تحليل: ترامب ونتنياهو يبحثان عن نصر انتخابي عبر تصعيد الحرب على إيران

إيران فقد استفادت من قدراتها التكتيكية في محور المقاومة، ونجحت في تهيئة الظروف اللازمة لـ«الصمود التكتيكي».

ميدل است نيوز: شعر قادة الولايات المتحدة وإسرائيل بأن أي حرب شديدة الكثافة وطويلة الأمد ضد إيران قد تفتح أمامهما شكلاً جديداً من النصر السياسي والانتخابي.

وسار نتنياهو وترامب، اللذان يخضعان في قراراتهما وسياساتهما عموماً لغريزة السلطة، في حملة شاملة سعياً لتحقيق نصر سريع وواسع النطاق في مواجهة إيران. أما إيران فقد استفادت من قدراتها التكتيكية في محور المقاومة، ونجحت في تهيئة الظروف اللازمة لـ«الصمود التكتيكي».

وحسب مقال رأي للكاتب الإيراني وأستاذ جامعة طهران إبراهيم متقي في صحيفة اعتماد الإيرانية، يؤثر هذا الصمود التكتيكي في مسار الحرب برمته. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وإسرائيل تُعدّان من أكبر القوى النووية في العالم، وأن أي قدرة تكتيكية لإسرائيل مرتبطة بالدعم العسكري والاستراتيجي الأمريكي، فإن إيران نجحت خلال العقود الماضية في تعزيز قدراتها على المقاومة والرد، مما منحها فائضاً تكتيكياً في ظروف الحرب.

ويعتقد كثير من محللي القضايا الاستراتيجية أن مقاومة إيران وصمودها كانا غير متوقعين، الأمر الذي يفرض تحديات استراتيجية على مستقبل الدور السياسي الأمريكي في النظام العالمي. ويُظهر التاريخ ونمط السلوك التكتيكي للولايات المتحدة وإسرائيل أن أي نجاح عسكري وعملياتي يمهد لاستمرار الصراع وتصعيده.

ورغم أن بعض وسائل الإعلام نشرت تقارير عن تراجع القدرات العسكرية والتسليحية للولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما ضد إيران، فإن الواقع يؤكد أن القوى الكبرى واللاعبين الذين يؤدون دور «الجسر التكتيكي والعملياتي» للولايات المتحدة يمتلكون مخزوناً تسليحياً كبيراً.

وقد مرت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بمراحل مليئة بالتقلبات. ورغم أن الولايات المتحدة استهدفت خلال الحرب التي استمرت أربعين يوماً جزءاً كبيراً من القدرات التكتيكية والاقتصادية والاستراتيجية الإيرانية، فإن وقف إطلاق النار واتفاق إسلام آباد لا يعنيان نهاية الحرب.

وفي سعيه لتوسيع الحرب ضد إيران وجبهة المقاومة، شن نتنياهو عملية واسعة النطاق في جنوب لبنان، خاصة في «علي الطاهر»، حققت نجاحاً عسكرياً تكتيكياً لتل أبيب.

عندما انتهت المرحلة الأولى من الحرب ضد إيران، ظهرت حقائق فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها التكتيكية والعملياتية. ويترتب على استمرار الحرب تكاليف تتعلق بالمصداقية الأمريكية.

لطالما أكدت واشنطن أن وجود «سنتكوم» (القيادة المركزية الأمريكية) في جنوب غرب آسيا يمثل عاملاً يساهم في تحقيق الاستقرار والأمن والنمو الاقتصادي لدول المنطقة. لكن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران حوّلت كل الأحلام السياسية والاقتصادية للدول الإقليمية التي كانت تقوم على التعاون مع أمريكا إلى سراب.

ويؤدي هذا السراب إلى تحديات اقتصادية وأزمة أمنية تهدد المستقبل السياسي لهذه الدول. وللخروج من هذا الوضع، سعت الولايات المتحدة إلى تقليص نمط سلوكها التكتيكي تجاه إيران، والاستفادة من آليات اقتصادية ودبلوماسية ودولية متنوعة لعزل إيران وتقييد قوتها، الأمر الذي أوجد شكلاً جديداً من التحديات الأمنية والاقتصادية في البيئة الإقليمية.

وفي منتصف سبتمبر 2026، ظهرت مؤشرات على تعقيد المشهد العملياتي ضد إيران. وتسعى الولايات المتحدة إلى فرض قيود سياسية واقتصادية إضافية على وجود إيران وهويتها وصمودها.

وقد لجأ وزير الخزانة الأمريكي «سكوت بيسنت» إلى آليات العقوبات الاقتصادية لتقويض صمود إيران، مما قد يولد تحديات اقتصادية واجتماعية جديدة للنظام الاجتماعي وبناء الدولة ومعادلة السلطة في إيران.

ويمكن اعتبار رفع أسعار البنزين الخطوة الأولى نحو موجة جديدة من التضخم الاقتصادي. وكل مؤشر من هذه المؤشرات والتحديات قد يؤثر في معامل صمود إيران ومقاومتها أمام الإجراءات العدائية الأمريكية والإسرائيلية.

كما أعاد مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 18 شهريور 1405 طرح ملف إيران مجدداً في جلسته، مهدداً بإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي. وقد يؤدي هذا المسار إلى تحديات أمنية جديدة للجمهورية الإسلامية عبر المؤسسات الدولية، ويجعل مؤشرات الأزمة والقيود الاستراتيجية أمراً لا مفر منه.

وما استخدمته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يمكن وصفه بإعادة إنتاج تهديدات موسعة تهدف إلى تقليص مقاومة إيران وقدرتها التكتيكية. ويُعد تنويع البيئة العملياتية من المؤشرات الأخرى على التهديدات الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية.

فكلما واجهت إيران مؤشرات تحدٍ أمني، امتد الصراع إلى الساحة الإقليمية وولد مستوى جديداً من الجدل والعنف. ويمكن اعتبار حرب إسرائيل ضد حزب الله وبعض نجاحاتها التكتيكية في علي الطالع انعكاساً لارتفاع معامل السلوك العملياتي الأمريكي ضد المنشآت العسكرية، خاصة القدرات الصاروخية.

وفي ظل هذه الظروف، كثفت السعودية والإمارات إجراءاتهما لمواجهة أنصار الله في اليمن، مما أدى إلى تنوع مؤشرات التهديد والسلوك العملياتي ضد القدرات التكتيكية لجبهة المقاومة.

يُظهر تاريخ العلاقات الدولية أن الولايات المتحدة لطالما اعتمدت سياسة السلوك الهجومي ضد اللاعبين المنافسين، وهو ما يُعد من العوامل التي رسخت النزعة العسكرية والسياسة الأمنية الأمريكية في النظام العالمي.

ويمكن اعتبار تطوير النزعة العسكرية وتنويع التهديدات الأمريكية ضد لاعبين آخرين، بمن فيهم إيران، جزءاً من معادلة القوة لتلك الدولة.

وفي هذه الظروف، اعتمدت إيران استراتيجية «الصمود» و«المقاومة» و«الرد المتبادل» لتحييد السياسة الهجومية الأمريكية والإسرائيلية.

وتشير بعض وسائل الإعلام الدولية، خاصة الشبكات الإعلامية الإسرائيلية، إلى أن إيران تخطط لهجوم كبير ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرة أن هدف إيران هو استخدام القوة العسكرية لتقليص التهديدات الاقتصادية والدبلوماسية والدولية.

وسيؤدي هذا المسار حتماً إلى زيادة التحديات الإقليمية. وقد صُمم توسيع الحرب والقيود الاستراتيجية ضد إيران بحيث تتمكن مجموعة متنوعة من القدرات الاقتصادية والاستراتيجية والأمنية والدبلوماسية الأمريكية من تقليص معامل قوة المقاومة والتماسك الهيكلي الإيراني.

ويُعد ارتفاع سعر نفط برنت إلى 108 دولارات للبرميل أحد المؤشرات الرئيسية على تصاعد الأزمة في الفضاء الإقليمي والسياسة الدولية. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تطبيع نقل الطاقة وتحقيق التوازن في الاقتصاد العالمي، تلجأ إيران إلى آليات السلوك غير المتماثل سعياً إلى تقييد وتقليص قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على الجيوسياسة الطاقوية بشكل ملموس.

وفي ظل استهداف التهديدات الاقتصادية والاستراتيجية الواسعة النطاق بالتوازي للمؤسسات السياسية والقدرات العسكرية وصمود البنية الاجتماعية الإيرانية، تبقى إمكانية تصاعد الأزمة والردود المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة ضد منشآت وأصول الطرف الآخر قائمة.

ولم تُسيطر الحرب والصراع في الأيام الأخيرة من شهرها السابع فحسب، بل ظهرت مؤشرات على تحول الصراع والعمليات العسكرية إلى «حروب هوية» في إيران والولايات المتحدة. ويعتقد كثير من أعضاء الحزب الجمهوري في أمريكا والجماعات المتشددة أن ترامب يعتمد سياسة «السلوك المرحلي»، مما يولد تحديات إضافية للحكومة الأمريكية.

ويُعد دافع دونالد ترامب لتحقيق نصر انتخابي أحد عوامل تصعيد الصراع العسكري ضد إيران من منتصف سبتمبر حتى أواخر أكتوبر 2026. وقد صُممت المنافسات الانتخابية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بحيث تؤثر نتيجة الحرب والصراع الأمريكي ضد الجمهورية الإسلامية في مصير انتخابات التجديد النصفي للمجموعات المتنافسة وتحددها.

وسيؤدي إطالة أمد الحرب إلى زيادة التحديات الأمنية أمام دونالد ترامب والحزب الجمهوري. وبعبارة أخرى، يمكن أن تلقي نتائج الحرب بظلالها على المنافسات السياسية والانتخابية في الثالث من نوفمبر 2026 في الولايات المتحدة.

فإذا طال أمد الحرب مع إيران ولم تحقق الولايات المتحدة أهدافها السياسية والاستراتيجية في الفضاء الإقليمي، فلن تحقق نجاحاً يُذكر في المنافسات الانتخابية. في حين تشير الاتجاهات الحالية إلى أن إيران تعتمد آليات المقاومة، مما يمهد لإطالة أمد الحرب.

الخاتمة

أصبحت حرب الولايات المتحدة ضد إيران في الظروف الراهنة أكثر غريزية من أي وقت مضى، ومن الطبيعي أن تتوفر في الأربعين يوماً المقبلة أرضية لاستخدام آليات عسكرية جديدة ضد إيران.

وسيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تقليص شرعية ترامب بشكل ملموس. ويرى منظّرون مثل «فوكوياما» أن نمط سلوك ترامب في اتخاذ القرار وصنع السياسات ليس نتاج مقاربات ونظريات سياسية محددة بقدر ما هو نتاج «شخصية مثيرة للجدل وانتهازية».

ورغم أن العقوبات الاقتصادية والحصار البحري الأمريكي ضد إيران قد يواجهان البنية الاقتصادية بتحديات وقيود، فإن إيران أثبتت في السنوات الماضية امتلاكها القدرة اللازمة للحفاظ على وجودها عبر التجارة العابرة للهياكل. وقد أوجدت حرب الولايات المتحدة ضد إيران تحديات كبيرة للاقتصاد السياسي للجمهورية الإسلامية.

ورغم انخفاض حجم الاقتصاد الإيراني بنسبة 4.5% في عام 2027 ووصول التضخم السنوي إلى 89%، فإن مستوى صمود إيران، بفضل ما تتمتع به الشركات الاقتصادية من مخزون وقدرات عالية، يحول دون تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية لترامب.

وقد نشرت كثير من الشبكات الإخبارية ووسائل الإعلام الدولية صوراً تشير إلى تهيئة الظروف لسلوك عملياتي أمريكي ضد المواقع النووية الإيرانية، خاصة في «جبل الفأس» المجاورة لنطنز.

ويسعى ترامب، الذي يتمتع بدافع قوي لتحقيق النصر وتدمير الخصم بشكل شامل، إلى تصعيد تحدياته الأمنية ضد الجمهورية الإسلامية في الأيام السابقة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقرر إجراؤها في الثالث من نوفمبر 2026.

ويشارك نتنياهو ترامب والحزب الجمهوري المخاوف ذاتها. وتظهر استطلاعات الرأي في إسرائيل أن حزب الليكود بقيادة نتنياهو سيحصل على 20 مقعداً فقط، مما يؤدي إلى تراجع مصداقيته السياسية والانتخابية في أداء دور رئيس الوزراء في الفترة المقبلة.

وفي ظل وجود منافسات سياسية وانتخابية أمام نتنياهو وترامب، تتوفر طبعاً أرضية لسلوكهما الغريزي في إعادة إنتاج الحرب. وتشير كثير من المؤشرات الحالية إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل على أعتاب شن عمليات جديدة ضد المنشآت والقدرات الاستراتيجية الإيرانية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى