الصحافة الإيرانية: من يدفع ثمن انسداد المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن؟

تكشف هذه الأزمة المشتركة، أكثر من أي شيء آخر، أن سياسة «الضغط الأقصى» و«الرد الأقصى» دفعت البلدين، ولا سيما إيران، نحو طريق مسدود على المستوى المعيشي.

ميدل ايست نيوز: أوصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من خلال تبني استراتيجية «الحصار الأقصى» للموانئ الإيرانية، تدفق الواردات وصادرات النفط الإيرانية إلى نقطة حرجة. في المقابل، أبقت الجمهورية الإسلامية على إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى تعطيل تدفق الطاقة العالمية. وأصبح المشهد أشبه بلعبة «توازن الرعب».

  • ضغط ترامب: أدى حصار الموانئ إلى حرمان إيران من مواردها من العملات الأجنبية، ووضع سلاسل التوريد الداخلية أمام خطر الانهيار.
  • ضغط إيران: أدى إغلاق مضيق هرمز إلى إحداث صدمة في سوق الطاقة العالمية، ورفع تكاليف الخدمات اللوجستية للولايات المتحدة وحلفائها إلى مستويات غير مسبوقة.

تقول صحيفة توسعه إيراني، إن كل طرف يعتقد أن الطرف الآخر سيكون أول من يعجز عن تحمل الضغوط، لكن الواقع يرسم صورة مختلفة.

أزمة البنزين.. نقطة الالتقاء في الانهيار

قد يبدو الأمر غريبًا، لكن أزمة البنزين أصبحت اليوم نقطة تقاطع بين البلدين. ففي إيران، أدى العجز عن توفير المشتقات النفطية بسبب حصار الموانئ إلى ظهور أزمة البنزين الذي عرض بسعر 89 ألف تومان في محافظة كرمان، ما أثار موجة من القلق داخل المجتمع الإيراني، رغم أن الحكومة سارعت إلى احتواء الموقف.

في المقابل، تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا ناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود واضطرابات توزيع الطاقة، ما أدى إلى تصاعد مستويات الاستياء الاجتماعي داخل البلاد.

تكشف هذه الأزمة المشتركة، أكثر من أي شيء آخر، أن سياسة «الضغط الأقصى» و«الرد الأقصى» دفعت البلدين، ولا سيما إيران، نحو طريق مسدود على المستوى المعيشي.

كارثة معيشية.. المواطن ضحية الشعارات

في الوقت الذي تقيس فيه واشنطن وطهران قدرة كل منهما على تحمل الضغوط، تعيش الطبقة العاملة في إيران حالة من الانهيار الكامل. إذ تؤكد التقارير الإحصائية أن أجر العامل لم يعد يكفي، في ظل تكاليف المعيشة الحالية، سوى لتغطية ما بين 8 و9 أيام فقط من الشهر.

هذا يعني أن أزمة البنزين لم تعد أزمة سياسية فحسب، بل أصبحت ضربة قاصمة لمعيشة ملايين المواطنين الذين لم يعودوا قادرين، تحت وطأة ارتفاع الدولار، حتى على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه مسؤولون في وزارة الخارجية الإيرانية، ولا سيما المتحدثون باسمها، بلغة يغلب عليها الطابع العسكري عند تناول مفهوم «المقاومة»، يبدو أنهم تجاهلوا، أو أنهم لا يريدون مواجهة الحقيقة، أن المقاومة من دون قاعدة معيشية متينة تعني انهيارًا اجتماعيًا.

أي الطرفين سينهار أولًا؟

لا يبدو أن الحرب الشاملة أو التدخل العسكري المباشر يمثلان الخيار الأكثر ترجيحًا للخروج من هذا المأزق، بسبب تكلفتهما الباهظة على الطرفين. لذلك، فإن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار الاستنزاف الاقتصادي.

وتسعى إيرنا، من خلال الاعتماد على بنية اقتصادية مغلقة وتقليص الاستهلاك، إلى البقاء بأقل قدر ممكن من الموارد.

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على قوة الدولار والضغوط الدولية لمحاولة إخضاع إيران.

لكن هناك عاملًا جرى تجاهله، وهو القدرة على الصمود اجتماعيًا.

فقد تتمكن الولايات المتحدة من تحمل ارتفاع أسعار الوقود لفترة طويلة، لكن البنية السياسية في إيران تبدو أكثر هشاشة في مواجهة التضخم والأزمات المعيشية، ومنها ما أظهره التقرير الأخير لوكالة «إيلنا» بشأن تكاليف معيشة العمال.

لماذا لا تنسجم وزارة الخارجية الإيرانية مع الرئاسة؟

في الوقت الذي يقدم فيه الرئيس الإيراني اتفاق إسلام آباد باعتباره محطة مهمة في الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية لحكومته، ويؤكد أهمية خفض التوتر وتعزيز الوفاق الوطني، تبدو المؤتمرات الصحفية لوزارة الخارجية وكأنها تجري في عالم موازٍ.

لا يمثل هذا التناقض مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يعكس فجوة استراتيجية يتحمل تكلفتها العمال والمستأجرون الذين يواجهون ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات.

نهاية هدنة الستين يومًا.. صمت يثير القلق

يتزامن انتهاء الهدنة غير الرسمية التي استمرت 60 يومًا بين إيران والولايات المتحدة مع استمرار الخطاب المتشدد داخل المؤسسة الدبلوماسية الإيرانية، بدلًا من استثمار هذه الفرصة لإدارة التوتر.

ويترك كل يوم يمر من دون تقدم دبلوماسي أثرًا مباشرًا في حياة المواطنين. فارتفاع سعر الدولار، الناتج عن هذا الغموض السياسي، يلقي بظلاله على التجار الذين يمثلون الطبقة الوسطى في الاقتصاد الإيراني، في وقت يعني فيه الركود تآكلًا مستمرًا لرؤوس الأموال.

ولا تزال الاحتجاجات الواسعة التي انطلقت من الأسواق خلال العام الماضي حاضرة في الأذهان.

عندما يصبح لباس الدبلوماسية ضيقًا

قد يكون الجانب الأكثر إيلامًا في هذه الأزمة هو استخدام بعض المسؤولين الذين يفترض أنهم يمثلون الدبلوماسية خطابًا قائمًا على التصعيد.

فبالنسبة إلى المواطنين الذين أنهكهم التضخم، لا ينبغي أن تصبح المقاومة مرادفة لارتفاع الدولار واستمرار الأزمة.

ويتعين على حكومة بزشكيان الإجابة عن سؤال أساسي: هل ستكون وزارة الخارجية أداة لتنفيذ سياسة الرئيس القائمة على خفض التوتر، أم أنها ستعمل على إحباط أي مؤشرات إيجابية في مسار المفاوضات؟

تهديد الوسيط بالقصف

في الوقت الذي كان فيه العالم يترقب المسار الذي ستسلكه الدبلوماسية بعد انتهاء الهدنة، أثار ترامب جدلًا جديدًا خلال مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، بعدما هدد سلطنة عُمان بالقصف.

هذا التهديد حمل رسالتين خطيرتين:

أولًا: تقويض دور الوسطاء. فتهديد عُمان يعني أن الدول التي لعبت لعقود دور الوسيط بين إيران والغرب لم تعد بمنأى عن الضغوط أو التهديدات العسكرية إذا تعاونت مع إيران في إدارة مضيق هرمز.

ثانيًا: إغلاق منافذ الخروج الآمنة. فقد جاء التهديد في وقت كان العالم يبحث فيه عن مخرج من المأزق العسكري، ما يعني أن خيارات التسوية باتت أكثر محدودية.

وهنا وجدت وزارة الخارجية الإيرانية نفسها في فخ مزدوج؛ فمن جهة تواجه إيران ضغوط الحصار الأمريكي على الموانئ، ومن جهة أخرى تتضاءل فرص التوصل إلى تفاهم مع عُمان بسبب التصعيد الأمريكي.

خلاصة القول: دبلوماسية ميتة وشعوب تدفع الثمن

يكشف انتهاء هدنة الستين يومًا غياب رؤية واضحة لدى كل من إيران والولايات المتحدة للخروج من الأزمة.

كما أن استمرار الخطابات السياسية التقليدية ومحاولة تصوير الجمود الدبلوماسي على أنه إنجاز أمر غير مقبول، لأن استمرار هذا الوضع لا يمثل انتصارًا لأي طرف، بل يفتح الباب أمام سباق لمعرفة أي المجتمعين سيكون أكثر قدرة على تحمل الضغوط الداخلية، في وقت يكافح فيه كثير من الإيرانيين للعيش اعتمادًا على أجور لا تكفي سوى لأيام معدودة من الشهر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى