الصحافة الإيرانية: من باب المندب إلى الاقتصاد المعيشي.. كيف تتسع دائرة الضغط على دول المنطقة؟

تشير تقارير إلى أن التحسن الكبير في موقع الحوثيين إزاء المسار البحري الاستراتيجي، وانخفاض حركة الملاحة عبر باب المندب، قد جعل انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم وتكاليف النقل العالمية أكثر وضوحاً.

ميدل ايست نيوز: يمكن أن يؤدي اتساع نطاق الحرب ليشمل باكستان وتركيا والسعودية، التي لم تنخرط فيها بشكل مباشر حتى الآن، إلى تغيير مشهد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية. ويحتاج دخول أي دولة إلى الحرب بطبيعة الحال إلى تحفيز الرأي العام وتبرير القرار أمامه، وهذا الأمر يستند في حد ذاته إلى أساس مهم يتمثل في اقتصاد الأسرة. فالحرب لها «عتبة اقتصادية» و«عتبة اجتماعية» لا تتطابق بالضرورة مع «عتبة التهديد العسكري». فهل يمكن أن يدفع مستوى الألم الاقتصادي هذه الدول إلى الدخول في حرب مع إيران وإقناع الرأي العام بذلك؟

يقول کیومرث اشتریان، أستاذ في العلوم السياسية، في مقال لشرق، إنه في حين ينتظر المتسببون الرئيسيون في الحرب في مكان بعيد، على أمل أن تنهش هذه الدول بعضها بعضاً. ومن هنا، يتمثل السؤال المتعلق بالأمن القومي في الآتي: ما مستوى الاضطراب الاقتصادي أو في الطاقة أو الغذاء أو البنية التحتية أو الأمن الذي يمكن أن يجعل كلفة عدم الرد على إيران في أي من هذه الدول أكبر من كلفة الدخول في الحرب؟ وبعبارة أخرى، متى تصبح كلفة الحرب مع إيران بالنسبة إلى هذه الدول أقل من كلفة السلام؟

وللإجابة عن هذا السؤال، من الضروري تقييم «عتبة الألم الاقتصادي» التي تؤثر بصورة مباشرة في اقتصاد الأسر في هذه الدول. ويمكن تقييم هذه العتبة من خلال عدة متغيرات مهمة، هي الطاقة والمواد الغذائية والبنية التحتية. وتكتسب هذه التقييمات أهمية خاصة في ظل النجاحات التي حققها الحوثيون مؤخراً في ساحة المعركة. ولذلك، ومن أجل فهم النمط التحليلي لصناع القرار في مجال الأمن القومي في إيران، نبحث في كيفية تحول «الكلفة الاقتصادية التي يمكن لهذه الدول الثلاث تحملها» إلى «تهديد للأمن القومي» بالنسبة إلى إيران، وكيف يمكن لنجاحات الحوثيين أن تغير هذه العتبة.

وتشير تقارير صادرة عن مصادر إعلامية موثوقة إلى أن التحسن الكبير في موقع الحوثيين إزاء المسار البحري الاستراتيجي، وانخفاض حركة الملاحة عبر باب المندب، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، قد جعل انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم وتكاليف النقل العالمية أكثر وضوحاً.

1. باكستان؛ «عتبة ألم أمن النقد الأجنبي والغذاء»

تختلف باكستان من حيث بنيتها الاقتصادية بشكل كبير عن الدولتين الأخريين في قدرتها على امتصاص الصدمات. ويتمثل المسار الرئيسي لانتقال الصدمة الإقليمية إلى باكستان في الطاقة والتضخم والحساب الخارجي. وتبدأ سلسلة تصاعد العتبة بالنسبة إلى باكستان من ارتفاع أسعار النفط، ثم تنتقل عبر آليات سببية أخرى، مثل النقل وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصولاً إلى تهديد الأمن الغذائي والتضخم، بما يدفع البلاد إلى عتبة الأزمة وتبرير المشاركة في الحرب.

وفي سياق جماهيري واسع، يتحول الأمن الغذائي من متغير اقتصادي إلى متغير سياسي وأمني. ويمكن أن يتحول ارتفاع أسعار القمح والدقيق والأرز والزيوت والأسمدة والوقود بسرعة كبيرة إلى مصدر استياء شعبي. ومن جهة أخرى، يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الحاجة إلى الدولار والضغط على احتياطيات النقد الأجنبي. وتنخفض قيمة الروبية، وترتفع أسعار الواردات والتضخم. ويؤدي ذلك إلى خلق حلقة تغذية راجعة، سواء داخل السلسلة الاقتصادية أو خارجها، أي في المجال الأمني والقومي والإقليمي لباكستان.

وترتبط كل هذه العوامل بنجاحات الحوثيين، وعلى إيران أن تعمل، قدر الإمكان، على ضبط هذا المشهد حتى لا تنشأ علاقة مباشرة بين نجاحات الحوثيين وعجز باكستان. والمفارقة أن «عتبة الألم الاقتصادي المتبادل» يمكن أن تعزز التعاون الاقتصادي بين الشبكات غير الرسمية في البلدين، وبالتالي لا تدفع الشعب الباكستاني نحو دعم الحرب، بل قد تدفعه إلى معارضة دخول البلاد فيها.

2. تركيا؛ «عتبة ألم التجارة»

يعتمد الاقتصاد التركي على الطاقة المستوردة، ويمكن أن تنتقل صدمة الطاقة إلى التضخم والحساب الجاري. وفي مجال الطاقة، يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والتضخم، ما ينعكس مباشرة على انخفاض القوة الشرائية.

وتُعد تركيا منتجاً زراعياً مهماً، ولذلك لا تتطابق درجة هشاشتها مع باكستان. لكن ارتفاع أسعار الأسمدة والنقل وسعر الصرف يمكن أن يزيد تكاليف إنتاج الغذاء. وبالنسبة إلى تركيا، فإن تكلفة التجارة أكثر أهمية من الغذاء، لأنها اقتصاد صناعي وتجاري كبير يرتبط بأوروبا وروسيا والقوقاز والشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

وبالتالي، فإن إغلاق المسارات الإقليمية أو تعرضها للخطر يمكن أن يضر بالصادرات والسياحة والنقل والإنتاج في تركيا. وتكتسب نجاحات الحوثيين أهمية بالنسبة إلى تركيا من هذه الزاوية، إذ يمكن للحرب أن تتحول، عبر البحر الأحمر، إلى «عتبة ألم تجارية»، حتى إذا لم تتعرض الأراضي التركية لهجوم مباشر.

3. السعودية؛ «عتبة التصعيد»

تعني نجاحات الحوثيين بالنسبة إلى السعودية أن مسارات الطاقة والتجارة السعودية يمكن أن تبقى عرضة للتهديد بصورة مستمرة في حرب إقليمية. وتمثل الطاقة المحور الأكثر حساسية بالنسبة إلى السعودية. وفي التحليل الأولي، لا يعني ارتفاع أسعار النفط بالضرورة ألماً للسعودية، إذا وفقط إذا تمكنت من مواصلة صادراتها، لأن ارتفاع الإيرادات النفطية يمكن أن يعوض جزءاً من الضغوط.

لكن الألم الحقيقي يظهر عندما تؤدي الأزمة إلى تراجع القدرة على التصدير والاستيراد أو إلى اضطرابات داخلية. وتمتلك السعودية، بطبيعة الحال، مسارات بديلة لتصدير النفط، وهو ما يزيد قدرتها على الصمود. ولذلك، من المرجح ألا يكون «التهديد في مجال الطاقة» وحده كافياً.

أما من ناحية الأمن الغذائي، فالسعودية أقل عرضة للخطر، لأن الحكومة تتمتع بقدرة مالية أكبر على امتصاص الصدمات. ومع ذلك، يمكن أن يصبح الغذاء مهماً من مسار آخر، هو اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف الواردات وتضخم أسعار المواد الغذائية، وصولاً إلى زيادة الضغوط على الأسر. وبالتالي، تظل السعودية معرضة للتهديد من حيث انتقال الصدمة العالمية سريعاً إلى تكاليف المعيشة.

لكن التهديد الأهم بالنسبة إلى السعودية يتمثل في البنية التحتية، التي تجعلها عرضة لضغوط شديدة، ولهذا تسعى إلى «تقاسم الصدمة» مع تركيا وباكستان. كما أن تهديد البنية التحتية للطاقة والمياه والمنشآت الحضرية ينقل مسألة البنية التحتية إلى مستوى شرعية الدولة الأمنية، وهذا تحديداً ما يمكن أن تسببه هجمات الحوثيين الأخيرة.

ويُظهر ما سبق أن «اتفاق مكة» عالق في «مضلع مفتوح» وغير متوازن وغير متماثل. وفي هذا السياق، يتمثل أحد الأسئلة الأساسية أمام سياسة الأمن القومي الإيرانية في كيفية إدارة اللعبة الرابحة داخل هذا المضلع، مع تجنب توفير مبررات لإقناع الرأي العام في المنطقة بضرورة خوض «حرب وجودية».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى