هل تقف «مبنا» الإيرانية في قلب الحملة العراقية لتقليص نفوذ طهران؟
اتهمت وسائل إعلام عربية خلال الأيام الماضية أكبر الشركات الصناعية الإيرانية العاملة في مجالات بناء محطات الكهرباء والتوربينات باستخدام شركات عراقية واجهة للحصول على عقود تتجاوز قيمتها ثلاثة مليارات دولار.
ميدل ايست نيوز: اتهمت وسائل إعلام عربية خلال الأيام الماضية، في مزاعم لم تثبت بعد، أكبر الشركات الصناعية الإيرانية العاملة في مجالات بناء محطات الكهرباء والتوربينات ومعدات النفط والغاز والنقل السككي، وهي مجموعة «مبنا»، إلى جانب شركة الكهرباء «توانير»، باستخدام شركات عراقية واجهة للحصول على عقود تتجاوز قيمتها ثلاثة مليارات دولار.
وحسب تقرير لموقع “رويداد24” الإيراني سعت عدة وسائل إعلام عربية وأمريكية، عبر نشر مزاعم بشأن مجموعة «مبنا»، إلى ربط نشاط الشركة في الاقتصاد العراقي بقضية النفوذ الإيراني، وهي رواية لم تؤكد الحكومة العراقية جزءاً كبيراً منها بوثائق رسمية حتى الآن.
وفي الأيام الأخيرة، شهدت بغداد واحدة من أوسع العمليات الأمنية التي استهدفت سياسيين ونواباً ومسؤولين حكوميين ورجال أعمال متهمين بالفساد. ونفذت قوات النخبة التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب العراقي، بناءً على أوامر قضائية، عمليات تفتيش لمنازل ومكاتب عدد من الشخصيات السياسية داخل المنطقة الخضراء.
ولم تنشر الحكومة العراقية حتى الآن قائمة رسمية كاملة بالموقوفين، إلا أن تقارير إعلامية أشارت إلى أسماء شخصيات من مختلف التيارات السياسية، من بينها سياسيون بارزون من المكون السني، وشخصيات مقربة من حكومات سابقة، وائتلاف دولة القانون، وأطراف من المعسكر السياسي الشيعي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران.
وجاءت هذه التطورات قبيل الزيارة المقررة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، حيث تعهد في الوقت نفسه بمكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، والحد من نفوذ الجماعات المسلحة خارج المؤسسات الرسمية، وهي مواقف تضع الفصائل المسلحة المدعومة من إيران تحت ضغوط مباشرة.
وتزامنت العملية الأمنية في المنطقة الخضراء أيضاً مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد، وهو تزامن أضفى مزيداً من الحساسية السياسية على التطورات. وفي هذا السياق، ظهرت تقارير بشأن عقود «مبنا» في العراق، والتي قد تُفسَّر على أنها جزء من مشروع عراقي للحد من النفوذ الاقتصادي والأمني والسياسي الإيراني في البلاد.
بداية الجدل من «العربية» و«الحدث»
بدأت موجة الاتهامات الموجهة إلى «مبنا» بتقرير بثته قناتا «العربية» و«الحدث» السعوديتان، نقلتا فيه عن «مصادر مطلعة» أن شركتي «مبنا» و«توانير» الإيرانيتين حصلتا، عبر شركات عراقية وسيطة، على عقود من وزارة الكهرباء العراقية تزيد قيمتها على ثلاثة مليارات دولار، وهي مزاعم لم تعلنها أو تؤكدها الحكومة العراقية.
وتتمتع «مبنا» بسجل معلن في تنفيذ مشاريع الكهرباء في العراق، إذ يشمل نشاطها أربعة مشاريع رئيسية على الأقل، أبرزها محطة «الصدر» الغازية في بغداد التي بدأ تنفيذها عام 2008، ومحطة الحيدرية أو النجف بقدرة 162 ميغاواط، التي سُلّمت أرضها إلى «مبنا» عام 2012، فيما كانت هيئة إعادة إعمار العتبات المقدسة الجهة المالكة للمشروع.
كما صادقت الحكومة العراقية على عقد إنشاء محطة الرميلة المركبة في البصرة بين «مبنا» وشركة «شمارة هولدينغ» العراقية الأردنية بقيمة 2.5 مليار دولار وبقدرة إنتاجية تبلغ ثلاثة آلاف ميغاواط.
وفي عام 2024، أوكل مجلس الوزراء العراقي إلى «مبنا» مسؤولية توفير المعدات وتنفيذ مشروع تطوير محطة الحيدرية بالكامل. وبذلك، تولت الشركة تنفيذ بعض المشاريع بصورة مباشرة أو بتكليف رسمي من الحكومة العراقية، فيما نفذت مشاريع أخرى عبر شركات خاصة عراقية أو إيرانية بموافقة أو ضمان من الحكومة العراقية.
وبحسب مزاعم «العربية»، فإن عقود «مبنا» لم تقتصر على مشروع واحد، بل توزعت على مشاريع محطات الكهرباء والإنتاج وشركات جباية إيرادات الكهرباء في عدد من المحافظات العراقية.
كما ادعت القناة أن «مبنا» و«توانير» حصلتا أيضاً، عبر شركات وسيطة، على عقود بمليارات الدولارات مع وزارة النفط العراقية، وأن تشغيل مصفاة كربلاء يُعد من أبرز تلك العقود.
وفي جزء آخر من التقرير، نقلت «العربية» عن مصادرها أن عدداً من الأحزاب والسياسيين ورجال الأعمال العراقيين نقلوا أكثر من مليار دولار نقداً إلى إيران خلال الحروب الأخيرة، وأن جزءاً من هذه الأموال سُلّم إلى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني خلال زياراته إلى العراق. وأضافت أن المصرف العراقي للتجارة جمّد أكثر من مليار دولار من الأموال الإيرانية بسبب العقوبات الأمريكية.
كما نشرت صحيفة «عكاظ» السعودية تقريراً بعنوان «عقود بمليارات الدولارات لشركتين تابعتين للحرس الثوري في العراق»، كررت فيه معظم المزاعم التي وردت في تقرير «العربية»، بما في ذلك الحديث عن عقود وزارة الكهرباء، والنشاط في وزارة النفط، وتشغيل مصفاة كربلاء، والعلاقات مع البنوك العراقية، ونقل الأموال النقدية إلى إيران.
وبعد أيام، بثت قناة «الحرة» العربية ومؤسسة MBN الإعلامية تقريراً منفصلاً بعنوان «أموال العراق لإيران»، قدم رواية أكثر توسعاً بشأن نشاط الشركات الإيرانية في العراق.
وادعت «الحرة» أن الدعم المالي لإيران جرى عبر مسارين، الأول نقل الأموال النقدية مباشرة عبر الحدود البرية، والثاني استخدام العقود الحكومية العراقية لتوجيه الأموال إلى شركات إيرانية.
ووفقاً للتقرير، فقد أُبرمت قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في نوفمبر 2025 عقود كبيرة في قطاع الكهرباء مع شركات تبدو عراقية على الورق، لكنها كانت تعمل فعلياً، بحسب التقرير، كواجهات لشركات إيرانية خاضعة للعقوبات الأمريكية.
ونقلت الشبكة عن نائب عراقي سابق قوله إن «مبنا» وسعت حضورها في العراق عبر هذه الشركات.
ومن أبرز ما أورده تقرير «الحرة» زعمه أن عدداً من رجال الأعمال والشخصيات السياسية السنية شاركوا أيضاً في هذه الشبكة، وهو ما اعتبره التقرير أمراً لافتاً، خاصة في ظل توقيف عدد من الشخصيات السنية خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف التقرير أن دوافع هؤلاء لم تكن بالضرورة أيديولوجية أو ناتجة عن تقارب سياسي مع طهران، بل إن بعضهم انخرط في هذه الشبكة للحصول على عقود حكومية وتعزيز نفوذه السياسي وزيادة حصته من الموارد الاقتصادية العراقية.
هل ترتبط قضية «مبنا» بالتطورات الأخيرة في العراق؟
جاء نشر هذه التقارير في وقت تراجع فيه الحكومة العراقية الجديدة العقود الحكومية الكبرى، وتواصل اعتقال مسؤولين متهمين بالفساد، وتحقق في شبكات نقل الدولار والنفط والموارد المالية.
وادعت بعض المصادر الأمنية العراقية أن التحقيقات الخاصة بعمليات الاعتقال الأخيرة لا تقتصر على قضايا الفساد المالي، بل تشمل أيضاً ملفات تمويل الجماعات المسلحة، وتهريب الدولار، ونقل أو تجارة النفط الإيراني.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تصاعد الحديث عن «مبنا» والحملة الإعلامية التي تقودها وسائل إعلام سعودية وأمريكية ناطقة بالعربية باعتبارها جزءاً من أجواء يسعى فيها رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تقليص نفوذ الشبكات الاقتصادية والعسكرية المرتبطة بإيران.
وقد وصفت «العربية» و«الحدث» و«عكاظ» وعدد من وسائل الإعلام الأخرى «مبنا» بأنها «شركة تابعة للحرس الثوري»، في حين أن «مبنا» هي مجموعة صناعية وشركة مساهمة عامة تُتداول أسهم شركتها الأم في بورصة طهران، وتعمل في قطاعات الكهرباء والنفط والغاز والمياه والنقل والصحة والاستثمار. ومن الناحية القانونية، تعد شركة مساهمة عامة مدرجة في البورصة، إلا أن هيكل ملكيتها وارتباطها الواسع بالمؤسسات العامة يجعلانها تُصنف اقتصادياً كشركة شبه حكومية.
ورأى التقرير أن استخدام وصف «شركة تابعة للحرس الثوري» في الإشارة إلى «مبنا» يبدو جزءاً من حملة إعلامية تستهدف تقليص النفوذ الإيراني في العراق، لا سيما أن الرئيس التنفيذي السابق للمجموعة يشغل حالياً منصب وزير الطاقة الإيراني، ما يجعل أي تقارير تربط الشركة بالمؤسسات السيادية الإيرانية أكثر قبولاً لدى الرأي العام العربي.
كما ادعت «الحرة» أن «مبنا» تخضع للعقوبات الأمريكية منذ عام 2018، إلا أن القوائم الرسمية للعقوبات الأمريكية المعاد فرضها تتضمن اسماً محدداً هو «شركة مپنا خوزستان لإنتاج الكهرباء»، وهو ما لا يعني بالضرورة أن مجموعة «مپنا» بأكملها وجميع شركاتها التابعة مشمولة بالعقوبات نفسها.
ومع ذلك، فإن المزاعم المتعلقة بعقود تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، أو استخدام «مبنا» لشركات واجهة، أو ضلوعها في نقل الأموال، أو ارتباط عقودها بجماعات مسلحة، لا تزال حتى الآن تستند في معظمها إلى مصادر إعلامية مجهولة، ولم تصدر الحكومة العراقية أي بيان رسمي يؤكدها.



