الصحافة الإيرانية: مستقبل التجارة الخارجية يمر عبر العراق وتركيا وباكستان لا الإمارات وحدها

لا تتمثل القضية الأساسية اليوم في استبعاد الإمارات من المعادلة التجارية الإيرانية، بل في الحيلولة دون تحولها إلى المنفذ الوحيد لوصول إيران إلى الأسواق العالمية.

ميدل ايست نيوز: أظهرت الحرب الأخيرة أن مستقبل التجارة الإيرانية يكمن في تنويع المسارات والشركاء التجاريين، وليس في الاعتماد على الإمارات.

تقول وكالة تسنيم في تقرير لها، إن الحرب الأخيرة والتهديدات التي طالت مضيق هرمز وتشديد الضغوط الأمريكية على الموانئ والتجارة البحرية الإيرانية، أظهرت مجددًا أن مستقبل التجارة الإيرانية لا يكمن في الاستغناء عن الإمارات، بل في تحويلها من “المسار الرئيسي” إلى “أحد مسارات التجارة”، بالتوازي مع توسيع العلاقات التجارية مع العراق وباكستان وتركيا ودول الشمال.

وكشفت التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، وما رافقها من اضطرابات في بعض المسارات البحرية، حقيقة مهمة أمام صناع القرار الاقتصادي، مفادها أن الاعتماد على مسار واحد أو شريك تجاري واحد، حتى وإن بدا مجديًا واقتصاديًا على المدى القصير، قد يتحول في أوقات الأزمات إلى عنق زجاجة خطير يهدد اقتصاد البلاد.

وخلال السنوات الماضية، تحولت الإمارات إلى أبرز مركز تجاري لإيران، إلا أن الجزء الأكبر من هذا النشاط التجاري لم يكن قائمًا على التبادل المباشر، وإنما اعتمد على آليات إعادة التصدير والوساطة التجارية.

وتشير التقديرات إلى أنه من أصل نحو 25 مليار دولار من حجم التجارة بين إيران والإمارات قبل الحرب، لم يكن سوى جزء محدود يمثل تجارة مباشرة، في حين جرى تنفيذ القسم الأكبر عبر شركات وسيطة وخدمات إعادة التصدير.

ورغم أن هذا النموذج التجاري ساهم في بعض الفترات في تعويض جانب من القيود المفروضة على التجارة الخارجية الإيرانية، فإنه أدى عمليًا إلى زيادة تكاليف التبادل التجاري، وتعزيز الاعتماد على نقطة جغرافية واحدة، فضلًا عن انتقال جزء مهم من القيمة المضافة للتجارة الإيرانية إلى خارج البلاد.

ولا تتمثل القضية الأساسية اليوم في استبعاد الإمارات من المعادلة التجارية الإيرانية، بل في الحيلولة دون تحولها إلى المنفذ الوحيد لوصول إيران إلى الأسواق العالمية. فقد أظهرت الاضطرابات الأخيرة أن التركيز المفرط على مسار واحد أو ميناء واحد أو دولة وسيطة واحدة يمكن أن يعرض سلاسل الإمداد الإيرانية لصدمات كبيرة.

وفي ظل هذه الظروف، تتمثل الاستراتيجية المنطقية لإيران في تنويع الشركاء التجاريين وممرات النقل. ويمكن للعراق أن يتحول إلى أحد أهم أسواق الصادرات الإيرانية وإحدى البوابات التجارية الرئيسية لإيران في غرب آسيا، في ظل الحدود البرية الواسعة التي تجمع البلدين، والروابط الاقتصادية القائمة، والإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها السوق العراقي، ما يجعله خيارًا طبيعيًا لتقليل الاعتماد على المسارات الجنوبية.

أما في شرق البلاد، فتتمتع باكستان، التي يبلغ عدد سكانها مئات الملايين، وبفضل وصولها إلى الموانئ المطلة على المحيط، بقدرات كبيرة لتطوير التجارة وعمليات العبور. كما أن تطوير البنية التحتية الحدودية وتعزيز التعاون اللوجستي بين البلدين يمكن أن يرفع مكانة باكستان في التجارة الخارجية الإيرانية.

ومن جهة أخرى، تمثل تركيا، باعتبارها جسرًا يربط آسيا بأوروبا، وبفضل موانئها التي تسهل وصول إيران إلى البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، أحد أبرز الخيارات المتاحة أمام طهران للوصول المباشر إلى الأسواق الأوروبية. كما أن تطوير النقل البري والسككي مع تركيا يمكن أن يخفف جزءًا من الاعتماد التاريخي للتجارة الإيرانية على المسارات الوسيطة.

وبالتوازي مع ذلك، فإن الاستفادة بشكل أوسع من قدرات الموانئ الشمالية والممرات المؤدية إلى روسيا ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى، تتيح لإيران إنشاء شبكة تجارية متوازنة ومتعددة المسارات، بحيث لا تتمكن أي دولة أو أي مسار من التحول إلى عنق زجاجة احتكاري للتجارة الخارجية الإيرانية.

وتتمثل الحقيقة في أن تعزيز القدرة على الصمود التجاري في عالم اليوم لا يتحقق من خلال التركيز على مسار واحد، وإنما عبر التنويع. فكما أن المستثمرين المحترفين لا يضعون جميع أصولهم في سوق واحدة، لا ينبغي للدول أيضًا أن تربط تجارتها الخارجية بالكامل بمركز تجاري واحد أو مسار واحد، تمامًا كما يقول المثل الشهير: لا ينبغي وضع جميع البيض في سلة واحدة.

ويمكن للإمارات أن تظل أحد الشركاء التجاريين المهمين لإيران، إلا أن مستقبل التجارة الإيرانية مرهون بتحويلها من “الشريان الرئيسي للتجارة الإيرانية” إلى “أحد مكونات شبكة التجارة الإيرانية”، وهي شبكة يشارك فيها أيضًا العراق وباكستان وتركيا ودول القوقاز والمسارات الشمالية.

ويُعد تنويع الممرات والشركاء التجاريين ليس مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز قدرة التجارة الخارجية الإيرانية على الصمود، والحد من تعرضها للمخاطر في مواجهة الأزمات والقيود المحتملة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى