الصحافة الإيرانية: ماذا ستفعل واشنطن للحفاظ على نفوذها في العراق بعد الانسحاب؟

تمثل علاقة العراق بإيران اختباراً مهماً للسياسة الأمريكية بعد الانسحاب. فالجغرافيا والعلاقات التاريخية والاقتصادية تجعل من إيران جاراً لا يمكن للعراق تجاهله.

ميدل ايست نيوز: مع اقتراب موعد 30 سبتمبر لخروج ما تبقى من قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق، تدخل العلاقة بين واشنطن وبغداد مرحلة جديدة، يمكن أن تحل فيها أدوات مثل الدولار والاستثمار والتعاون الدفاعي والنفوذ المالي محل الوجود العسكري بوصفها أهم أدوات النفوذ الأمريكي.

تقول صحيفة شرق الإيرانية، إنه في الأيام الأخيرة من سبتمبر، ومع اقتراب موعد خروج ما تبقى من قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق، لم يعد النقاش الرئيسي في واشنطن يدور فقط حول إنهاء وجود عسكري طويل الأمد، بل يتمحور حول كيفية تعريف العلاقة مع بغداد بعد الانسحاب. وتتمثل التقديرات المطروحة في أن الولايات المتحدة ستظل تمتلك، حتى من دون قوات عسكرية، مجموعة من الأدوات الفعالة، لكن نجاحها سيعتمد على التمييز بين «النفوذ» و«السيطرة».

وقد أتاح الوجود العسكري خلال نحو عقدين لواشنطن التأثير مباشرة في العديد من القرارات الأمنية العراقية. وبعد الانسحاب، ستُستخدم هذه الأداة بصورة مختلفة. ولا تزال الدولار والنظام المالي الدولي والعقوبات ومبيعات الأسلحة والتعاون الاستخباراتي والنفوذ الدبلوماسي والاستثمار والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق الغربية، أدوات يمكن أن تسهم في تشكيل العلاقة بين البلدين.

ومن المتوقع أن تصبح العلاقة بين واشنطن وبغداد بعد الانسحاب أقل تركيزاً على الجانب الأمني وأكثر اتساعاً، وأن تُستخدم هذه الأدوات لممارسة النفوذ، وليس لفرض القرارات التي ترغب فيها واشنطن.

ولا يزال التعاون الدفاعي ومكافحة الإرهاب، ولا سيما لمنع عودة تنظيم داعش، مهماً، لكن من الممكن أن يكتسب الاقتصاد حصة أكبر في العلاقة. ويحتاج العراق إلى التكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية لتطوير قطاعات الطاقة والكهرباء والبنية التحتية والمصارف والنقل، ويمكن للولايات المتحدة الحفاظ على جزء من نفوذها عبر التجارة والاستثمار.

وينسجم هذا المسار أيضاً مع اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق الموقعة عام 2008، والتي لم تحصر التعاون في المجال الدفاعي، بل شملت الاقتصاد والطاقة والتعليم والدبلوماسية أيضاً.

الدور المحوري للدولار

سيكون النظام المالي القائم على الدولار أحد أهم أدوات واشنطن بعد الانسحاب. وترتبط عائدات النفط العراقية بالنظام الدولي القائم على الدولار، فيما تحتاج المصارف العراقية إلى الوصول إلى الشبكة المالية الأمريكية لإجراء المعاملات بالدولار ولإتمام عمليات المراسلة المصرفية.

وذكرت «أويل برايس» أن القيود المفروضة على إرسال الدولار نقداً إلى العراق في عام 2026 تمثل مثالاً على هذه القوة، مشيرة إلى أن هذه القيود فُرضت في سياق مخاوف أمريكية بشأن أنشطة الفصائل المسلحة القريبة من إيران والتدفقات المالية غير القانونية.

ويمكن استخدام هذه الأداة لمكافحة غسل الأموال والالتفاف على العقوبات وتمويل الجماعات المسلحة، لكن هنا تحديداً تبرز مجدداً أهمية الفصل بين النفوذ والسيطرة. فالدفاع عن سلامة النظام المالي الأمريكي وإلزام المصارف المرتبطة به بالامتثال لمعايير الشفافية ومكافحة غسل الأموال والعقوبات، أمر، واستخدام الدولار لفرض قرارات سياسية على بغداد أمر آخر.

وقد يدفع الضغط المفرط العراق إلى البحث عن مسارات بديلة. ويتمثل المقترح في «الوصول المشروط»، بحيث تبقى عائدات النفط العراقية ملكاً للعراق، بينما تلتزم المصارف التي ترغب في الوصول إلى النظام المالي الدولي بالمعايير المطلوبة.

تحدي الفصائل

سيكون الملف الأكثر تعقيداً بعد الانسحاب هو الجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الحكومة المركزية، وهي جماعات يطلق عليها بعض العراقيين اسم «المقاومة»، فيما تتمتع بعض هذه الفصائل بحضور في السياسة والبرلمان والاقتصاد وحتى في الهيكل الأمني الرسمي للعراق.

وتعهدت الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات لنزع سلاح هذه الجماعات بحلول 30 سبتمبر، لكن تقارير حديثة أظهرت أن عدة جماعات مسلحة قوية رفضت هذا الموعد النهائي، وتعتبر الانسحاب الكامل للقوات الأجنبية أحد شروطها المسبقة.

وكانت رويترز قد أفادت في أوائل سبتمبر بأن خمس جماعات مسلحة رفضت الموعد النهائي، وأن تنفيذ العملية يواجه عقبات داخلية كبيرة.

وتتمثل إحدى المخاوف في أن المطالبة بنزع سلاح جميع هذه القوات بشكل فوري ومتزامن قد تأتي بنتائج عكسية. فقد أصبحت الشبكات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لبعض هذه الجماعات واسعة إلى درجة أن مواجهتها دفعة واحدة قد تؤدي إلى انقسام داخلي وإضعاف الحكومة وحتى إلى مزيد من التدخل من جانب دول الجوار.

وهنا، ينبغي النظر إلى 30 سبتمبر بوصفه نقطة تحول سياسية أكثر من كونه موعداً لتسليم آخر قطعة سلاح، بحيث تستمر بعده عملية نقل السلطة العسكرية إلى الدولة بصورة فعلية وغير قابلة للرجوع.

ويتمثل المقترح في «إعادة تشكيل» هذه الجماعات بدلاً من حلها فوراً. ويمكن للقوات التي تقبل بأوامر الحكومة وسلسلة القيادة الرسمية أن تندمج في الجيش أو الشرطة، بينما يجري التخلص تدريجياً من هياكل القيادة المستقلة والأسلحة الثقيلة.

ويستند أنصار هذا النهج إلى أن تجربة حل الجيش العراقي بصورة مفاجئة عام 2003 لا تزال تمثل تحذيراً، إذ أدى ذلك الإجراء إلى إخراج أعداد كبيرة من العسكريين السابقين من الهيكل الرسمي، وانضم بعضهم لاحقاً إلى التمرد المسلح.

وتُطرح أيضاً نماذج نزع السلاح في أيرلندا الشمالية والبوسنة في هذا السياق للتأكيد على ثلاثة شروط هي: دولة قوية، وحوافز سياسية واقتصادية، ونزع سلاح طوعي. ولا يمتلك العراق حتى الآن جميع هذه الشروط.

واقترحت عدة جماعات مسلحة مؤخراً إبقاء أسلحتها الثقيلة في مخازن لمدة عامين والامتناع عن تنفيذ عمليات عسكرية، على أن تبقى السيطرة على هذه المخازن بيدها، إلا أن بغداد رفضت هذا المقترح ولا تزال المفاوضات مستمرة.

وفي السياق نفسه، تمثل علاقة العراق بإيران اختباراً مهماً للسياسة الأمريكية بعد الانسحاب. فالجغرافيا والعلاقات التاريخية والاقتصادية تجعل من إيران جاراً لا يمكن للعراق تجاهله.

ولا ينبغي لواشنطن أن تجبر العراق على الاختيار بين الولايات المتحدة وإيران وفق معادلة صفرية. فالتجارة مع إيران أو شراء الكهرباء منها أو وجود سياسيين مقربين من طهران لا يعني بالضرورة تهديداً مباشراً للمصالح الأمريكية.

وتكمن الخطوط الحمراء المقترحة في مكان آخر، أي في كيفية ممارسة النفوذ الإيراني: هل يتم ذلك عبر السياسة والعلاقات الطبيعية بين البلدين، أم من خلال هيكل عسكري موازٍ يعمل خارج سيطرة الحكومة العراقية؟

وبناءً على ذلك، يمكن للولايات المتحدة قبول وجود مستوى معين من النفوذ السياسي والاقتصادي الإيراني، لكنها قد تواجه السيطرة على القوات المسلحة العراقية والحدود أو شبكات التمويل غير القانونية. ولا يهدف هذا النهج إلى إزالة إيران من العراق، بل إلى التأكيد على سيادة حكومة بغداد على القرارات الأمنية.

الحوافز بدلاً من التهديد

ويمكن للأدوات المالية الأمريكية أيضاً أن تتحول من أدوات للعقاب إلى جزء من علاقة إيجابية مشروطة. فقد يرتبط تقدم بغداد في السيطرة على الجماعات المسلحة وإصلاح المصارف ومنع الالتفاف على العقوبات بزيادة الاستثمارات الأمريكية والتعاون الدفاعي وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق المالية.

وفي المقابل، يمكن أن تؤدي هجمات الجماعات المسلحة أو غسل الأموال أو الانتهاكات المنظمة للعقوبات إلى فرض عقوبات محددة وقيود مالية.

ولن يكون هذا التحول في النهج سهلاً على واشنطن. فقد أنفقت الولايات المتحدة خلال عقود وجودها وحربها في العراق نحو ثلاثة تريليونات دولار، وخسرت أكثر من 4400 من أفراد قواتها. وبعد هذا الاستثمار الكبير، سيكون من الصعب تقبل أن تتخذ بغداد أحياناً قرارات تتعارض مع رغبات واشنطن.

ومع ذلك، تؤكد تقديرات «أويل برايس» أن الضغط المباشر في السياسة العراقية لا يؤدي غالباً إلى النتائج المرجوة، وأن النفوذ المستدام يتشكل بدرجة أكبر من خلال الحوافز وتوافق المصالح واحترام التوازنات الداخلية.

ويختلف عراق 2026 عن عراق 2011. فقد أصبح قسم أكبر من النخب العراقية يرى أن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة مفيدة، كما يمكن للاستثمار والتكنولوجيا والوصول الاقتصادي إلى الأسواق الغربية أن يوفر عوامل جذب لا يستطيع الوجود العسكري وحده توفيرها.

وإذا أمكن الحفاظ على هذه الفرصة، فإن انتهاء المهمة العسكرية لن يعني بالضرورة نهاية النفوذ الأمريكي.

وتتمثل الصيغة النهائية لهذا التصور في انسحاب عسكري يترافق مع الحفاظ على سيادة العراق، والتعاون الدفاعي الثنائي، والاستثمار الأجنبي المباشر، والاستخدام الحذر للأدوات المالية، وإعادة تشكيل الجماعات المسلحة بقيادة عراقية.

وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن يكون هدف واشنطن القضاء على نفوذ دول الجوار في العراق، بل قيام عراق قادر على إقامة علاقات في الوقت نفسه مع واشنطن وطهران، على أن تُتخذ قراراته الأمنية في بغداد.

وقد يكون قبول قدر أقل من السيطرة، في نهاية المطاف، طريقاً أكثر فاعلية للحفاظ على النفوذ الأمريكي على المدى الطويل.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى