بعد سنوات من رفض التفاوض.. لماذا يستحضر “جليلي” «صلح الحديبية»؟

يستحضر سعيد جليلي صلح الحديبية للخروج من ظل الحرب، في خطوة تطرح تساؤلات حول تحوّل خطابه السياسي بعد سنوات من رفض المفاوضات مع الولايات المتحدة.

ميدل ايست نيوز: قد يكون جليلي السياسي المحافظ لا يزال هو جليلي الذي عرفه الإيرانيون خلال السنوات الماضية متمسكاً برؤيته الرافضة للمفاوضات بوصفها حلاً؛ إلا أن استناده هذه المرة إلى صلح الحديبية يكشف ولو بصورة غير مباشرة أن قراءة المشهد الراهن لم تعد تحتمل اختزاله في ثنائية الحرب والمقاومة وحدها.

يقول موقع رويداد24، ربما عندما كان أنصار ومؤيدو سعيد جليلي يهاجمون تصريحات حسن روحاني عام 2014، ويكتبون في موقع «رجانيوز» عن فتح «بدر وخيبر»، لم يتخيلوا أن رئيس «حكومة الظل» الذي يدعمونه سيتحدث بعد سنوات عن صلح الحديبية باعتباره مبادرة اتخذها النبي (ص) لإنهاء الحرب.

في تلك الأيام، كان رئيس الحكومة الحادية عشرة يقول: «حتى في الصلح، وضع الاستدلال والعقلانية والبرهان والاعتدال أمامه وأمام المسلمين. ففي صلح الحديبية، الذي كان يبدو في نظر قصيري النظر غير عادل، حقق في ظل ذلك الصلح نصراً لم يكن ليتحقق حتى في مئة حرب. لقد أوجد فرصة ذهبية للعالم الإسلامي ولنشر الإسلام، إذ ترسخ الإسلام وحكم النبي وإمامته؛ وهي النبوة التي لم يقبل بها بعض الناس في المدينة وحولها، لكن الجميع استفادوا من إمامة النبي وحكمه، حتى الكفار».

وكان سعيد جليلي الشخص الوحيد بين أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي الذي لم يصوت لصالح التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، فيما تحرك أنصاره بكل قوتهم لمعارضته، وحاولوا إفشال الاتفاق بين طهران وواشنطن. لكنه قال مؤخراً: «عندما يُهزم العدو، يحين وقت المبادرة. كانت هذه حكمة النبي الأعظم (ص)، فبعد هزيمة العدو في غزوة الأحزاب، لم يمنحه فرصة، بل أخذ زمام المبادرة؛ مبادرة تثبت النصر من خلال حرمان العدو من الفرصة، وليس منحه فرصة ليعيد تنظيم صفوفه ثم يعود».

وبحسب جليلي، فإن «المبادرة التي ترفع ظل الحرب عن البلاد إلى الأبد، هي بداية التحرك نحو الأهداف الكبرى؛ مثلما فعل النبي (ص) في الأحزاب والحديبية، ومثلما نحتاج إليه اليوم».

لكن تصريحات الرجل الذي عارض خلال السنوات الأخيرة باستمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة، تطرح سؤالاً حول ما الذي تغير الآن، حتى بات يتحدث، للخروج من ظل الحرب، عن صلح يبتعد في جوهره كثيراً عن رؤيته ومواقفه؟

ما قصة صلح الحديبية؟

كان صلح الحديبية عهداً أُبرم في السنة السادسة للهجرة بين النبي محمد (ص) ومشركي قريش في منطقة قرب مكة تُعرف باسم الحديبية. وبعد رؤيا رأى فيها النبي (ص) أنه دخل الكعبة وحلق رأسه، توجه إلى مكة برفقة نحو 1400 إلى 1600 مسلم لأداء العمرة، لكن مشركي قريش منعوهم من دخولها، فتحول مسارهم إلى الحديبية. وخلال إقامتهم هناك، وقعت بيعة الرضوان، بعدما ساد الاعتقاد بأن أحد مبعوثي النبي (ص) قد قُتل، فتعهّد المسلمون بالدفاع عن النبي حتى الموت.

وأرسل القرشيون قوة من الفرسان للضغط على المسلمين، فأسرها المسلمون بالكامل، لكن النبي أمر بالإفراج عن أفرادها. ثم أرسلت قريش سهيل بن عمرو لطلب الصلح، واختير الإمام علي (ع) كاتباً لمعاهدة الصلح. وبموجب هذا الاتفاق، توقفت الحرب بين الطرفين لمدة عشر سنوات، وكان بإمكان أي قبيلة أن تتحالف مع النبي أو مع قريش، وإذا ذهب شخص إلى المدينة من دون إذن قبيلته، كان يتعين إعادته إلى مكة. وبعد إبرام الصلح، أمر النبي أصحابه بنحر الإبل وحلق رؤوسهم، ثم عادوا إلى المدينة.

وبحسب روايات المؤرخين، انتهكت قريش الصلح في السنة الثامنة للهجرة، وبعد 22 شهراً، عندما هاجمت قبيلة خزاعة التي كانت متحالفة مع النبي (ص). عندها تحرك النبي (ص) نحو مكة بجيش قوامه نحو عشرة آلاف رجل، من المهاجرين والأنصار وقبائل مختلفة، وفاجأ قريشاً وفتح مكة من دون قتال. واعتنق عدد من كبار قريش الإسلام، من بينهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد.

عندما يتحدث رئيس الحكومة الظل عن السلام

دخل مصطلح «صلح الحديبية» إلى الأدبيات السياسية في البلاد منذ عدة سنوات، وكلما طُرحت مسألة المفاوضات بين طهران وواشنطن، تردد على ألسنة مؤيدي التفاوض. وفي هذه الأيام، ورغم أن بعض الشخصيات، مثل مجيد أنصاري وعلي أكبر صالحي وغيرهما، يستندون إلى هذه الواقعة التاريخية للحديث عن مساعي إنهاء الحرب؛ فإن اللافت هو تصريحات رجل يُعد من أشد معارضي المفاوضات النووية.

فعلى سبيل المثال، خلال مناقشة الاتفاق النووي في اللجنة المشتركة بالبرلمان عام 2015، جرت مناظرة بين جليلي وظريف حول رفع العقوبات. وفي تلك المناظرة، تحدث جليلي عن عدم رفع العقوبات بموجب «اتفاق 2015»، فيما رد ظريف قائلاً: «يتحدث البعض اليوم بطريقة توحي وكأن القرار 2231 هو أول قرار يصدر بشأن إيران، لكن في القرارين 1737 و1747، حتى تعليم الطلاب الإيرانيين كان ممنوعاً، ولم يكن الأمر استثناءً، بل كان محظوراً».

وفي مناسبة أخرى، قال جليلي، عضو المجلس الأعلى للأمن القومي، خلال مراسم في جامعة شريف للتكنولوجيا، في إشارة إلى إبرام اتفاق نووي وتعليقاً على تصريحات محمد جواد ظريف، وزير خارجية الحكومة الثانية عشرة: «كانوا يقولون إن بستان الكمثرى الخاص بالاتفاق النووي قادم، وإن الأخير هو الشمس الساطعة، وإن توقيع فلان ضمان، فماذا حدث إذن؟».

وحتى عندما كانت حكومة روحاني، في الأيام الأخيرة من عام 2020، تسعى إلى إحياء الاتفاق النووي والتفاوض مع إدارة بايدن، كتب هذا العضو في المجلس الأعلى للأمن القومي في تغريدة: «أسوأ من الضغط الاقتصادي الذي يمارسه العدو، هو أن يقول البعض داخل البلاد، رغم مشاهدتهم هذا العداء الواضح، إننا سنتفاوض مجدداً إذا لزم الأمر؛ فماذا كانت نتيجة المرات السابقة عندما رأيتم أن التفاوض كان ضرورياً؟».

كما أن مراجعة تصريحات جليلي خلال الحملات الانتخابية في أعوام 2013 و2021 و2024، أو خلال الهجوم الإسرائيلي الأمريكي، تظهر بدورها أنه وجماعته من أشد المعارضين للاتفاق مع الولايات المتحدة. ولا سيما أن الذين كانوا يهتفون خلال حكومة روحاني بشعارات من قبيل «يا من شعارك التفاوض، مسبح فرح بانتظارك»، عادوا في حكومة بزشكيان إلى ترديد شعار «الموت للمساوم» مراراً، بل أظهروا موقفهم من خلال إطلاق صيحات الاستهجان ورشق الحجارة ضد مسعود بزشكيان ومحمد باقر قاليباف وعباس عراقجي. بل إنهم ذهبوا أحياناً إلى أبعد من ذلك، واتهموهم بالخيانة.

والآن، ربما لا يزال جليلي هو جليلي السنوات الماضية، ولا يزال يرى أن المفاوضات ليست حلاً؛ لكن استناده إلى الحديبية يظهر، على الأقل، أنه لم يعد بالإمكان اختزال كل شيء في ظروف اليوم ضمن ثنائية الحرب والمقاومة. فقد أوجدت الحديبية، من قلب وضع حربي، فرصة لتغيير الظروف؛ ليس من خلال التخلي عن الهدف، بل باختيار أسلوب مختلف للوصول إليه.

لكن السؤال هنا هو: هل يمكن اعتبار هذا الاستناد مجرد إحالة تاريخية، أم ينبغي التعامل معه بوصفه مؤشراً إلى تغير في الخطاب السياسي لجليلي؟ فبعد سنوات من مهاجمة السياسيين الذين يدعون إلى التفاوض، يتحدث اليوم عن مبادرة من المفترض أن «ترفع ظل الحرب عن البلاد إلى الأبد». وربما ينبغي البحث عن الإجابة عن هذا السؤال، ليس في كلمة «التفاوض» التي لا يزال جليلي يتحدث عنها بحذر، وإنما في المعنى الجديد الذي يقدمه لـ«المبادرة».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى