المرحلة الثانية من «صولة الفجر»: هل تكسر الحكومة العراقية الحماية السياسية عن الفاسدين؟
كشفت مصادر عن تحركات لإطلاق المرحلة الثانية من حملة “صولة الفجر”، تستهدف فساد وزارات الصحة والنفط والكهرباء العراقية وتتبع العقارات وتفعيل مشروع “من أين لك هذا”.

ميدل ايست نيوز: كشفت مصادر عن تحركات لإطلاق المرحلة الثانية من حملة “صولة الفجر”، تستهدف فساد وزارات الصحة والنفط والكهرباء وتتبع العقارات وتفعيل مشروع “من أين لك هذا”، مع حسم رفع الحصانة عن 12 شخصية أحيلت للقضاء. وفيما أكد نائب إطاري التزام الإطار بدعم الحكومة وحسم القضايا الكبرى، أوضح مراقبون أن الإجراءات مجرد تنفيذ لقرارات معطلة ضمن 400 قضية، وأن الفساد الممنهج يرتبط بالمحاصصة.
دعم مفتوح
ويقول النائب عن تيار الحكمة زيدون النبهاني، لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس (23 تموز يوليو 2026)، إن “الإطار التنسيقي كان واضحاً منذ اللحظة الأولى في دعمه لجهود الحكومة في مكافحة الفساد، ومستوى هذا الدعم يزداد يوماً بعد آخر، وأن رفع الحصانة عن أي متهم بالفساد سيكون حاضراً متى ما اكتملت الملفات القانونية بحقه، بغض النظر عن انتمائه السياسي”.
ويضيف، أن “الإطار التنسيقي لا يعمل على تعطيل ملفات الفساد، بل يضغط باتجاه حسم القضايا الكبرى التي تحوم حولها شبهات الفساد، وجميع النقاشات داخل الإطار تصب في دعم الحملة وتسريع إجراءاتها”.
ويؤكد، أن “القانون يجرم حماية المتهمين بقضايا الفساد، ويلزم تطبيقه على الجميع من دون استثناء”.
مرتكزات الإطار
ويشير النبهاني إلى أن “رئيس الوزراء علي الزيدي هو مرشح الإطار التنسيقي، وقد قبل بالشروط التي وضعها الإطار قبل توليه المنصب، وتلك الشروط استندت إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية، هي حصر السلاح، ومكافحة الفساد، وتحقيق التوازن في العلاقات الدولية بما يبعد العراق عن شبح الحروب”.
وأطلقت الحكومة العراقية في 28 حزيران يونيو 2026 حملة لمكافحة الفساد وصفتها بأنها “المرحلة الأولى لاسترداد المال العام”، وشملت اعتقال مسؤولين وسياسيين ونواب ورجال أعمال ضمن ما عرف بـ “صولة الفجر”، في إطار تحرك حكومي لاسترداد الأموال العامة وفتح ملفات فساد كبرى.
وبالتزامن مع استمرار التحقيقات، كشفت مصادر حكومية عن استكمال الإجراءات القانونية الخاصة بالمرحلة الثانية من الحملة، والتي تستهدف ملفات فساد في وزارات الصحة والنفط والكهرباء، إلى جانب تتبع أموال وعقارات داخل العراق وخارجه، وإعداد قوائم جديدة بأسماء متهمين، مع دراسة مشروع قانون “من أين لك هذا”، فيما أكدت هيئة النزاهة أن مذكرات القبض تنفذ بإشراف القضاء ضمن جهود ملاحقة المتورطين واسترداد الأموال العامة.
اجتماع مرتقب
ونقل موقع “شفق نيوز” عن مصادر وصفها بالمطلعة، أمس الأربعاء، أن رئيس الوزراء علي الزيدي يستعد لعقد اجتماع مع قوى الإطار التنسيقي لمناقشة آليات مكافحة الفساد وإنهاء مظاهر الحصانة السياسية عن المتهمين بهدر المال العام.
ووفق المصادر، فإن الاجتماع يركز على وضع آلية واضحة لرفع الحصانة عن المتورطين، بصرف النظر عن مواقعهم السياسية أو الحزبية، مع بحث ملفات تطال 12 شخصية سياسية وحزبية بارزة أحيلت ملفاتها رسمياً إلى القضاء، وسط تباين في وجهات النظر داخل الإطار بشأن بعض الأسماء المتداولة.
رفع الحصانة
وأضافت المصادر، أن هناك تأكيدات داخل الكواليس على ضرورة رفع الحصانة عن كل من تثبت إدانته بالأدلة القانونية، واسترجاع الأموال عبر مختلف الوسائل القانونية، بما فيها تفعيل مذكرات الاعتقال الدولية عبر الإنتربول، فيما شدد رئيس الوزراء، بحسب المصادر، على ضرورة الانتقال من التأييد السياسي إلى خطوات تنفيذية، مؤكدا أن حملة مكافحة الفساد ستشمل جميع المستويات دون استثناء، بالتوازي مع إجراءات استعادة أموال الدولة.
قرارات سابقة
إلى ذلك، يقول المحلل السياسي رمضان البدران، إن “الفساد في العراق يمثل نتيجة لطبيعة النظام السياسي القائم على فلسفة المكونات والمحاصصة والتوافق، وهذه المنظومة تشكل البيئة الحاضنة والراعية للفساد، وأن القوى والكتل السياسية بمختلف مكوناتها تعد الحاضنة الرئيسية لاستمرار مظاهر المحاصصة والتوافق، وما ينتج عنها من ملفات فساد”.
ويضيف، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، أن “ما يقوم به رئيس الوزراء علي الزيدي لا يمثل فتح ملفات جديدة، وإنما يقتصر على تنفيذ قرارات قضائية وملفات تحقيق أنجزتها جهات رقابية وقضائية منذ سنوات، بينها هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية”، موضحاً أن “تلك المؤسسات أدت واجباتها وأكملت التحقيقات وأصدرت القرارات، إلا أن الحكومات السابقة امتنعت عن تنفيذها لأسباب سياسية”.
400 قضية
ويشير البدران إلى أن “تنفيذ بعض تلك القرارات لا يعد معالجة شاملة للفساد”، لافتا إلى أن “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق كان قد أشار قبل نحو عامين إلى وجود أكثر من 260 قضية منجزة، فيما ارتفع العدد حالياً إلى أكثر من 400 قضية”، مؤكداً أن “التركيز على قضايا محددة، مثل قضية نور زهير أو وكيل وزير النفط أو غيرها، لا يعكس حجم ملفات الفساد الموجودة”.
ويتابع، أن “ما يجري يمثل معالجات رمزية، فإذا صحت المعلومات بشأن طلب الإطار التنسيقي عرض جميع الملفات عليه قبل المباشرة بها، فإن ذلك يعني أن الاعتبارات السياسية ستؤثر في اختيار القضايا التي يجري تحريكها، الأمر الذي سيحول إجراءات مكافحة الفساد إلى إجراءات شكلية لا تعالج جذور المشكلة”.
فساد ممنهج
ويؤكد البدران، أن “استمرار الانتقائية في التعامل مع ملفات الفساد سيعيد شعور الحصانة لدى الفاسدين، كما حدث في مراحل سابقة، حيث إن بعض الشخصيات كانت قد ألقي القبض عليها، ثم أطلق سراحها أو أغلقت قضاياها”، لافتاً إلى “وجود وزراء كانت مسجلة بحقهم عشرات القضايا، لكنها أغلقت لاحقاً، وعاد بعضهم لتولي مناصب استشارية في الحكومة”.
ويختتم البدران بالقول، إن “رئيس الوزراء لن يتمكن بمفرده من مواجهة الفساد ما لم يحظ بدعم سياسي أوسع يمكنه من مواجهة الضغوط السياسية، لأن الفساد في العراق هو فساد ممنهج تقف وراءه إرادات سياسية، ويرتبط ببنية نظام المحاصصة والتوافق، وأن القضاء عليه يتطلب قيام دولة مواطنة ومؤسسات ديمقراطية حقيقية، بعيدا عن نظام المكونات والمحاصصة”.
وبين انطلاق حملة “صولة الفجر” والتحضير لمرحلتها الثانية، تتجه الحكومة إلى توسيع دائرة الإجراءات القانونية ضد المتهمين بالفساد، في وقت سيحدد فيه مدى تنفيذ التعهدات برفع الحصانة واستكمال الإحالات القضائية ما إذا كانت الحملة ستتحول إلى مسار مؤسسي دائم أم ستبقى محصورة في إجراءات مرحلية.



