الصحافة الإيرانية: وقف إطلاق النار في لبنان والتحديات المقبلة

يحذر الدكتور عدنان منصور أحد أبرز الحقوقيين اللبنانيين من أن استمرار الحكومة اللبنانية بهذا النهج قد يؤدي إلى انفجار داخلي ويقوض النسيج الاجتماعي والتعايش في لبنان بصورة كاملة.

ميدل ايست نيوز: بعد يومين فقط من اختتام المفاوضات الإيرانية الأمريكية في سويسرا، التي ركزت على إقرار وقف فوري ودائم لإطلاق النار في مختلف الجبهات، وفي مقدمتها لبنان، استؤنفت في واشنطن الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بمشاركة وفدين لبنانيين أمني وسياسي، وفق ما أفادت به مصادر إخبارية.

يقول حسين موسوي، رئيس مركز البحوث العلمية والدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط، في مقال لدبلوماسي إيراني، إن آليات انسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان، وكيفية نزع سلاح حزب الله، شكلت المحور الرئيسي للمباحثات التي استمرت أربعة أيام وانتهت يوم الجمعة. وذكرت وكالات الأنباء أنه بعد سلسلة من المفاوضات التي وصفت بأنها صعبة بالنسبة للوفد اللبناني، تم التوصل إلى اتفاق من 14 بندًا تحت عنوان “الاتفاق الإطاري”، وقعته الأطراف اللبنانية والإسرائيلية والأمريكية، ويتضمن تحديد النطاق الجغرافي والجدول الزمني للانسحاب الإسرائيلي.

ومن بين المقترحات التي طُرحت خلال الجولة الرابعة من المفاوضات في يونيو 2026، وحظيت بتأكيد خاص، إنشاء مناطق تجريبية في جنوب لبنان يتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها وتأمينها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، على أن يتم توسيع التجربة إلى مناطق أخرى في حال نجاحها.

وركزت هذه الجولة على انسحاب تجريبي من منطقتين تقعان في محيط نهر الليطاني، بحيث يستمر تنفيذ الخطة إذا نجح الجيش اللبناني في فرض سيطرته على هاتين المنطقتين.

ولا يُعدّ طرح إنشاء مناطق تجريبية تحت سيطرة الجيش اللبناني أمراً جديداً، إذ سبق اختبار هذه الفكرة في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني. ومع ذلك، واصلت إسرائيل في تلك المنطقة خرق وقف إطلاق النار والتقدم ميدانياً. كما أن الجولة الحالية من المفاوضات لم تقدم أي ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات الإسرائيلية، حتى في حال التزام الجيش اللبناني بتعهداته في حماية تلك المناطق التجريبية. وفي الوقت الراهن، لا تملك الحكومة اللبنانية، باستثناء الوعود الأمريكية بضمان التزام إسرائيل بالاتفاقات، أي وسيلة ضغط فعلية على إسرائيل. ورغم رغبة الحكومة اللبنانية في الاستفادة من نتائج المفاوضات الإيرانية الأمريكية، كما ورد في البند الأول من مذكرة التفاهم، فإنها تتجاهل ذلك عملياً، وتصر على إبقاء نفسها بعيدة عن التفاهمات الإقليمية، في حين أن لبنان يحتل موقعاً محورياً في التفاهم الإيراني الأمريكي، وقد ورد اسمه ثلاث مرات في البند الأول من مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً، وهي مذكرة موقعة بين الرئيسين الإيراني والأمريكي، وتتمتع بمرجعية أعلى من الاتفاق الأخير.

ويلتزم الجانب الأمريكي بعدم اتخاذ أي إجراء ضد لبنان مستقبلاً، لأن الاتفاق يؤكد سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وهو ما يعني الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية. ورغم المعارضة الشديدة التي تبديها الطائفة الشيعية في لبنان، ولا سيما حزب الله، للمفاوضات الثلاثية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، فإن المفاوضين اللبنانيين كان بإمكانهم، من خلال الاستفادة من بنود مذكرة التفاهم وتعزيز قدرتهم التفاوضية، الإصرار على انسحاب إسرائيلي فوري ودائم وشامل من الأراضي اللبنانية، وهو ما افتقدته الجولات الأربع السابقة. إلا أن المؤشرات تدل على أن الحكومة اللبنانية لم تستخدم هذه الورقة القوية، لأن هدفها الأساسي يتمثل في تشكيل محور أمريكي-إسرائيلي-لبناني يهدف إلى نزع سلاح حزب الله، ولذلك فإن الأولوية الأولى لهذا المحور هي إقامة شراكة بإشراف أمريكي لتنفيذ هذا الهدف.

ويعارض حزب الله مفاوضات واشنطن، لأنه يعتبر أن الهدف النهائي منها هو استهداف وجوده، ولهذا يرفض نزع سلاحه بأي صيغة كانت، انطلاقاً من اعتباره أن امتلاك السلاح يمثل ضرورة للمقاومة اللبنانية في مواجهة العمليات الإسرائيلية، وأن غياب دولة قوية تحظى بإجماع الطوائف اللبنانية الكبرى يجعل الحزب بحاجة إلى الحفاظ على قدراته العسكرية لحماية المجتمع الشيعي من التهديدات الخارجية. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح الأسبوع الماضي بأن سوريا يمكن أن تؤدي دوراً في نزع سلاح حزب الله، معتبراً أن ذلك يمثل خطوة تنطوي على مجازفة، لأنها قد تفتح الباب أمام تدخل دولة عربية في مواجهة المجتمع الشيعي في لبنان، بما قد يؤدي إلى إشعال فتنة جديدة في المنطقة. ورغم تأكيد الحكومة السورية أنها لا تنوي التدخل في لبنان، فإن مجرد طرح مثل هذه الأفكار يُعد أمراً بالغ الخطورة.

ويمثل نزع سلاح حزب الله خطاً أحمر بالنسبة لإيران وحلفائها، وأن تنفيذه أمر غير مقبول بالنسبة لهم. إذ أكد وزير الخارجية الإيراني مؤخراً أن إيران لن تترك حزب الله وحيداً، وأن إنهاء الحرب يشمل لبنان أيضاً. وبشكل الأخير جزءاً من منظومة الردع الإيرانية، والولايات المتحدة، بقبولها البند الأول من مذكرة التفاهم، أقرت بأن أي محاولة لتفكيك هذه الجبهة الموحدة أو فصل لبنان عنها ستكون محكومة بالفشل. كما يأسست إيران معادلة أمنية جديدة تقوم على مفهوم “الأمن الإقليمي المترابط”، الذي يحتاج لبنان في إطاره إلى دعم إيران وحلفائها لإخراج إسرائيل.

ويبدو أن الحكومة اللبنانية تسعى، من خلال الانخراط في مفاوضات واشنطن، إلى تحقيق أهداف أخرى إلى جانب نزع سلاح المقاومة، من بينها تخفيف العزلة الدولية عن لبنان، وتعزيز اقتصاده، وزيادة شرعية الحكومة الحالية، والحصول على دعم إقليمي ودولي، واحتواء الخلافات الداخلية والطائفية. إلا أن الحكومة اللبنانية ينبغي ألا تغفل أن الطائفة الشيعية تشكل جزءاً كبيراً من المجتمع اللبناني، وأن حزب الله يمثل القوة الأكثر تأثيراً داخل هذه الطائفة، وأن تجاهله يعني عملياً تجاهل المجتمع الشيعي، وهو ما يتعارض مع اتفاق ووثيقة المصالحة الوطنية في لبنان.

ويقول الدكتور عدنان منصور، أحد أبرز الحقوقيين اللبنانيين، إن الحكومة اللبنانية تعتزم تنفيذ المطالب الأمريكية المتعلقة بنزع سلاح حزب الله، في حين أنها لا تستطيع تجاهل الدستور اللبناني، والقوانين الدولية التي تقر بشرعية المقاومة ومواجهة الاحتلال وتحرير الأراضي، وكذلك اتفاق الطائف الذي يشكل أساس المصالحة الوطنية. ويحذر من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى انفجار داخلي ويقوض النسيج الاجتماعي والتعايش في لبنان بصورة كاملة. ويرى أن مثل هذا القرار سيجعل مناطق جنوب لبنان شديدة الهشاشة، رغم أن من حق السكان الطبيعي الدفاع عن أنفسهم في مواجهة الاعتداءات غير القانونية والاحتلال. ويؤكد أن عجز الدولة اللبنانية لا يسقط حق المواطنين، ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية وسكان الجنوب، في الدفاع عن أنفسهم. كما ينقل النص عن الحقوقي اللبناني الدكتور حسين العزي قوله إن الحرب التي تشنها إسرائيل في لبنان تستهدف طائفة تؤيد حركة المقاومة ضد إسرائيل، وإن اللجوء إلى القوة لنزع سلاح فصائل المقاومة يهدد الوحدة الوطنية والسياسية في لبنان.

ويختتم النص بالإشارة إلى أن الجيش اللبناني، رغم احترافيته والثقة التي يحظى بها بين المواطنين، يواجه قيوداً كبيرة، إذ يفتقر إلى الأسلحة المتطورة وإمكانات الدعم اللازمة، كما أن شريحة مهمة من أفراده تنتمي إلى الطائفة الشيعية. ويطرح تساؤلاً حول الجهة التي ستتولى الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل وطموحاتها التوسعية إذا جرى نزع سلاح المقاومة. ويخلص إلى أن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان لا يزال يواجه تحديات معقدة، وأن القرارات المتسرعة والاعتماد المفرط على الوعود الأمريكية قد يحمّلان الدولة اللبنانية كلفة يصعب التنبؤ بها، في حين يمكن لمذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية من جهة، ووثيقة المصالحة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى، أن تشكلا أساساً لتفاهم داخلي بشأن مستقبل سلاح المقاومة.

ووضعت الحكومة اللبنانية نفسها في موقف بالغ الصعوبة، فالشراكة مع إسرائيل ستدفع النظام التوافقي اللبناني نحو مستقبل مجهول، لكن الفرصة لم تفت بعد أمام المسؤولين اللبنانيين للوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 + ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى