سقوط رهان الاستقلال.. عندما تصبح أمنية المواطن الكردي أن تحكمه بغداد
بعد 35 عاماً من الحكم الكردي لمنطقة إقليم كردستان، يعيش المواطن حياة يقول إنها أشبه بالحياة البدائية، فالمياه لا تأتي إلا مرة واحدة في كل ستة أيام، وأسعار البنزين مرتفعة تعادل أضعاف عما موجود في بقية المحافظات العراقية.
ميدل ايست نيوز: على مدى أكثر من ثلاثة عقود، قُدّم إقليم كردستان بوصفه تجربة مختلفة داخل العراق، منطقة استطاعت، رغم الحروب والأزمات والصراعات السياسية، أن تبني مؤسساتها الخاصة، وتستقطب الاستثمارات، وتحقق مستوى من الاستقرار جعلها، بالنسبة لكثير من العراقيين، نموذجاً للحكم والإدارة مقارنة بمناطق أخرى من البلاد.
لكن صورة الإقليم اليوم تبدو أكثر تعقيداً، فبينما تتحدث الحكومات المتعاقبة عن مشاريع استراتيجية وإصلاحات اقتصادية وخطط لتحديث البنية التحتية، يواجه المواطن في مدن كردستان أزمات يومية في المياه والوقود وكلفة الكهرباء والخدمات الأساسية، فيما تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي وتجربة المواطن في الشارع.
وبعد 35 عاماً من الحكم الكردي لمنطقة إقليم كردستان، يعيش المواطن حياة يقول إنها أشبه بالحياة البدائية، فالمياه لا تأتي إلا مرة واحدة في كل ستة أيام، وأسعار البنزين مرتفعة تعادل أضعاف عما موجود في بقية المحافظات العراقية، بينما لا يستطيع المواطن الاستفادة من تجربة مشروع توفير الكهرباء على مدار الـ24 ساعة، بسبب الأجور المرتفعة، فضلاً على أزمة الرواتب المتجددة بشكل شهري، وأزمات أخرى.
هيمنة حزبية
السياسي الكردي إسلام زيباري، يؤكد أن الأوضاع المعيشية لمواطني إقليم كردستان بلغت مستويات مأساوية، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز والبنزين والكهرباء، وتفاقم أزمة الرواتب، وتفشي البطالة، إلى جانب هيمنة الشركات الحزبية على مفاصل الاقتصاد في إقليم كردستان، وارتفاع الضرائب والرسوم.
ويضيف أن “هذا التدهور المعيشي يترافق مع شلل سياسي يتمثل في تعطّل البرلمان وتأخر تشكيل الحكومة، رغم مرور عامين على انتخابات برلمان كردستان، فيما وصل الشارع الكردي إلى مرحلة يتمنى فيها أن تكون رواتبه من بغداد لا من حكومة الإقليم، وأن يكون ملف النفط بيد بغداد لا أربيل، وحتى المنافذ الحدودية تحت إدارة بغداد لا أربيل”.
ويأتي ذلك، بحسب زيباري، بعد أن فشلت حكومة إقليم كردستان في تأمين رواتب موظفيها منذ عام 2014، وفشلت في إدارة ملف النفط، الذي أغرق إقليم كردستان بديون بلغت 33 مليار دولار، إضافة إلى سوء إدارة المنافذ الحدودية، بحيث لم تذهب وارداتها لخدمة الشعب، بل ذهبت لمصلحة الشركات والجهات الحزبية.
ويشدد على أن “الرأي العام في إقليم كردستان وصل إلى قناعة تامة بأن حكومة إقليم كردستان والأحزاب الحاكمة تحديداً، تتحمل المسؤولية الكاملة عن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية إلى ثلاثة أو خمسة أضعاف أسعارها في المحافظات العراقية، فضلًا عن مسؤوليتها عن انقطاع الرواتب وتأخر صرفها”.
سخرية سوداء
وبناءً على ذلك، أصبحت تصريحات بعض المسؤولين الكرد التي تُحمّل بغداد المسؤولية تُقابل بالسخرية والاستهزاء، إذ لم يعد المواطن يثق بالتصريحات المتكررة لمسؤولي حكومة إقليم كردستان بشأن حل أزمات الإقليم، بعد سنوات طويلة من الوعود دون نتائج ملموسة. كما يرى زيباري،
ويردف، بأنه “وصل الأمر في إقليم كردستان إلى حد أصبح فيه استلام الراتب في موعده أعظم إنجاز، وأصبح بيع البنزين بسعر 1000 دينار يُقدَّم كإنجاز حكومي مبهر، أما عدم ملاحقتك قضائياً بسبب تعليق أو مقال أو رأي أو نقد، فما يزال حلماً بعيد المنال”.
حكم فاسد
من جهته، يقوب السياسي الكردي فائق يزيدي، إن الحياة البدائية في إقليم كردستان هي نتيجة طبيعية للحكم الفاسد، ومنذ 1991 وهذا حال الإقليم، لكن لم يكن هناك إعلام ومواقع تواصل اجتماعي تفضح الحكومات الكردية المتعاقبة.
ويضيف أن “السلطة الحاكمة في كردستان خصخصت كل القطاعات الخدمية والاستثمارية لصالح شركاتها الخاصة، وسط وجود للأحزاب في جميع المشاريع الاقتصادية والاستثمارية، وقطاع الخدمات العامة من مياه وكهرباء وغاز ومحروقات تتحكم فيه شركات حزبية خاصة، لا تهتم بالمواطن الكردي وتحقق الأرباح على حسابه وقوت أطفاله”.
سقوط مرتقب
ويعتقد يزيدي، أن “فشل الاقليم لن يقف عند هذا الحد من الظلم، بل يجب على بغداد وحتى عواصم المنطقة أن تستعد للسقوط المدوي للسلطة في اقليم كردستان، لأن الايغال في الفساد واضطهاد المواطن الكردي هو احد المؤشرات على أن هذه السلطة تتهاوى”.
ويؤكد، أن “الشعب الكردي اليوم يحتاج إلى تدخل الحكومة الاتحادية لتخليصه من الفساد، لأن العراق بكل المحافظات متضرر من فساد السلطة في الاقليم، ومليارات الدنانير شهريا تضيع من أموال العراق لجيوب سلطات اربيل، التي تتاجر بالكرد وحقوقهم، وأعادتهم إلى الحياة البدائية”.
تجربة ناجحة
بينما يدافع عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني شيرزاد حسين عن تجربة إقليم كردستان، ويؤكد أنها تجربة ناجحة، نقص في خدمات معينة، هي حالة مؤقتة، ولا يعني فشل التجربة.
ويذكر أن “الإقليم تعرض إلى محاربة شديدة لإفشال تجربته، في ملفات عديدة، أهمها قضية الرواتب، وتأخيرها المتعمد من قبل الأطراف الحاكمة في بغداد، وقطع الموازنة، لإيقاف تمويل المشاريع، وعدم إرسال حصة كردستان من الوقود والسلة الغذائية والأدوية، ومع ذلك مؤسسات الإقليم ماتزال خدمات كبيرة هي الأفضل في العراق”.
وباتت مشكلة الرواتب معضلة دون حل، فالأمر صار يتكرر شهرياً، وسط وعود بحل الأزمة المستمرة منذ عام 2015 دون جدوى، فالرواتب تتأخر، والأسواق أصبحت شبه مشلولة.
ويعتقد حسين، أن “حكومة الإقليم نجحت بتوفير الكهرباء على مدى 24 ساعة، وأنهت عمل المولدات الأهلية، وبأسعار جيدة، وتم الانتهاء من مشكلة تعاني منها مدن العراق منذ عقود طويلة، كما أن الإعمار والمشاريع الاستثمارية في مدن الإقليم تنافس ما موجود في دول المنطقة”، معتبراً أن “نقص في تجهيز الماء في منطقة معينة، أو أزمة ارتفاع للوقود، أو مشكلة معينة، فهذه كلها مشاكل مؤقتة، وهناك حكومة تعمل على معالجتها، ومازال المواطن الكردي يثق في حكومته، ولم تتغير نظريته لتجربة الإقليم”.
وتفاقمت أزمات الإقليم خلال الصيف الحالي، ففي السليمانية تحديداً، تحولت أزمة المياه إلى واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً خلال صيف 2026، فعدد من الأحياء يعاني من انقطاعات متكررة، فيما اضطرت عائلات إلى الاعتماد على صهاريج المياه لتأمين احتياجاتها اليومية، والتي يقترب سعرها من 50 ألف دينار.
والمفارقة أن أزمة المياه تأتي في عام شهد ارتفاعاً كبيراً في المخزون المائي للإقليم. ففي أيار مايو الماضي، أعلنت السلطات أن مستويات المياه في معظم سدود الإقليم ارتفعت إلى مستويات قياسية بعد أمطار غزيرة، فيما تجاوزت كمية المياه المخزونة تسعة مليارات متر مكعب وفق تصريحات مدير عام السدود والخزانات في حكومة الإقليم رحمن خاني.



