«لا صِدام ولا تسليم».. بغداد بين استحقاقات مهلة أيلول وزيارات قاآني الحرجة

في وقت تفرض الحكومة جاهزيتها بدعم سياسي، يسود الغموض المشهد وسط أنباء عن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد.

ميدل ايست نيوز: يقترب العراق من مهلة 30 أيلول لحصر السلاح بيد الدولة وسط معادلة شائكة، ففي وقت تفرض الحكومة جاهزيتها بدعم سياسي، يسود الغموض المشهد وسط أنباء عن زيارة قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني ولقائه قيادات فصائلية وسياسية وأمنية لرفض تسليم السلاح ومنع المواجهة في الوقت ذاته. وبين رغبة طهران في حماية نفوذ الفصائل والحفاظ على استقرار النظام السياسي، يظل تطبيق القرار مرهوناً بتجنب أي صدام أمني.

زيارة غير مؤكدة

يقول القيادي في تحالف الإعمار والتنمية خالد وليد المرسومي، إنه “حتى اللحظة لا توجد أي مصادر رسمية أكدت زيارة قاآني إلى بغداد”، ولا نستبعد وجود جهات تستفيد من تمرير مثل هذه التسريبات أو الأخبار، وتحاول التأثير في المشهد السياسي عبر الإيحاء بوجود ضغوط من أطراف خارجية تجاه الملفات العراقية”.

ويضيف، أنه “لو كانت الزيارة قد حصلت بالفعل، لظهرت معلومات عنها من مصادر رسمية أو جهات قريبة من قاآني وبعض القوى السياسية، وهو ما لم يحصل حتى اللحظة”، معتقداً أن “كل ما يجري تداوله عبارة عن تسريبات وأخبار توردها بعض القنوات الإعلامية تحت عنوان مصدر خاص، ولا تستند إلى قصة مقنعة يمكن الاعتماد عليها أو الارتكاز إليها في تحليل الموقف”.

وأفادت تقارير إعلامية، مساء أمس الثلاثاء نقلاً عن مصدر وصفته بالمطلع، بأن قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني أجرى زيارة إلى بغداد وعقد اجتماعات مع قيادات سياسية وأمنية، بينها قيادات في الإطار التنسيقي وفصائل مسلحة، لبحث ملف حصر السلاح وتطورات أمنية واقتصادية مرتبطة بالمنطقة.

وبحسب المصدر، رفض قاآني تسليم الفصائل سلاحها في المرحلة الحالية، لكنه حذرها في الوقت نفسه من الدخول في مواجهة مسلحة مع الحكومة إذا لجأت إلى القوة لتفكيك ترسانتها، داعياً إلى تسوية سياسية بدلاً من المواجهة.

وتركزت مباحثاته على ملفين رئيسيين، أولهما سلاح الفصائل ومستقبل وجوده خارج القيادة العسكرية الرسمية، والثاني إمكانية السماح للعراق بتصدير نفطه عبر مضيق هرمز، في ظل التوترات الإقليمية وتأثيرها في الملاحة والطاقة.

حصر السلاح ماض

وفيما يتعلق بملف السلاح، يرى المرسومي، أن “الحكومة، وبتوافق القوى السياسية سواء على مستوى ائتلاف إدارة الدولة أو قوى الإطار التنسيقي، ما تزال ماضية في حواراتها واحتوائها لمختلف أطراف الملف، في محاولة لتوفير جميع مقومات نجاح حصر السلاح بيد الدولة في 30 أيلول المقبل”.

ويؤكد، أن “الأمور تمضي بالاتجاه الصحيح، في ظل استمرار قوات التحالف الدولي بالانسحاب، ووجود حديث مع بعض القوى السياسية بشأن تبني قوانين لإنصاف المقاتلين المنتسبين إلى هيئة الحشد الشعبي، فضلاً عن ضرورة استكمال جميع التفاصيل المتعلقة بدعم السيادة الوطنية”.

ويضيف، أن “هناك جاهزية كبيرة لدى القوى الأمنية والعسكرية، إلى جانب تفويض سياسي ونيابي وشعبي، فضلاً عن دعم من بعض القوى المجتمعية والدينية المهمة، وجميع هذه التفاصيل تدفع باتجاه نجاح مهمة حصر السلاح بيد الدولة”.

الوزارات الشاغرة

وينبه المرسومي إلى أن “الإطار التنسيقي كلف، مساء الاثنين، حكومة علي الزيدي بالمضي باتجاه استكمال الكابينة الحكومية بوصف ذلك وجهاً من أوجه الاستقرار، وإدامة زخم جميع الفقرات المتعلقة بتنفيذ البرنامج الحكومي، ومن بينها إدارة الأزمة الاقتصادية”.

ويعتقد، أن “هناك بعض الأطراف التي لا يروق لها ما يجري من خطوات جادة تجاه هذه الملفات، ولذلك تحاول تسريب أخبار غير دقيقة أو زج بعض الأطراف في الأزمة الموجودة داخل العراق”.

ويدخل ملف حصر السلاح بيد الدولة مرحلة أكثر حساسية مع اقتراب موعد 30 أيلول المقبل، وسط تباين في مواقف الفصائل وتحركات سياسية وأمنية تتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية.

استثمار الفصائل

من جهته، يقول المحلل السياسي رمضان البدران، إنه “في حال كانت هذه الزيارة حقيقية، وثبت أن قاآني وصل بالفعل إلى العراق، فإن قراءتها تأتي في ظرف يشهد تطوراً في مختلف المجالات الإقليمية، سواء في محور العلاقات الأمريكية الإيرانية، أو الإيرانية الخليجية، أو الإيرانية العراقية، فضلاً عن علاقات العراق مع جواره الإقليمي والدولي”.

ويرى، أن “القاسم المشترك الذي يجمع العراق وإيران يتمثل في وجود فصائل مسلحة تشكلت ودربت وجهزت وسلحت وارتبطت عقائدياً بإيران”، متسائلاً عما إذا “كانت هذه الفصائل ستستمر في دورها، وما إذا كان من واجبها الشرعي والأخلاقي أن تكمل ولاءها لإيران في هذه المرحلة، ومدى قدرة الواقع العراقي على تحمل مثل هذه المهمة، وما إذا كانت واجباتها قد تنتهي إلى استخدام الأراضي والقوة العراقية لمساعدة إيران”.

ويعتبر البدران، أن “هذا الملف يتعارض مع استقرار وأمن المنطقة والوجود الأمريكي في العراق والمنطقة، ما يجعل العراق في مرمى جهتين، تحاول كل منهما توظيفه بطريقة مختلفة”.

ويكمل، أن “الزيارة، في حال ثبوت حصولها، تطرح موضوعاً مهماً يتعلق باستمرار استثمار إيران في هذه الفصائل لتوطين نفوذها وتعزيزه، ولا سيما في المرحلة الحالية”، مبيناً أن “المطالبة بحصر السلاح مع عدم الاستجابة في الوقت نفسه تدل على أن إيران باتت في وضع معقد”.

ولاء الإطار التنسيقي

ويعتقد البدران، أن “إيران لا تريد للفصائل التخلي عن سلاحها، لأن ذلك يضعف نفوذها وامتداده، وفي الوقت نفسه تضيق على العراق في تصدير النفط عبر مضيق هرمز، إذ إن إتاحة أي فرصة للتصدير تعني دعم المعروض النفطي في الأسواق العالمية وتقليل الأسعار، وهو ما يضعفها في حربها ضد الولايات المتحدة، فيما تريد استخدام ملفي الفصائل والنفط على درجتين”.

ويلفت إلى “وجود تعارضات في الموقف الإيراني، إذ إن طهران لا تريد خسارة الفصائل، ولا تريد لها أن تنفصل مع الدولة، كما لا تريد أن تفقد العملية السياسية الحالية والنظام السياسي القائم”، مشيراً إلى أن “الإطار التنسيقي يمثل الشيعة ويتصدر هرم النظام السياسي من خلال منصب رئيس مجلس الوزراء، وأن الإطار، يضم قوى تقلد الولي الفقيه، ولا يضم من يقلد السيستاني أو الصدر أو يمثل تياراً مدنياً أو وطنياً عراقياً”.

حيرة إيرانية

ويؤكد المحلل البدران، أن “إيران تريد الاحتفاظ بالمنجز السياسي الذي وصل إليه شيعة العراق والعراق عموماً، من خلال وجود توليفة سياسية ينظر جزء كبير منها إلى ولاية الفقيه، بما يمنحها نفوذاً سياسياً كبيراً ويجعل السياسة العراقية متأثرة بالمواقف الإيرانية”.

ويردف، أن “طهران، في الوقت نفسه، لا تريد خسارة الفصائل المسلحة التي ما تزال تكمل الحرس الثوري في الصراع الإيراني الإقليمي، ما يضعها أمام حالة من الحيرة بين المحافظة على نفوذها السياسي وبين الاحتفاظ بنفوذ الفصائل المسلحة”.

ويتوقع البدران، أن “تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التداول والتفاعل، مستبعداً تقديم تنازلات واضحة من الفصائل، لكنه يرجح أن حجم الضغوط العراقية والخارجية سيدفعها إلى تقديم شيء من التنازلات، وإلا فإن العراق سيتضرر اقتصادياً ومالياً في المنطقة، وهو ما قد ينعكس على الفصائل وعلى استمرار وجودها ونفوذها.

ويأتي ذلك بعد تأكيد ائتلاف إدارة الدولة، خلال اجتماعه في 5 آب 2026، ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، واعتبار الجهات التي تمارس نشاطاً يهدد أمن البلاد خارج المؤسسات الرسمية “خارجة عن القانون ويجب محاربتها”، فيما حذر من أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد 30 أيلول سيجري التعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب.

وعقب ذلك، رفعت القوات الأمنية والعسكرية مستوى جاهزيتها وألغيت إجازات عدد من القادة والآمرين، بالتزامن مع توتر أمني أعقب تهديد فصائل بالرد على السعودية إثر ضربات استهدفت مواقع للحشد الشعبي، قبل أن تقود اتصالات بين رئيس الوزراء علي فالح الزيدي وزعيم منظمة بدر هادي العامري إلى تهدئة وفتح المجال أمام تحرك دبلوماسي.

ومع ذلك، لا تزال الفصائل منقسمة بشأن مستقبل سلاحها، إذ أبدت بعض القوى استعداداً لإعادة تنظيم علاقتها العسكرية مع الدولة، بينما رفضت أخرى، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، التخلي عن قدراتها وربطت ذلك بإنهاء الوجود الأجنبي وضمان حماية العراق من الهجمات الخارجية.

وهكذا، يقترب 30 أيلول وسط معادلة معقدة: حكومة تتمسك بحصر السلاح، وفصائل تختلف بشأن تسليمه، ورسالة إيرانية ترفض نزعه حالياً وتحذر في الوقت نفسه من مواجهة الدولة، ما يجعل الاختبار المقبل في كيفية تطبيق المهلة من دون انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة مسلحة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى