ما وراء الكواليس.. هل كشف فانس عن خلافه مع إسرائيل في ملف إيران؟
اعتبر دبلوماسي إيراني سابق أن مقابلة فانس الأخيرة تسلط الضوء على الخلافات المتعددة المستويات داخل الأوساط السياسية في واشنطن بشأن الهجوم الأمريكي على إيران.

ميدل ايست نيوز: كشف نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، خلال مقابلة مطولة أجراها في 14 يوليو 2026 مع مقدم البودكاست الأمريكي الشهير جو روغان واستمرت نحو ثلاث ساعات، عن تفاصيل تتعلق بالخلافات الداخلية في الولايات المتحدة بشأن الصراع والحرب مع إيران.
وقال محمد كاظم سجاد بور، المدير السابق لمركز الدراسات السياسية والدولية في وزارة الخارجية الإيرانية، في مقال لصحيفة اطلاعات، إن فانس كشف خلال هذه المقابلة عن شبكة من الفاعلين الأمريكيين والإسرائيليين الذين يؤيدون استمرار التوتر مع إيران واعتماد نهج عسكري دائم في التعامل معها، مشيرًا بشكل خاص إلى مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب. معتبراً أن المقابلة تسلط الضوء على الخلافات المتعددة المستويات داخل الأوساط السياسية في واشنطن بشأن الهجوم الأمريكي على إيران.
وتساءل هذا الدبلوماسي الإيراني السابق عن كيفية تحليل هذه المقابلة الطويلة التي خُصص جزء كبير منها للمثلث المتمثل في الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
وأوضح أن الإجابة تستوجب أولًا تناول موقع فانس في السياسة الأمريكية، ثم استعراض أبرز ما طرحه بشأن الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وأخيرًا تحليل الدلالات الاستراتيجية لخطابه.
وقبل الدخول في هذه المحاور، أشار سجاد بور إلى ثلاث ملاحظات تمهيدية، أولها أن البودكاستات باتت تؤدي دورًا محوريًا في الحياة السياسية الأمريكية وفي فضاء وسائل التواصل الحديثة، وأن القائمين عليها أصبحوا من أبرز المؤثرين في تشكيل الرأي العام، لافتًا إلى أن بودكاست جو روغان يحظى بمكانة خاصة ويستقطب، وفق بعض التقديرات، نحو 200 مليون زيارة.
وأضاف أن السياسة في مختلف أنحاء العالم هي نتاج تفاعل بين البنى السياسية والشخصيات والخطابات، وهو ما ينطبق أيضًا على الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل دراسة الشخصيات وخطاباتها ذات أهمية كبيرة. أما الملاحظة الثالثة فتتمثل في أن السياسة الداخلية الأمريكية أصبحت أكثر استقطابًا وتوترًا من أي وقت مضى، وهو ما يساعد على فهم مواقف فانس المتعلقة بإيران.
وأوضح المدير السابق لمركز الدراسات السياسية والدولية في وزارة الخارجية الإيرانية أن فانس، الذي يشغل منصب نائب الرئيس الخمسين للولايات المتحدة، لا يتجاوز عمره الأربعين عامًا بقليل، ويرى نفسه رئيسًا مستقبليًا للولايات المتحدة، وليس مجرد مسؤول يسعى للحفاظ على منصبه الحالي.
وأضاف أن فانس يعد من أكثر السياسيين الأمريكيين طموحًا، وله مسيرة شخصية خاصة، إذ نشر سيرته الذاتية في كتاب حمل اسم المنطقة التي نشأ فيها “هيلبيلي إليجي”، وحقق من خلاله ومن خلال الفيلم المقتبس عنه ثروة كبيرة.
وأشار إلى أن فانس نشأ في أسرة مفككة وعاش طفولة صعبة، ثم التحق بالجيش الأمريكي في سن مبكرة وأُرسل إلى العراق، مؤكدًا أن تجربته العسكرية هناك أثرت بعمق في نظرته إلى استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية.
وأضاف أن فانس درس القانون، وعمل لفترة في المجال القانوني، قبل أن يدخل مجلس الشيوخ ممثلًا عن ولاية أوهايو، ومن هناك انتقل إلى منصب نائب الرئيس في إدارة ترامب.
ولفت الكاتب إلى أن فانس مر أيضًا بتحولات دينية، إذ انتقل من البروتستانتية إلى الإلحاد، ثم اعتنق الكاثوليكية، وأصدر مؤخرًا كتابًا ثانيًا يتناول تجربته مع التحول إلى الكاثوليكية.
وأكد أن الأهم من ذلك هو أن فانس يمثل تيارًا داخل الحزب الجمهوري يُعرف بشعار “أمريكا أولًا”، وهو تيار يعارض انخراط الولايات المتحدة في الحروب المفتوحة، ويقف في مواجهة تيار المحافظين الجدد الداعي إلى تغيير الأنظمة في الدول المناهضة لواشنطن.
وأشار سجاد بور، إلى أن مقابلة فانس مع جو روغان تناولت طيفًا واسعًا من القضايا، من الهجرة والعمالة والعلاقات الاجتماعية والانقسامات داخل الحزب الجمهوري، وصولًا إلى ملفات السياسة الخارجية والحرب مع إيران، مؤكدًا أن جميع الموضوعات طُرحت وفق حسابات سياسية دقيقة.
ثلاثة محاور
وأوضح أن الهجوم الأمريكي على إيران ودور إسرائيل شكلا جزءًا كبيرًا من المقابلة، واستعرض ثلاثة محاور رئيسية تناولها فانس:
المحور الأول تمثل في محاولة فانس الدفاع عن قرار ترامب مهاجمة إيران، مع تبرير ذلك بمنعها من امتلاك سلاح نووي.
أما المحور الثاني، فتمثل في كشفه عن ما وصفه بحملة منظمة تقودها أجنحة متشددة داخل الحزب الجمهوري، أطلق عليها اسم “الصقور”، استهدفته شخصيًا بسبب دعمه التفاوض مع إيران وتوقيع مذكرة التفاهم، مشيرًا إلى إنفاق مبالغ ضخمة لإفشال مسار التفاوض مع إيران والإبقاء على التوتر العسكري، إضافة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في هذه المواجهة السياسية.
أما المحور الثالث، وهو الأكثر أهمية، فتناول الدور الذي تلعبه شخصيات داخل الحكومة الإسرائيلية في هذا السياق. حيث ناقش فانس العلاقة مع إسرائيل من منظور تيار “أمريكا أولًا”، فرغم اعتباره إسرائيل حليفًا للولايات المتحدة، شدد على ضرورة إعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية، مبينًا أن مصالح واشنطن وتل أبيب ليست متطابقة بالضرورة.
وأضاف سجاد بور، أن تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة كان من أبرز القضايا التي تناولها فانس، الذي اعتبر أن التفاوض مع إيران يخدم المصلحة الأمريكية، في حين أن استمرار الحرب والتوتر العسكري بين واشنطن وطهران يمثل رغبة إسرائيل والجناح المتشدد داخل الحزب الجمهوري.
ورأى الكاتب الإيراني أن توقيت المقابلة ومضمونها وأسلوب طرح فانس يحمل أبعادًا استراتيجية، إذ يعكس، أولًا، انطلاق السباق الرئاسي الأمريكي لعام 2028 عمليًا، مع بروز فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو باعتبارهما أبرز المرشحين داخل الحزب الجمهوري، وارتباط مستقبلهما السياسي بملف التوتر مع إيران.
وأضاف أن هناك أجندتين مختلفتين تنطلقان من مرجعيتين أيديولوجيتين متباينتين تجاه إيران، وهو ما يفسر التباين بين فانس وروبيو، موضحًا أن إنهاء التوتر عبر التفاوض يعزز موقع فانس، بينما يضمن استمرار المواجهة العسكرية حصول روبيو على دعم التيارات المتشددة المؤيدة لإسرائيل.
وأشار كذلك إلى أن المواجهة العلنية مع التيارات الداعية للحرب واستمرار التوتر العسكري ستجعل من العلاقة بين واشنطن وتل أبيب إحدى القضايا المحورية في الخطاب الانتخابي لعام 2028.
واختتم سجاد بور، بالقول إن إسرائيل لم تعد قادرة، كما في السابق، على فرض روايتها على الرأي العام الأمريكي، معتبرًا أن الموقف الذي تبناه فانس يستحق الاهتمام، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العامل الحاسم يبقى صمود الشعب الإيراني وحكمة مسؤوليه في إدارة هذه التوترات المعقدة، مؤكدًا أن كيفية التعامل مع هذه التحديات تستحق نقاشًا مستقلًا.



