بسبب انقطاع الإنترنت: غياب إيراني غير مسبوق عن تصنيف “التايمز” للجامعات لعام 2026
للمرة الأولى منذ إطلاق تصنيف مؤسسة "التايمز للتعليم العالي" (THE) للجامعات المؤثرة، خلت قائمة عام 2026 من أي اسم لجامعة إيرانية.
ميدل ايست نيوز: للمرة الأولى منذ إطلاق تصنيف مؤسسة “التايمز للتعليم العالي” (THE) للجامعات المؤثرة، خلت قائمة عام 2026 من أي اسم لجامعة إيرانية؛ في سابقة من نوعها تبدو في ظاهرها إقصاءً كاملاً للتعليم العالي الإيراني من هذا التقييم الدولي، لكنها تكشف في أبعادها الأعمق عن التداعيات الوخيمة للانقطاع طويل الأمد للإنترنت، والعزلة العلمية، والأزمة الهيكلية التي تعصف بالجامعات في الجمهورية الإسلامية.
غياب إيراني رغم المشاركة الدولية الواسعة
أعلنت مؤسسة “التايمز” أنها قيّمت أداء 1,646 جامعة من 116 دولة ضمن تصنيف «التأثير المستدام لعام 2026». وتُقيّم الجامعات في هذا النظام بناءً على مدى مساهمتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة الـ 17 للأمم المتحدة، والتي تشمل: جودة التعليم، والصحة، والمساواة بين الجنسين، والابتكار، والحد من عدم المساواة، وحماية البيئة، وتعزيز المؤسسات الخاضعة للمساءلة. ومع ذلك، لم يُدرج اسم أي جامعة إيرانية ضمن قائمة المؤسسات التي خضعت للتقييم.
يأتي هذا الغياب لافتاً بالنظر إلى أن تصنيف عام 2025 شهد حضور 34 جامعة إيرانية، حقق بعضها مراتب متقدمة في مؤشرات محددة. على سبيل المثال، برزت جامعتا “الشهيد بهشتي” و”إيران للعلوم الطبية” في مجال الصحة والرفاه، بينما تميزت “جامعة أمير كبير للتكنولوجيا” في قطاع الصناعة والابتكار والبنية التحتية، لتكون ضمن المؤسسات التي احتلت مراكز ريادية في بعض المؤشرات الفرعية.
عقبات تقنية وحجب للأنظمة العالمية
في هذا السياق، أعلنت إدارة العلاقات العامة في “جامعة أمير كبير للتكنولوجيا”، يوم الخميس (8 مرداد/ أواخر يوليو)، أن غياب الجامعات الإيرانية عن القائمة الجديدة لم يكن نتيجة تقييم سلبي لأدائها العلمي، بل يعود إلى عجز الجامعات عن تزويد مؤسسة “التايمز” بالبيانات والوثائق اللازمة بسبب «القيود المفروضة على الوصول إلى نظام إرسال المعلومات».
وأعربت الجامعة عن أسفها لما وصفته بـ “العوائق غير العلمية في مسار التقييم العالمي”، موضحة أن حجب الوصول إلى البوابة الرسمية لمؤسسة “التايمز” سلب الجامعات الإيرانية إمكانية تسجيل بياناتها. ورغم أن البيان لم يشر صراحةً إلى الجهة المسؤولة عن هذه القيود، إلا أن عجز جميع الجامعات الإيرانية عن الولوج إلى نظام دولي يُبرز التداعيات الخطيرة للقطع والتقييد الواسع لشبكة الإنترنت العالمية في إيران.
تداعيات قطع الإنترنت: عزلة وشلل أكاديمي
منذ كانون الثاني/يناير 2026 (دي ماه 1404)، وتزامناً مع اتساع رقعة الاحتجاجات، عمدت الحكومة الإيرانية إلى قطع وصول المواطنين إلى الإنترنت الدولي على نطاق واسع. وتفاقمت حدة هذه القيود بعد بدء الحرب في أواخر شباط/فبراير (نهم اسفند)، حيث انقطع اتصال شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني بالشبكة العالمية بشكل شبه كامل لمدة ثلاثة أشهر متتالية. وتفيد التقارير الفنية بأن أكثر من 96% من مسارات الإنترنت في إيران خرجت فعلياً عن الخدمة في فترات معينة، وأن التحكم في الوصول كان يُدار عبر بنية تحتية مركزية.
لم يقتصر القطع على شبكات التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام؛ بل امتد ليطال الجامعات، والمختبرات، والمكتبات الرقمية، والمجموعات البحثية التي فقدت بدورها القدرة على التواصل مع المجلات العلمية، وقواعد البيانات، وأنظمة إرسال المقالات، والاجتماعات الدولية، والزملاء في الخارج.
«الجامعات في صمت إلكتروني»: تحت هذا العنوان، نشرت وكالة أنباء “إيسنا” في الأسابيع الأولى من الانقطاع تقريراً يوثق العقبات الجمة التي واجهت الأساتذة والطلاب في الوصول إلى المصادر العلمية وتحديث الأبحاث. حتى أن قاعدة البيانات العلمية التابعة لـ “جهاد الجامعة” أعلنت إتاحة أكثر من 1.5 مليون مقال محلي عبر الشبكة الداخلية (الإنترانت) بسبب قيود الإنترنت الدولي؛ في خطوة عكست التعطل التام للوصول إلى المصادر العلمية العالمية.
«الظلام الأكاديمي في إيران»: في سياق متصل، تناولت مجلة نيتشر (Nature) العلمية تأثير هذه الانقطاعات، موضحة أن الباحث الذي يفقد قدرته على الوصول إلى بريده الجامعي، أو نظام المجلات، أو البرمجيات السحابية، تتوقف لديه فعلياً السلسلة الكاملة للإنتاج العلمي، بدءاً من جمع البيانات وصولاً إلى التحكيم والتسجيل النهائي للنتائج.
آلية التقييم واستمرار التآكل التدريجي
على عكس التقييمات التي تعتمد على بيانات الاقتباس التلقائية، يتطلب تصنيف “التايمز” للتأثير المستدام لهذا العام تسجيلاً وعضوية في الشبكة، ورفعاً مباشراً للأدلة من قبل الجامعات. وعليه، فإن أي جامعة تعجز عن الدخول إلى النظام خلال المهلة المحددة تُستبعد تلقائياً من عملية التقييم.
ومع ذلك، لا يعني الغياب عن هذا التصنيف إقصاءً كاملاً للجامعات الإيرانية من كافة القوائم العالمية. ففي التصنيف العام لجامعات العالم الصادر عن “التايمز” لعام 2026، لا يزال حضور جامعات مثل “أمير كبير”، و”شريف”، و”طهران”، و”العلوم والتكنولوجيا” قائماً؛ حيث صُنفت جامعتا “أمير كبير” و”شريف” ضمن الفئة (351 – 400)، وجامعة “طهران” ضمن الفئة (401 – 500).
إلا أن تراجع جامعة طهران بمقدار 45 مرتبة في تصنيف العام الماضي، وتأخر الجامعات الإيرانية عن نظيراتها الإقليمية، إلى جانب القمع الأمني، والاعتقالات الواسعة للأكاديميين والطلاب المحتجين، وتراجع التعاون الدولي، وهجرة العقول، وانخفاض ميزانيات البحث؛ كلها عوامل ترسم صورة واضحة للتآكل التدريجي الذي تعاني منه مؤسسات التعليم العالي في إيران خلال السنوات الأخيرة.



