نموذجاً تحذيرياً، بعدما راهن الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي على الغرب، لكن عدم التدخل الغربي أدى إلى خسارة بلاده نحو 20% من أراضيها. ومن هذا المنطلق، تدرك يريفان أن الابتعاد عن روسيا من دون ضمانات هيكلية يحمل مخاطر كبيرة، وأن الاتفاق مع الولايات المتحدة يهدف إلى تقليل تلك المخاطر، لا إلى إلغائها، خاصة في ظل الدور المحوري الذي تؤديه تركيا بوصفها الحليف الاستراتيجي لأذربيجان.

ويبدو أن جنوب القوقاز يمر بمرحلة تعيد فيها المبادرات الأمريكية رسم موازين القوى، في وقت تواجه فيه إيران فراغاً هيكلياً، وتعاني روسيا من تراجع نفوذها الميداني، بينما تحاول واشنطن ملء هذا الفراغ.

وفي المقابل، تبقى أرمينيا اللاعب الأكثر تأثيراً في تحديد مسار المرحلة المقبلة، إذ تتحرك وفق حسابات دقيقة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب وسط تنافس القوى الكبرى، في وقت تقف فيه المنطقة بأسرها أمام خيارات هيكلية جديدة، تتصدر أرمينيا مركزها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى