الصحافة الإيرانية: أميركا.. قوة عظمى عالقة في استراتيجية حرب غير متكافئة

إن انتصار إيران في المواجهة مع أميركا لم يكن من نوع اختراق خطوط العدو أو السيطرة على المدن، بل تمثل في فرض تكاليف باهظة على المهاجم والبقاء في مواجهة العاصفة.

ميدل ايست نيوز: في القرن الحادي والعشرين، لم تعد «الانتصارات» تُقاس بعدد الدبابات والمقاتلات الحربية فقط. فقد أصبحت القدرة على الصمود الاقتصادي، والابتكار التكنولوجي، وإدارة الرأي العام، عناصر لا تقل أهمية عن الرؤوس النووية. والدول التي تتمكن من الجمع بين هذه العوامل الثلاثة، تستطيع حتى بميزانيات عسكرية محدودة أن تُجبر القوى العظمى على التراجع، وهو أكبر درس قدمته منطقة غرب آسيا وأوكرانيا للعالم، كلٌّ منهما من زاوية مختلفة ضمن معادلة واحدة.

يقول محمد سالاري، خبير ومحلل في العلاقات الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، والتي توقع كثيرون أن تكون «سريعة وأحادية الجانب»، تحولت إلى مواجهة طويلة واستنزافية. فقد دخلت الولايات المتحدة المعركة بأعداد ضخمة من المقاتلات وحاملات الطائرات والصواريخ الدقيقة، لكنها بعد أشهر من القتال واستهلاك آلاف الذخائر الذكية والمكلفة، لم تتمكن لا من إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولا حتى من وقف برنامجها الصاروخي. ويكشف هذا الفارق بين التفوق العسكري وتحقيق الأهداف السياسية عن تحول جوهري في طبيعة الصراعات الحديثة.

وكانت الحرب في أوكرانيا قد أظهرت النمط ذاته قبل ذلك. فالقوة الكبرى لا تستطيع بسهولة سحق خصم أصغر، إذا كان هذا الخصم قادراً على استخدام «منطق الحرب غير المتكافئة» بشكل صحيح.

إن انتصار إيران في هذه المواجهة لم يكن من نوع اختراق خطوط العدو أو السيطرة على المدن، بل تمثل في فرض تكاليف باهظة على المهاجم والبقاء في مواجهة العاصفة. ويمكن وصف الاستراتيجية الإيرانية بأنها «حرب فرض التكاليف»، أي أن أي خطوة تقدم عليها الولايات المتحدة يجب أن تدفع مقابلها ثمناً يفوق بكثير ما تتحمله إيران.

فقد استخدمت طهران أعداداً كبيرة من الطائرات المسيّرة الانتحارية والصواريخ قصيرة المدى، التي تبلغ تكلفة الواحدة منها بضعة آلاف من الدولارات، لاستهداف أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية مثل منظومة «باتريوت». في المقابل، تبلغ تكلفة كل صاروخ اعتراض أمريكي عدة ملايين من الدولارات. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تنفق مئات الأضعاف مقابل كل طائرة مسيّرة يتم إسقاطها.

وخلال هذه المواجهة، تجاوزت تكلفة الذخائر التي استخدمتها الولايات المتحدة 250 مليار دولار، وهو رقم يشكل عبئاً كبيراً حتى على أكبر اقتصاد في العالم.

أما الحرب الأوكرانية التي اندلعت عام 2022، فقد أثبتت في وقت سابق كيف يمكن لدولة أصغر حجماً، عبر استخدام تكتيكات غير متماثلة، أن تصمد أمام الجيش الروسي الذي كان يتفوق عليها بشكل كبير من حيث عدد المعدات العسكرية. فقد تمكنت أوكرانيا من خلال الهجمات المباغتة واستخدام الطائرات المسيّرة والطائرات الصغيرة المزودة بالقنابل، من استهداف خطوط الإمداد ومستودعات الذخيرة الروسية.

وقد أعيد إنتاج هذا النمط في الخليج بصورة مدروسة، عبر استخدام الطائرات المسيّرة الإيرانية وأعداد كبيرة من الصواريخ المضادة للسفن. كما أظهرت الحرب في أوكرانيا أن صاروخاً مضاداً للدبابات من طراز «جافلين» تبلغ قيمته نحو 50 ألف دولار، يمكنه تدمير دبابة تبلغ قيمتها 5 ملايين دولار.

وفي الخليج، كان هذا الفارق أكثر وضوحاً، إذ بلغت تكلفة كل صاروخ دفاعي أمريكي ما يعادل تكلفة مئات الطائرات المسيّرة الإيرانية. وهذا يعني أن الطرف المنتصر فعلياً في كلا الجبهتين هو الطرف القادر على التحكم في «تكلفة كل ضربة فعالة» والحفاظ عليها ضمن حدود مقبولة.

وبشكل عام، يمكن القول إن الفخ الذي لا تزال روسيا عالقة فيه، مع اعتمادها على العمق اللوجستي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الحرب الأوكرانية، نشأ في غرب آسيا بالنسبة لواشنطن نتيجة سياسات إسرائيل.

وكان ترامب يسعى إلى تحقيق انتصار سريع وحاسم خلال أسابيع، إلا أن استراتيجية الحرب غير المتكافئة، إلى جانب سوء تقدير هذه السياسة، خلقت للولايات المتحدة في غرب آسيا فخاً أكثر تعقيداً من التجربة الأوكرانية. وإذا استمر هذا المسار، فقد يتحول هذا الفخ إلى مستنقع مكلف طويل الأمد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى