العقوبات الأمريكية تستهدف الفصائل العراقية: خطوط المشتريات وشبكات المال بين 4 عواصم
تفتح العقوبات الأمريكية الأخيرة ضد شخصيات وكيانات عراقية نافذة جديدة على ما يوصف بالاقتصاد الموازي الذي نما إلى جانب مؤسسات الدولة العراقية خلال العقدين الماضيين.

مبدل ايست نيوز: تفتح العقوبات الأمريكية الأخيرة ضد شخصيات وكيانات عراقية نافذة جديدة على ما يوصف بالاقتصاد الموازي الذي نما إلى جانب مؤسسات الدولة العراقية خلال العقدين الماضيين، بعدما أظهرت القائمة تشابكاً بين شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة وشركات للمقاولات والتجهيزات الدفاعية والعقارات والصرافة والتحويل المالي، بعضها يمتلك تعاملات تمتد إلى خارج العراق، فيما يبرز السؤال الأكثر حساسية بشأن حجم الشبكة التي تقف خلف هذه الأسماء، ومدى وصولها إلى القطاع المصرفي والمؤسسات والعقود الرسمية؟
قائمة عقوبات مفتوحة
ويقول مصدر مالي مطلع إن “العقوبات الأمريكية الأخيرة لا تتوقف عند الأشخاص والشركات التي أُعلن عنها، فهناك تدقيق أوسع في شبكة التعاملات المالية والتجارية المرتبطة بهذه الأسماء، بما يشمل حساباتها وحوالاتها وشركاءها والجهات التي تعاملت معها داخل العراق وخارجه، ومن الممكن أن تقود هذه العملية إلى أسماء وكيانات أخرى لم تظهر في القائمة الحالية”.
ويضيف المصدر، الذي طلب حجب هويته، أن “الجانب الأكثر حساسية في الملف يتعلق بالمصارف وشركات التحويل المالي العراقية التي مرت عبرها تعاملات مرتبطة ببعض الأسماء والشركات المشمولة، وعدم إدراج هذه المؤسسات في الحزمة الأخيرة لا يعني خروجها من دائرة التدقيق، إذ يمكن أن تنتقل المراجعة من صاحب الحوالة إلى المصرف والحسابات الوسيطة والمستفيد النهائي، وصولاً إلى معرفة المسار الكامل للأموال”.
البنية الاقتصادية للفصائل
ويشير المصدر العليم إلى أن “هناك أيضاً تعاملات وعقوداً تجارية سابقة لبعض الشركات التي ظهرت في العقوبات مع جهات داخل العراق، وسيكون مهماً بالنسبة للجهات المعنية مراجعة طبيعة هذه التعاملات ومصادر الأموال والجهات المستفيدة منها، خصوصاً أن واشنطن باتت تركز على البنية الاقتصادية والمالية المحيطة بالفصائل أكثر من تركيزها على القيادات العسكرية وحدها”.
وشملت العقوبات أربعة أسماء تقول وزارة الخزانة الأمريكية إنهم ينتمون إلى كتائب حزب الله، يتقدمهم علي حسن فرحان اللامي الذي وصفته بأنه قيادي كبير في الكتائب، إلى جانب حسين أحمد حسين الذهيباوي ومحمد أمين فاضل علي الشيخلي وكرار محمد قاسم الحريشاوي، الذين قالت إنهم أعضاء فاعلون في الجماعة، وإن إدراجهم جاء بسبب عملهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة لصالحها.
المشتريات العسكرية الخارجية
وامتدت القائمة إلى عباس جواد كاظم التميمي، الذي تقول الخزانة إنه مسؤول كبير في مديرية التجهيزات الفنية التابعة لهيئة الحشد الشعبي، ويقدم المشورة الفنية والاستراتيجية بشأن المشتريات العسكرية الخارجية، فضلاً عن عبد الله ناظم لعيبي العامري، الذي وصفته بأنه تاجر أسلحة عراقي مقيم في الإمارات ومؤسس ومدير شركة البروج للمقاولات العامة، واتهمته باستخدام الشركة في توفير سلع وخدمات ومعدات ذات تطبيقات عسكرية لهيئة الحشد، إلى جانب تقديم خدمات صيانة لمروحيات روسية تستخدمها تشكيلات عسكرية عراقية تقول واشنطن إنها تعمل بتوجيه من فيلق القدس.
كما شملت العقوبات خلدون ناصر، الذي عرفته الخزانة ممثلاً لشركة عين العراق، وقالت إنه ينسق الحصول على معدات ومكونات دفاعية أجنبية ويقدم المشورة لهيئة الحشد، فيما ضمت القائمة كذلك ماجد علي أكبر نامدار المندلاوي وعبد الحسن علي أكبر نامدار المندلاوي، إذ تتهم واشنطن الأول باستخدام مصارف عراقية خاصة لتمرير الأموال عبر شركة شمس وبحر للتجارة في دبي، التي يشارك الثاني في ملكيتها، وتقول إن هذه الشبكة استُخدمت لتحويل ملايين الدولارات من العراق إلى إيران عبر الإمارات.
لا إجراءات عراقية
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي رمضان البدران إن “ظهور هذا النوع من الشبكات المالية لا يمكن فصله عن البيئة التي نشأت داخل العراق خلال أكثر من عقدين، إذ توسعت شبكات لتهريب الأموال وغسلها وتمويل الجماعات وتهريب العملة، واستفاد بعضها في مراحل سابقة من السيولة الكبيرة وحركة الدولار ومزاد العملة، ولذلك فإن الكثير من هذه الشبكات ليس جديداً، وإنما يمتلك امتدادات تعود إلى سنوات طويلة”.
ويضيف، أن “المشكلة المحرجة للحكومة العراقية تكمن في أن شبكات بهذا الحجم يجري تشخيصها من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، بينما لا تظهر إجراءات عراقية مماثلة بحقها، وهو ما يثير تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الرقابية والبنك المركزي على ملاحقتها، ولا أعتقد أن جميع هذه الأنشطة مجهولة داخلياً، لكن النفوذ السياسي وتشابك المصالح والشبكات التي يكمل بعضها بعضاً يجعل التصدي لها بقرارات محلية أكثر صعوبة”.
شبكات كتائب حزب الله
ويعتقد البدران، أن “التركيز الأمريكي الحالي على الشبكات المرتبطة بكتائب حزب الله يأتي ضمن مسار الضغط الأوسع على إيران، لكن ذلك لا يعني عدم وجود شبكات مشابهة مرتبطة بأطراف وعناوين أخرى، وبالتالي فإن الجهات التي سبق أن تعاملت مع الأشخاص والشركات المشمولة بالعقوبات ستكون معرضة للتدقيق والفحص، وإذا ظهرت تعاملات أو أنشطة مشابهة فقد تتسع حزم العقوبات لتشمل أطرافاً إضافية داخل العراق”.
ولا تتوقف خريطة العقوبات عند الشخصيات المدرجة، إذ شملت الإجراءات الأمريكية مجموعة من الشركات والواجهات التجارية التي تعمل في قطاعات مختلفة، من بينها البروج للمقاولات العامة، وعين العراق لتكنولوجيا أنظمة الحماية والاتصالات، وشمس وبحر للتجارة، إلى جانب كيانات تعمل في العقارات والصرافة، وهو ما يؤشر، وفق خبراء، انتقال الإجراءات من ملاحقة الأشخاص إلى تتبع البنية التجارية والمالية التي تقول واشنطن إنها استخدمت في توفير الأموال أو المعدات أو تمرير التحويلات.
تعاملات شركة عين العراق
وتبرز شركة عين العراق بصورة خاصة في بيان الخزانة الأمريكية، إذ تقول الوزارة إن الشركة استُخدمت في تعاملات أجرتها الحكومة العراقية مع روسيا وإيران والصين للحصول على مكونات ومعدات دفاعية، وتتهمها بالمشاركة في معاملات دخل بعضها، ضمن مخططات فساد والتفاف على العقوبات، فضلاً عن استخدامها في محاولة الحصول على مواد دفاعية أمريكية من خلال شبكات هدفت إلى تجاوز القيود المفروضة على بعض الجهات.
أما المسار المالي فيظهر بصورة أوضح مع شركة شمس وبحر للتجارة، التي تتخذ من دبي مقراً لها، إذ تقول الخزانة إن ماجد المندلاوي استخدم عدداً من المصارف العراقية الخاصة لتحويل الأموال عبر الشركة، وإن ملايين الدولارات انتقلت من العراق باتجاه إيران مروراً بالإمارات.
إغلاق القنوات المالية للفصائل
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي علي دعدوش إن “العقوبات الأمريكية الأخيرة تأتي ضمن سياسة أمريكية أوسع لإغلاق القنوات المالية التي تعتبرها واشنطن مرتبطة بإيران أو بتمويل الجماعات المسلحة والتحايل على العقوبات، ولذلك فإن إدراج أفراد وكيانات عراقية لا يعني تلقائياً انتقال العقوبات إلى المصارف التي تعمل داخل البلاد”.
ويحذر من أن “الخطر يبدأ عندما تظهر في معاملات مصرف عراقي أسماء مدرجة على قوائم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية أو شركات مرتبطة بها، فالمصارف العراقية التي تتعامل بالدولار وترتبط بمصارف مراسلة أمريكية تصبح عندها أمام مخاطر امتثال مرتفعة، وقد ينتقل أثر العقوبات من الشخص المعاقب إلى المؤسسة التي تتعامل معه، ليس بالضرورة عبر معاقبة المصرف نفسه، وإنما من خلال تشديد إجراءات الامتثال والمصارف المراسلة”.
ما الحل أمام العراق؟
ويرى دعدوش، أن “الحل بالنسبة للعراق لا يكمن في الدخول بمواجهة سياسية مع العقوبات، وإنما في رفع قدرة المصارف على معرفة العميل والمستفيد الحقيقي وتدقيق التحويلات وفصل النشاط التجاري المشروع عن الشبكات المالية غير المشروعة، لأن العقوبات الحالية تستهدف شبكات محددة، لكنها في الوقت نفسه تمثل اختباراً جديداً لمدى نضج منظومة الامتثال والحوكمة المالية في العراق”.
وتأتي العقوبات الأخيرة ضمن مسار أمريكي أوسع لتشديد الخناق المالي على إيران والشبكات المرتبطة بها في المنطقة، إذ أطلقت وزارة الخزانة عملية “المنبوذ الاقتصادي” (Operation Economic Outcast)، التي تستهدف ملاحقة القنوات والوسطاء والشركات التي تقول واشنطن إنها تساعد طهران في الوصول إلى الأموال أو الالتفاف على القيود المفروضة عليها، بما يوسع دائرة المخاطر من الكيانات الإيرانية نفسها إلى الأطراف الأجنبية التي تستمر في التعامل معها.
تداعيات العقوبات على العراق
إلى ذلك، يقول الباحث الاقتصادي حيدر الشيخ إن “فرض العقوبات على شخصيات وشركات عراقية محددة لن يترك بحد ذاته تأثيراً كبيراً على الاقتصاد العراقي، ما دامت هذه الجهات لا تمثل مؤسسات رئيسية داخل الدورة الاقتصادية للبلاد، وبالتالي فإن إدراج أسماء جديدة لا يعني أن الاقتصاد العراقي أصبح مستهدفاً أو أن القطاع الخاص بمجمله سيتضرر من هذه الإجراءات”.
ويحذر من أن “المعادلة ستختلف في حال امتدت العقوبات إلى شركات عراقية كبيرة تعمل في قطاعات المال والنفط أو إلى مصارف وشركات للتحويل المالي، لأن هذه المؤسسات ترتبط بصورة مباشرة بحركة الأموال والتجارة الخارجية، وعندها يمكن أن تنتقل تداعيات العقوبات من نطاق محدود يتعلق بأفراد وكيانات بعينها إلى تأثيرات أوسع داخل السوق العراقية”.
ويضع هذا المسار العراق في موقع أكثر خطورة بسبب حجم التداخل التجاري والمالي مع إيران واعتماد جزء من قطاعه المصرفي على الدولار والمصارف المراسلة الأجنبية، إذ إن اتساع العقوبات إلى شركات تحويل أو مصارف عراقية سيجعل تأثيرها مختلفاً عن إدراج أفراد أو شركات محدودة، خصوصاً إذا ترتبت عليها قيود في الوصول إلى الدولار أو التعامل مع المؤسسات المالية الدولية.



