الصحافة الإيرانية: هل تملك إيران حصة مؤثرة في ائتلاف بريكس الكبير؟

إذا اقتصرت عضوية إيران في بريكس على زيادة عدد اللقاءات السياسية والمشاركة في القمم الدولية، فلن تحقق مكاسب اقتصادية كبيرة.

ميدل ايست نيوز: تُعقد القمة الثامنة عشرة لرؤساء دول مجموعة بريكس في نيودلهي، في وقت لم تعد فيه هذه المجموعة هي نفسها بريكس التي ظهرت في سنواتها الأولى. فالمجموعة التي تشكلت في البداية بمشاركة البرازيل وروسيا والهند والصين، ثم توسعت بانضمام جنوب أفريقيا، تحولت اليوم إلى مجموعة تضم 11 عضواً، من بينهم إيران.

ويبلغ مجموع سكان الدول الأعضاء حالياً نحو 49.5% من سكان العالم، فيما تستحوذ على قرابة 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفقاً لتعادل القوة الشرائية، ونحو 26% من التجارة العالمية. وتُظهر هذه الأرقام وحدها أن بريكس لم تعد مبادرة هامشية في الاقتصاد العالمي، وأنه لا يمكن تجاهل دورها في التطورات المستقبلية. لكن توسع بريكس أثار سؤالاً أكثر أهمية أيضاً: هل أدى ارتفاع عدد الأعضاء إلى زيادة القوة الحقيقية للمجموعة، أم أن تضارب المصالح بين الأعضاء الجدد جعل عملية اتخاذ القرار والتوصل إلى مواقف مشتركة أكثر صعوبة؟

يقول عباس عبد الخاني، الخبير في التجارة الخارجية، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد: الحقيقة أن لبريكس اليوم وجهين في الوقت نفسه. فمن جهة، تجمع المجموعة عدداً من أكبر القوى الاقتصادية والدول المهمة في العالم النامي، ومن جهة أخرى، توجد بين أعضائها اختلافات في وجهات النظر بشأن العديد من القضايا الأساسية في العالم. فالصين والهند تخوضان منافسات جيوسياسية واقتصادية بينهما، بينما دخلت روسيا في مواجهة عميقة مع الغرب، في حين لا تزال الهند والإمارات والسعودية وبعض الأعضاء الآخرين تربطها علاقات واسعة بالولايات المتحدة وأوروبا. لذلك، فإن تصور بريكس باعتبارها كتلة موحدة مناهضة للغرب لا يتوافق مع حقيقة العلاقات داخل هذه المجموعة.

وتبدأ أهمية قمة نيودلهي تحديداً من هذه النقطة. فبعد توسعها، تواجه بريكس الآن اختباراً أكثر صعوبة: هل تستطيع الانتقال من إطار سياسي واقتصادي واسع إلى آلية فعالة للتعاون العملي؟ وتحاول الهند، التي تتولى رئاسة بريكس في عام 2026، تركيز جدول أعمال القمة بدرجة أكبر على القضايا العملية، بدءاً من التجارة والاستثمار، وصولاً إلى التكنولوجيا والابتكار وأمن سلاسل الإمداد والطاقة وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية. وتشير مقترحات مثل إنشاء شبكة لمراكز الابتكار في بريكس، وصندوق للابتكار مخصص للشركات الناشئة، وإطار للتعاون في مجال الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، إلى أن نيودلهي تسعى إلى نقل بريكس من مستوى البيانات السياسية إلى مشاريع اقتصادية محددة.

ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر بالنسبة إلى إيران. فإذا اقتصرت عضوية إيران في بريكس على زيادة عدد اللقاءات السياسية والمشاركة في القمم الدولية، فلن تحقق مكاسب اقتصادية كبيرة. وتظهر القيمة الحقيقية لهذه العضوية عندما تؤدي إلى زيادة التجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا وتطوير ممرات الترانزيت وإنشاء آليات مالية جديدة. لكن يجب عدم تكرار خطأ مهم، وهو الاعتقاد بأن مجرد العضوية في بريكس ستؤدي إلى زيادة تجارة إيران مع أعضاء المجموعة. فالتجارة لا تنمو إلا عندما يتمكن النشاط الاقتصادي من طرح السلع بأسعار تنافسية، وتحصيل مستحقاته، وتأمين خدمات التأمين والنقل، والعمل في ظل أنظمة لا تكون معقدة ومتغيرة باستمرار. ويمكن لبريكس أن تسهم في تخفيف بعض هذه العقبات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإصلاحات الاقتصادية الداخلية.

ومن أبرز الموضوعات التي تحظى باهتمام بريكس خفض تكاليف المعاملات وتوسيع استخدام العملات الوطنية. وخلال السنوات الأخيرة، تحول النقاش حول تقليل الاعتماد على الدولار إلى أحد المحاور المهمة في حوارات المجموعة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين «تقليل الاعتماد على الدولار» و«إلغاء الدولار». فإصدار عملة مشتركة أو إنشاء نظام مالي مستقل على نطاق عالمي مشروع بالغ التعقيد، وليس واقعياً على المدى القصير. والأكثر قابلية للتحقق هو التوسع التدريجي في المدفوعات الثنائية، وزيادة استخدام العملات الوطنية، وإنشاء آليات لتسوية المعاملات بين البنوك، وتطوير البنية التحتية المالية المشتركة. بالنسبة إلى إيران، يمكن لهذا المستوى من التعاون أن يكون مهماً جداً، إذ إن خفض تكاليف تحويل الأموال وتسهيل تسوية المعاملات يمكن أن يقللا جزءاً من تكاليف التجارة الخارجية حتى من دون إلغاء الدولار.

في هذا السياق، يجب عدم إغفال حقيقة مهمة، وهي أن بريكس لا تزال بعيدة عن أن تكون اتحاداً اقتصادياً متكاملاً. فالمجموعة لا تمتلك سوقاً مشتركة أو سياسة تجارية موحدة أو نظاماً نقدياً مشتركاً. كما أن الأعضاء لا يمتلكون بالضرورة مصالح اقتصادية متشابهة. وحتى في القضايا السياسية، من الصعب التوصل إلى توافق بين 11 دولة. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الخلافات الأخيرة بين الأعضاء بشأن كيفية تناول الأزمات الإقليمية في البيانات المشتركة، وهو خلاف أظهر أن زيادة عدد أعضاء بريكس جعلت الوصول إلى إجماع أكثر تعقيداً. ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأهم بشأن مستقبل بريكس هو: «هل ستحل بريكس محل النظام الاقتصادي القائم؟»، بل: «هل تستطيع بريكس إنشاء قطب مؤثر إلى جانب الأقطاب القائمة في الاقتصاد العالمي؟»

ولا تزال الإجابة غير واضحة. لكن هناك مؤشرات على أن بريكس تتحرك باتجاه إنشاء شبكة اقتصادية ومالية. ويمكن لبنك التنمية الجديد لبريكس، والتعاون المالي، والجهود الرامية إلى تسهيل التجارة بالعملات الوطنية، والمشاريع المتعلقة بالتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، أن تحول المجموعة، في حال تنفيذها، من تحالف سياسي إلى شبكة اقتصادية أكثر فاعلية.

بالنسبة إلى إيران، يمثل هذا التحول فرصة، لكن لا ينبغي تضخيمها. فلا تستطيع بريكس بمفردها حل المشكلات الهيكلية للاقتصاد الإيراني، أو أن تحل محل الاستثمارات الأجنبية واسعة النطاق، أو أن تزيل جميع القيود المصرفية والتجارية. ومع ذلك، يمكنها زيادة خيارات إيران وتقليل جزء من اعتماد البلاد على مسارات محدودة للتجارة الخارجية. وهناك مسألة مهمة أخرى تتمثل في المنافسة داخل بريكس.

فالعضوية بحد ذاتها لا تخلق ميزة تنافسية، يتعين على إيران تحديد مزاياها الواضحة في مجالات مثل الطاقة والبتروكيماويات والمعادن والزراعة والخدمات الفنية والهندسية والترانزيت. كما تتمثل القضية الرئيسية في الانتقال من الصادرات التقليدية إلى سلاسل القيمة. وفي هذا السياق، يجب أن تنتقل السياسة التجارية الإيرانية من منظور «دولة إلى دولة» إلى منظور «سلسلة إلى سلسلة»، بدءاً من التعاون في النقل والاستثمار مع الهند، وصولاً إلى نقل التكنولوجيا من الصين والتعاون الصناعي وفي مجال الطاقة مع روسيا.

إذا أرادت إيران الاستفادة من عضويتها، فعليها الانتقال من مرحلة «الحضور» إلى مرحلة «إنشاء المشاريع». فلم تصنع بريكس بعد النظام العالمي الجديد، لكنها تعمل على إنشاء أدوات لتغييره تدريجياً. وبالنسبة إلى إيران أيضاً، فإن هذه العضوية ليست معجزة اقتصادية ولا مجرد عنوان تشريفي، بل فرصة لا يمكن أن تتحول إلى منفعة اقتصادية إلا إذا ترجمت إلى عقود واستثمارات وصادرات وتعاون حقيقي مع القطاع الخاص.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى