من «الصبر الاستراتيجي» إلى الضربة الاستباقية.. طهران تعيد صياغة عقيدتها العسكرية
تحولت الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية من الاعتماد على الردع التقليدي إلى تبني مفهوم «الدفاع الردعي»، بالتزامن مع تعيين قادة عسكريين وأمنيين جدد.
ميدل ايست نيوز: تحولت الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية من الاعتماد على الردع التقليدي إلى تبني مفهوم «الدفاع الردعي»، بالتزامن مع تعيين قادة عسكريين وأمنيين جدد، في خطوة تعكس تغيرًا في طبيعة العقيدة العسكرية الإيرانية، بحيث لم يعد توظيف القدرات الدفاعية يقتصر على صد التهديدات، بل بات يهدف أيضًا إلى رفع كلفة أي هجوم محتمل وإظهار القدرة على الرد بما يؤدي إلى تغيير حسابات الخصوم قبل اندلاع أي مواجهة.
وذكرت وكالة إرنا الرسمية، أن يوم 10 أغسطس/آب 2026 يمثل محطة مفصلية في تاريخ القوات المسلحة الإيرانية، ليس بسبب إصدار قرارات تعيين قادة جدد فحسب، وإنما لكونه شهد تحولًا في العقيدة الدفاعية الإيرانية من النهج الدفاعي التقليدي إلى مقاربة أكثر نشاطًا تقوم على الردع والمبادرة.
تغيير العقيدة العسكرية.. من الصبر الاستراتيجي إلى معاقبة المعتدي
استندت العقيدة الدفاعية الإيرانية طوال العقود الأربعة الماضية إلى مبدأ الردع عبر القدرة على الرد، وهو النهج المعروف في الأدبيات الاستراتيجية الإيرانية باسم «قدرة الضربة الثانية»، والذي يقوم على امتلاك القدرة والإرادة للرد بعد أي هجوم تتعرض له البلاد.
لكن ما حدث في أغسطس/آب 2026 تجاوز هذا المفهوم، إذ لم يعد الحديث يدور حول الرد على الهجوم فقط، بل امتد إلى إمكانية توجيه الضربة الأولى واتخاذ إجراءات استباقية.
وتستشهد الوكالة بالهجوم الإيراني الأخير على أربعة مواقع عسكرية أمريكية في قاعدة الأزرق الجوية بالأردن، إضافة إلى مركز للقيادة والسيطرة، باعتباره نموذجًا عمليًا لهذا التوجه، إذ اعتبرت أن طهران لم تعد تنتظر حشد القوات الأمريكية أو بدء العمليات العسكرية، وإنما باتت تتحرك فور رصد مؤشرات تدل على وجود استعدادات لشن هجوم.
ونقلت عن الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية علي أكبر داريني قوله إن العقيدة الجديدة تقوم على مبدأ مفاده أنه إذا صعّدت الولايات المتحدة التوتر خطوة واحدة، فإن إيران ستصعده خطوتين.
وأرجعت الوكالة هذا التحول إلى التجارب التي خاضتها إيران خلال الحروب الأخيرة، معتبرة أن الحربين الماضيتين أظهرتا أن الخصوم لا يلتزمون باتفاقات وقف إطلاق النار ولا بالقواعد الإنسانية، الأمر الذي يجعل معاقبة المعتدي الوسيلة الوحيدة لمنعه من مواصلة هجماته.
وفي هذا السياق، حدد أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران إبراهيم متقي ثلاثة أسباب رئيسية للتعيينات العسكرية الأخيرة، تتمثل في استمرار حالة الحرب وضرورة الاستعداد لمستويات جديدة من الصراع، ومقتل عدد كبير من كبار القادة العسكريين وما استلزمه ذلك من إعادة بناء منظومة القيادة، إضافة إلى محاولات استهداف القيادات السياسية والعسكرية بهدف إحداث فراغ في مؤسسات الدولة، وهو ما استدعى تعزيز التماسك المؤسسي.
التركيز على القيادة الموحدة عبر دمج هيئة الأركان العامة ومقر خاتم الأنبياء
وأشارت الوكالة إلى أن أحد أبرز التحولات التي شهدتها المؤسسة العسكرية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية تمثل في إعادة تنظيم هيكل القيادة، إذ جرى بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية تقسيم القوات المسلحة إلى ثلاثة أفرع رئيسية، هي الحرس الثوري والجيش وقوات الشرطة.
وفي الوقت نفسه، بقيت القيادة العامة للقوات المسلحة فوق كل من هيئة الأركان العامة، المسؤولة عن وضع السياسات العسكرية، ومقر خاتم الأنبياء المركزي، المسؤول عن إدارة العمليات العسكرية، بينما اضطلع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بدور حلقة الوصل بين هذه المؤسسات والقيادة العليا.
لكن التعيينات التي أُعلنت في 10 أغسطس/آب 2026 شهدت تحولًا هيكليًا بارزًا تمثل في دمج هيئة الأركان العامة ومقر خاتم الأنبياء تحت قيادة موحدة.
وبموجب هذه التغييرات، جرى تعيين اللواء الطيار في الحرس الثوري علي عبد اللهي، الذي كان يتولى قيادة مقر خاتم الأنبياء، رئيسًا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة مع احتفاظه بمنصبه السابق، كما أُوكلت إليه مهمة استكمال عملية الدمج.
التوجه نحو مركزية أكبر في اتخاذ القرار
ورأت الوكالة أن هذا القرار جاء استجابة لما وصفته بالثغرات الإدارية التي ظهرت خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا، إذ أدى الفصل بين وضع السياسات وإدارة العمليات في بعض الأحيان إلى إبطاء عملية اتخاذ القرار.
وأضافت أن دمج المؤسستين سيوفر قيادة موحدة وأكثر مركزية، بما يتيح اتخاذ قرارات أسرع وأكثر تنسيقًا في أوقات الأزمات.
وشهدت المؤسسة العسكرية الإيرانية أيضًا ثلاثة تغييرات أخرى، تمثلت في تعيين العميد كيومرث حيدري، القائد السابق للقوات البرية في الجيش، نائبًا لرئيس هيئة الأركان العامة، في خطوة اعتُبرت استمرارًا لسياسة توزيع المناصب بين الجيش والحرس الثوري.
كما تقرر إلغاء منصب أمين مجلس الدفاع، الذي أُضيف بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا باعتباره طبقة تنظيمية إضافية، قبل أن ترى السلطات أنه لم يعد ضروريًا.
أما التغيير الثالث، فتمثل في تعزيز صلاحيات القادة الذين يمتلكون خبرة ميدانية مباشرة.
وأكدت الوكالة أن الهيكل الجديد يعكس توجهًا نحو تعزيز المركزية الهرمية داخل المؤسسة العسكرية، بحيث تنتقل بعض صلاحيات اتخاذ القرارات العسكرية الكبرى من المستوى القيادي الأعلى إلى كبار القادة العسكريين، معتبرة أن ذلك يعكس ثقة القيادة الإيرانية في القادة الجدد وقدرتهم على إدارة الأزمات المعقدة.
طهران لم تعد تنتظر
ورأت الوكالة أن التغييرات التي شهدتها المؤسسة العسكرية الإيرانية في أغسطس/آب 2026 ستترك آثارًا على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية.
فعلى المستوى الداخلي، من المتوقع أن يسهم توحيد القيادة وتعزيز الانسجام المؤسسي في تسريع عملية اتخاذ القرار خلال الأزمات، في حين يعكس اختيار قادة يمتلكون خبرات تعود إلى فترة الحرب العراقية الإيرانية حرصًا على نقل الخبرات بين الأجيال المختلفة.
كما أشارت إلى أن تعزيز دور قوات التعبئة «الباسيج» بوصفها شبكة أمنية وشعبية سيسهم في زيادة العمق الاستراتيجي للبلاد في مواجهة التهديدات الهجينة.
وعلى المستوى الإقليمي، اعتبرت وكالة إرنا الرسمية أن الانتقال من سياسة الرد على الهجمات إلى تبني خيار الضربة الاستباقية سيغير معادلات الردع لصالح إيران، مضيفة أن الخصوم الإقليميين باتوا مضطرين إلى أخذ احتمال الرد المبكر في الاعتبار عند التخطيط لأي تحرك عسكري.
وأضافت أن تعزيز قدرات القوات البحرية التابعة للحرس الثوري والتركيز على مضيق هرمز من شأنهما تعزيز أوراق إيران التفاوضية في أي مفاوضات محتملة.
أما على المستوى الدولي، فأكدت الوكالة أن هذه التحولات ستؤثر بصورة مباشرة في الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، مشيرة إلى أن طهران لم تعد، وفق هذا التصور، تنتظر قيام واشنطن بحشد قواتها وبدء عملياتها العسكرية، وهو ما يرفع كلفة أي مواجهة محتملة.
ونقلت عن المستشار السابق للقائد العام للحرس الثوري إسماعيل كوثري قوله إن خصوم الجمهورية الإسلامية يجب أن يدركوا أن أي عمل عسكري ضد إيران ستكون له كلفة باهظة لا يمكن تحملها.
وخلصت الوكالة إلى أن العقيدة العسكرية الجديدة تقوم على مبدأ مفاده أن أي مغامرة عسكرية ضد إيران ستنتهي بالفشل، وأن الرد لن يتوقف قبل الوصول إلى مرحلة معاقبة الطرف المعتدي، معتبرة أن الردع الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال امتلاك القوة العملية والإرادة اللازمة للرد.



