الصحافة الإيرانية: مكانة باكستان ودورها في المعادلات الإقليمية

يقول خبير في الشؤون السياسية إن اعتماد إيران على باكستان بصورة استراتيجية في الملفات الكبرى للسياسة الخارجية ينطوي على مخاطر ينبغي التعامل معها بحذر.

ميدل ايست نيوز: تواجه باكستان في المرحلة الحالية مجموعة من الأزمات المتزامنة في المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وهي أزمات بات اتساعها وحدتها يفرضان قيودًا كبيرة على قدرة البلاد على إدارة تحدياتها الداخلية وأداء دور مؤثر في المعادلات الإقليمية. من هذا المنطلق، فإن أي تقييم لمكانة باكستان في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية ينبغي أن يستند إلى الواقعية، وإلى دراسة القدرات الفعلية لإسلام آباد، بعيدًا عن التقديرات المتفائلة أو المتشائمة المفرطة.

يقول الخبير في الشؤون السياسية، علي رضا رجائي، في مقال لصحيفة شرق: على الصعيد الأمني، شهدت باكستان خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في نشاط الجماعات المسلحة، ولا سيما حركة طالبان باكستان، في المناطق الحدودية الغربية. وتشير تقارير صادرة عن مراكز دراسات أمنية إلى ارتفاع ملحوظ في هجمات هذه الجماعات مقارنة بالسنوات الماضية. ولم يقتصر تأثير هذا الوضع على الأمن الداخلي الباكستاني، بل امتد أيضًا إلى الأمن الحدودي للجمهورية الإسلامية الإيرانية بحكم الجوار بين البلدين. ورغم تأكيد إسلام آباد مرارًا التزامها بمكافحة الإرهاب، فإن مجموعة من القيود السياسية والأمنية والعملياتية تبدو قد حدّت من فاعلية هذه السياسات، وأدت إلى تقلبات في مستوى التعاون الأمني بين البلدين.

أما اقتصاديًا، فما تزال باكستان تواجه مشكلات هيكلية عميقة، تتمثل في الاعتماد على التمويل الخارجي، واستمرار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وتطبيق سياسات التقشف، فضلًا عن الضغوط الناتجة عن التضخم وتراجع القدرة الشرائية. وفي ظل هذه الظروف، من الطبيعي أن تتأثر السياسة الخارجية الباكستانية بالضرورات الاقتصادية وبالحاجة إلى الحفاظ على العلاقات مع القوى الدولية المؤثرة. ولا يعني ذلك أن إسلام آباد تفتقر إلى الاستقلال الكامل في اتخاذ القرار، وإنما يعكس تضاؤل هامش المناورة لديها، خاصة في القضايا الحساسة المرتبطة بالقوى الغربية.

على المستوى السياسي، أسهمت الانقسامات الداخلية، واحتدام المنافسة بين التيارات السياسية، والدور البارز للمؤسسة العسكرية في إدارة الشؤون الداخلية، في تعقيد عملية صنع القرار داخل باكستان. وأدى ذلك إلى استنزاف جزء كبير من قدرات الدولة في معالجة الأزمات الداخلية، ما حدّ من قدرتها على التركيز على المبادرات الإقليمية بعيدة المدى.

وفي هذا السياق، يمكن تفسير تنامي النشاط الدبلوماسي الباكستاني واستضافة وفود رفيعة المستوى ضمن مساعي البلاد إلى تعزيز مكانتها الدولية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع التعاون الاقتصادي، وزيادة وزنها الجيوسياسي. وتعدّ زيارة وزير الخارجية الكندي إلى باكستان، بعد نحو عقدين من الزمن، مثالًا على هذا التوجه، في ظل الاستراتيجية الكندية الجديدة تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إضافة إلى تأثير الجالية الباكستانية الكبيرة المقيمة في كندا، وسعي البلدين إلى توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري. ومع ذلك، فإن حجم العلاقات الاقتصادية الحالية بينهما لا يزال أقل بكثير من الإمكانات المتاحة.

وفيما يتعلق بالعلاقات الإيرانية الباكستانية، فإن الوقائع تقدم صورة مزدوجة. فمن جهة، يشكل التعاون في مجالات أمن الحدود، وتطوير الأسواق الحدودية، ومكافحة التهريب، وتوسيع التجارة، مجالات ذات مصالح مشتركة بين البلدين. ومن جهة أخرى، أظهرت تجارب السنوات الماضية أن تنفيذ بعض المشاريع الاستراتيجية، وعلى رأسها خط أنابيب الغاز الإيراني-الباكستاني، واجه تقدمًا بطيئًا للغاية نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها العقوبات الأمريكية، والقيود المالية، والاعتبارات السياسية في إسلام آباد. وتؤكد هذه التجربة أن الإرادة السياسية المعلنة وحدها لا تكفي لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية، إذ تلعب العوامل الخارجية والقيود الهيكلية دورًا حاسمًا في ذلك.

وخلال السنوات الأخيرة، أفادت عدة تقارير بأن باكستان يمكن أن تؤدي دور الوسيط أو الميسر في بعض ملفات السياسة الخارجية الإيرانية الحساسة، بما في ذلك خفض التوتر مع الغرب أو نقل الرسائل بين طهران وواشنطن. ورغم أن إسلام آباد تمتلك بحكم علاقاتها مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية قدرة على نقل الرسائل أو تسهيل الاتصالات، فإن المؤشرات المتاحة تدل على أن أدوات تأثيرها في قرارات القوى الغربية تبقى محدودة، كما أن سياستها الخارجية تخضع في المقام الأول لاعتبارات أمنية واقتصادية ولمعادلات التوازن بين شركائها المختلفين. لذلك، فإن اعتماد إيران على باكستان بصورة استراتيجية في الملفات الكبرى للسياسة الخارجية ينطوي على مخاطر ينبغي التعامل معها بحذر.

وانطلاقًا من ذلك، يبدو أن تنظيم العلاقات الإيرانية الباكستانية على أساس الفصل بين مجالات التعاون يمثل الخيار الأكثر واقعية. ففي المجالات الفنية والتنفيذية، مثل أمن الحدود، وتطوير البنية التحتية الحدودية، والأسواق المشتركة، ومكافحة التهريب، وتوسيع التجارة، يمكن للتعاون الثنائي أن يستمر بل وأن يتعزز. أما في المشاريع الاقتصادية الكبرى، فمن الضروري أن تُبنى أي التزامات طويلة الأمد على ضمانات تنفيذية، وتقييم دقيق للمخاطر، وتحقيق المصالح المتبادلة. وفي الملفات الاستراتيجية للسياسة الخارجية، ولا سيما القضايا المرتبطة بالمفاوضات النووية أو العلاقات الإيرانية الغربية، فمن الأنسب أن تستند السياسة الإيرانية إلى الحوار المباشر أو إلى قنوات تتمتع بقدرة وتأثير أكبر في عملية صنع القرار لدى الأطراف المقابلة.

في الختام، فإن باكستان ليست دولة يمكن تجاهل إمكاناتها، كما أنها ليست طرفًا يمكن إسناد حل القضايا الاستراتيجية الإيرانية إليه. فهي دولة مجاورة مهمة تمتلك قدراتها الخاصة، كما تواجه قيودًا وأولوياتها الوطنية، شأنها شأن أي دولة أخرى، تحكم توجهات سياستها الخارجية. ومن ثم، فإن النهج الأكثر واقعية بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية يتمثل في الحفاظ على التعاون العملي والمفيد مع إسلام آباد وتطويره، مع تجنب بناء توقعات تتجاوز القدرات الفعلية لباكستان في ملفات السياسة الخارجية الكبرى، بما يضمن استمرار العلاقات البناءة مع جار مهم، ويحول دون تحميل إيران أعباء استراتيجية ناجمة عن تقديرات غير دقيقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى